روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > مكتبة علوم اللغة العربية > مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 24-07-2009, 03:00 PM   #26
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

اللغة العربية قبل عصر التدوين


اللغة ظاهرة بشرية ووسيلة اتصال وتبادل المشاعر والأفكار وهي مجموعة رموز صوتية منطوقة ومسموعة متفق عليها – بعدما كانت محاكاة – لأداء هذه المشاعر والأفكار ، وهذه الرموز تجتمع فيما بينها فتكون مقاطع ومفردات وجملا تؤدي عاني شتى حسب ما يريدها الباث للرسالة اللغوية ، وفهم المتلقي يعني إدراك العلاقات التي تقوم بين الأصوات ومدلولاتها ، وبين الكلمات بعضها ببعض . وهذه المواضعة هي "الأمر الأساسي الذي تستمد منه الكلمة مقومات دلالتها ، يضاف إليها بعد ذلك سياق الكلام والمقام الذي يقال فيه"
اللغة العربية من اللغات السامية، لم تولد كاملة، فقد مرت كغيرها من اللغات لأطوار لم يدركها عصر التدوين، والمهم أنها نمت نموا طبيعيا بعد زمن طويل، والشواهد ترجع وجود كتابتها إلى القرن الثاني الميلادي، وقد ظهرت فيها نهضات نوعية بسبب احتكاك الأفكار بالاختلاط الذي كان يتم أثناء مواسم الحج، أضف إلى هذا أثر الهجرة التي اقتضتها عوامل الطبيعة، وبذلك تعرضت لكثير من الطوارئ قبل أن تدون وتضبط في القرن الثاني للهجرة . وهكذا لم يصل إلينا – حسب كثير من الأقوال – إلا لغة الحجاز، وقد وجدت مجموعة كبيرة من اللغات التي تعرف آنذاك باللهجات .
وفي القرن الأول، والثاني قبل الإسلام، حدثت نهضة لغوية بنزول الأحباش والفرس في اليمن على اثر استبداد ذي يزن ملك اليمن ولما فتح الفرس اليمن، أقاموا فيها واختلطوا بأهلها، وكانوا يحجون إلى الكعبة ، وأهل الكعبة يتاجرون في اليمن، وسبب هذا في ظهور اختلاط في اللسان .

ومهما يكن فإن كثيرا من المصادر تشير إلى أن العربية مثلها مثل اللغات الأخرى ، عرفت طفولة ، فقد مرت بعدة أطوار قبل لأن ينزل بها القرآن الكريم ، وهذه الأطوار هي :

أطوار اللغة العربية

الطور الأول : كانت فيه مزيجا من اللهجات ، والبداية تعود إلى لهجتين: لهجة قبائل بني عدنان في شمال الجزيرة العربية ، ولهجة قحطان الحميرية ، وقد أفادت العدنانية من الحميرية وصارعها حتى تغلبت عليها.

الطور الثاني : بدأت عند اجتماع القبائل ، واختلاط بعضها ببعض في الحروب والحج والأسواق، وهنا كان لقريش السيادة الدينية ، حيث كانت تأخذ من لغات الشام واليمن وفارس والحبشة، ما تدخله في لغتها بعد تهذيب متقن ، وزادت ثروتها اللغوية

الطور الثالث : بدأت بنزول القرآن الكريم ، فأتم لهذه اللغة سيادتها وشرفها ، فكانت شيئا مهما ، وكان للحديث النبوي الشريف أثر واضح في تهذيبها ، وهنا اتسعت أغراض هذه اللغة بتأثير الدين ، ودخلتها الألفاظ الجديدة ، وتغيرت معاني بعض الألفاظ حسب طبيعة تطور المجتمع المدني آنذاك

في هذا الوقت بدأ اللحن يظهر عند العرب بفعل احتكاكهم بالمستعمرين ، وشاع في بداية العصر الأموي41-132 هـ الموافق لـ 661-749هـ ، واستنكر العرب هذه الظاهرة ، فانبرى أبو الأسود الدؤلي وتلامذته لوضع رسم إعراب القرآن عن طريق النقط، والشكل ، ووضع قواعد النحو ، وتواصل العمل في العصر العباسي 132-656 هـ الموافق لـــ : 750 -1258 هـ ، بشكل مكثف نظرا لاستعانة الحكام العباسيين بالفرس ، وازدياد انتشار الإسلام ، وكان من نتائج ذلك تأثير واضح في اللغة ، حيث ظهر الاعتماد على القياس والتعليل ، واعتماد مناهج جديدة في اللغة، ونسجل هنا ظهور علماء أفذاذ في اللغة مثل أبو عمرو بن العلاء ، وعيسى بن عمر الثقفي ، والخليل بن أحمد ، وسيبويه ، والكسائي ... فكانت كتبهم النواة الأولى لتأسيس لغة عربية لها مقوماتها التي تقوم عليها أية لغة من منهج ، قواعد ، تراث ... وزاد اختلاف العلماء فيما بينهم في أمور اللغة إلى إنشاء مدارس لغوية ، لكل منها مناهجها ، وطريقتها ، وهذا كله أدى إلى ضرورة الاعتماد على التدوين


جمع اللغة والأسباب الباعثة على ذلك :

لم يكن المجتمع الجاهلي في حاجو إلى دراسة أو روايتها ، حيث كانت على لسان العربي فطرة ، وكان صدره وعاءا لها ، وكانت الوسيلة التي بها كان يفاخر بأمجاد قبيلته ويحي عصبيته . ولما جاءت الدعوة المحمدية ، التف الناس حولها لفهم رسالة الإسلام التي نلت باللسان العربي المبين ، وكان عجزهم وتحدي القرآن لهم مدعاة إلى البحث فيه لفهم أسراره ، والعمل على نشره

نشأة الرواية اللغوية :

لقد كان المجتمع الجاهلي مجتمعا أميا لا يأخذ اللغة إلا بالحس " وكانت القبائل كأنها سجل زمني في إحصاء الأخبار والآثار" ومع ظهور الدين الإسلامي ، كانت اللغة ذات أوجه ومستويات كثيرة ، وكان ذلك دافعا لنشاط لغوي وافر بسبب إعجازه


تفسير القرآن :

لقد ورد في القرآن من الغريب ما وجد تعزيزا في التراث الشعري الجاهلي ، فكانت العودة إلى هذا الأثر مستمرة وذلك من أجل دعم مضمون الآية، انطلاقا من اللفظة الغريبة. كما جاء في القرآن من المجاز ما كان يبعث على البحث المستمر في الشعر القديم للتأكد من عدم الخروج عن الاستعمالات الحقيقية أو المجازية التي الفتها العرب في كلامها ، إلى جانب بعض التراكيب القرآنية المختلفة كالتقديم والتأخير والحذف والإضمار ... ولقد كان الشعر الجاهلي قمة ما وصلت إليه العرب من قوة الأسلوب، وروعة التعبير ، غير أنه كان يقف فاشلا أمام أسلوب القرآن الكريم ، فكان الإبقاء عليه لتأكيد إعجاز هذا القرآن عن طريق الموازنة ، وبذا كان كتاب الله الداعي الأول لرواية اللغة إلى جانب النزعات القومية التي ظهرت فيما بعد

تيقظ النزعات القومية :

لقد كانت دولة الأمويين كما يقول الجاحظ تـ 254/868 م دولة أعرابية ، نظرا لعصبيتهم للعرق العربي واتخذت هذه العصبية ألوانا شتى، حيث كانت الرواية اللغوية وسيلة لها إذ حاول الأمويون إبراز محاسن العرب ردا على الفرس، فدرسوا اللغة وتفننوا فيها، حتى أصبحت تطلب غاية في حد ذاتها ، بعدما كانت تطلب لفهم القرآن الكريم

وهكذا كانت دوافع جمع اللغة لا تخرج عن ثلاثة عوامل هي :

1- الخوف من القرآن من اللحن
2- الرغبة في ضبط اللسان العربي وحفظه من اللحن
3- التفاخر في التراث

الأخذ عن الإعراب :

لقد شافه أهل البصرة أعرب البادية للأخذ عنهم، وتعد لغة البادية أوثق نص لغوي وصل العرب ، وهي مثال جيد لتدوين اللغة وجمعها، وذلك لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم ونقلوا عنهم كثيرا من الشاذ والدخيل والمتروك، هذا يعني أنهم كانوا يدونون اللغة انطلاقا من المجموعة اللغوية الناطقة بها ، وفي محيطها الطبيعي ، وهذا يستلزم بالضرورة أن المدونة كانت أمينة وصادقة في تحديدها للحيز المكاني ، وتحديد البيئة أمر جدير بالتقدير ، وكان الرواة يجمعون ما يسمعون من القبائل المختلفة اللهجات، فكان من الضروري أن يوجد في اللغة الترادف والمشترك والأضداد . وإن جمع اللغة من "عوامل نمو اللغة وإثراء ألفاظها نظرا لما كان في لهجات القبائل من اختلاف في اللفظ ومدلولاتها، فجمع الرواة ما جمعوا من هذه اللهجات وبهذا ظهر واضحا أن اختلاف لهجات القبائل على أنواعها أدى إلى وجود ألفاظ ومعان مغايرة مستعملة عند قبيلة أخرى" ومع ذلك فاللغة لا تؤخذ إلا من الرواة الثقات ذوي الصدق والأمانة ويتقى المظنون . وقد بقيت لغة البادية على صفائها إلى آخر القرن الرابع الهجري

الرحلة إلى البادية :

لقد كان أهل البصرة والكوفة عربا كلهم في القرن الأول، إلا الموالي منهم ، وكان أولئك العرب من قبائل مختلفة وكلهم باق على فطرته ، فلم يكن الرواة في حاجة إلى البادية لأنهم لم يكونوا قد بلغوا الغاية في تعليل النحو وتفريعه ، ومن أقدم الذين رحلوا إلى البادية : الخليل بن احمد تـ 170 هـ/786 م ، وخلف الأحمر تـ 180 هـ/796 م ، يونس بن حبيب الضبي تـ 182 هـ/798 م ...
ولا شك أن ذهاب المجموعة إلى البادية كان سببه تفشي اللحن في الحضر والألتجاء إلى الأعراب الذين لم يظهر على ألسنتهم اثر الاحتكاك بالأعاجم فأخذوا عن قيس ، تميم ، وأسد ، وهؤلاء هم الذين أخذ عنهم الكثير ، وعليهم اعتمد في الغريب وفي الإعراب والتصريف ، وتأتي بعد هذه القبائل هذيل ، وبعض كنانة ، وبعض الطائيين ، ولم يؤخذ عن غيرهم . وفي الحق أن هذا التحديد المكاني والزماني كان من الضرورة أن يكون من الجاهلية إلى نهاية القرن الرابع لتكون المدونة واسعة ، إلا أن هذا التحديد يحتاج إلى دقة أكثر ، وينبغي دراسة مستويات اللهجات على حدة لكل قبيلة لكي لا يقع الخلط بين القبائل الستة ، ولكي لا يؤدي ذلك إلى الفوضى اللغوية ، ومجافاة روح البحث العلمي ، وبعد هذه الطبقة ، وهي الطبقة الثالثة من النحاة تأتي الطبقة الرابعة ، ومن أقدمهم النضر بن شميل تـ 818 هـ ، وقد أخذ عن الخليل وعن بعض الأعراب الذين أخذت عنهم الطبقة الثالثة ، وأقام في البادية أربعين سنة، ثم الكسائي تـ 189هـ وقد خرج إلى بوادي الحجاز ونجد وتهامة ، وقد أخذ أيضا عن الخليل واستمرت الرحلة إلى البادية حتى نهاية القرن الرابع ، ثم فسدت سليقة العرب ، وانقطعت المادة اللغوية اكتفاءا بالتوارث عن كتب الأسلاف

بعض وجوه نشاط الرواة :
كانت المواضيع التي كتب فيها الرواة القدماء مما يقع تحت بصر العربي ، وهم في كتاباتهم هذه لا يخرجون عن نطاق جمع اللغة، ولقد كانت موضوعاتهم في التبويب والتصنيف شاملة ، حيث أنها تتناول ما يوجد في الطبيعة من حشرات ونبات وإنسان وهناك كتب الصيغ التي كانت كتب تصنيف وبحث ، والى جانب كتب لجمع اللغة . فكتبوا في المؤنث والمذكر ، وفي المقصور والممدود و وغير ذلك

نشاط الرواية في البصرة :
لقد كان علماء البصرة يأخذون اللغة عن الأعراب ، وقد كانوا يضعون لهم أسئلة بطريقة خاصة ليمتحنوا سليقتهم ، وقد كان جلهم يتشدد في اختيار ما يصدر عن الشعراء مخافة ظاهرة اللحن ، فلقد حدد عبد الله بن أبي اسحق الحضرمي تـ 117 هـ الفصاحة بانتقاء اللغة التي يدرسونها ، والقبائل التي يأخذون عنها هذه اللغة، وبحكم نشأته غير بعيد عن السليقة العربية ، دفعه للرحلة إلى البادية فسن هذه السنة ، ومن تلاميذه يونس بن حبيب وعيسى بن عمر تـ 149 هـ، وقد رحل هذا الأخير لمشافهة الأعراب الفصحاء فلقد كانت حلقة البصرة يحضرها الأعراب ، وطلاب العلم أمثال سيبويه ، وهكذا تشدد البصريون في تحديد رقعة الفصاحة ، والقبائل الفصيحة على خلاف الكوفيين الذي يعتدون بلغات عربية كثيرة

نشأة الرواية في الكوفة :
لقد كانت الرواية فيها مقصورة على الشعر ، لإشباع نزوع العنصر العربي من الشعر ، فرحل علماؤها إلى البادية للسماع عن الشعراء ، والرواة ، ومن أقدم رواتهم : الخثعمي أبو البلاد الكوفي ،ثم حماد الراوية ، والمفضل الضبي 170هـ/ 786 م والكسائي ، وأبو عمر الشيباني تـ 206 هـ/ 821م .
ورأى كثير من اللغويين أن الشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة ، إلا أن أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله. وإن أكثر آثار الرواة تحاول جمع الثروة الأدبية في صميم المجتمع الكوفي، فيقال في حماد الراوية أنه جمع السبع الطوال، واختار المفضل مجموعة كبيرة من الشعر عرفت باسم المفضليات ، كما وضع كتابا في الأمثال ، وعمل الأصمعي كتابا على شاكلة المفضليات سماه الأصمعيات وهي سبع وسبعون قصيدة ... ومهما يكن من أمر، فإن الكوفيين أكثر توسعا في الرواية، ومن آثار الرواية عندهم: النوادر ، ومعاني القرآن ...

ويمكن أن نجمل ما قلناه في مسألة جمع اللغة أنها مرت بهذه المراحل :
1- مرحلة جمع أوائل العلماء الشواهد كيفما كانت ونظموها على شكل رسائل صغيرة في موضوع صغير
2- مرحلة تأليف الكتب في الموضوع كفعل سيبويه في النحو
3- مرحلة تأليف الكتب الضخمة الشاملة الجامعة للموضوع أو شرح الكتب السابقة

إذن اختصت المرحلة الأولى بجمع الكلمات، تدوين كل شيء والمرحلة الثانية جمع الكلمات المتعلقة بموضوع ما ، والمرحلة الثالثة كانت على شكل معجم شامل، يشمل الكلمات على نمط خاص
وفي الحقيقة أنه نشأت الرواية اللغوية من العلوم العربية الأخرى وكانت مرتبطة بعلوم الدين ، حيث كان الالتفات إلى فهم القرآن الكريم الداعي الأول للبحث اللغوي ، ثم استقل بعد ذلك، ونضج على يد البصريين والكوفيين ، رغم الاختلافات في طريقة رواية اللغة ، حيث نجد أن مدونة الكوفة أكثر توسعا من البصرية ، ولكن البصرية أكثر منطقية وتحكما في الأسلوب العلمي الدقيق . غير أن هذا النشاط يمكن اعتباره جهدا قيما في مرحلة معينة ، وفي إطار تاريخي واجتماعي وسياسي خاص ، كان من الأحرى أن يتطور هذا الجهد ، لتترقي به اللغة

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-07-2009, 03:08 PM   #27
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

مصادر جمع اللغة


تعرف اللغة العربية التي نتحدث بها حاليا باللغة الباقية ، وقد نشأت هذه اللغة ببلاد الحجاز ، ثم انتشرت في كثير من المناطق التي كانت تشغلها من قبل أخواتها السامية والحامية وإن طفولة هذه اللغة مجهولة في كثير من جوانبها ، وأقدم ما وصل هي بعض النقوش والأمارات التي يعود تاريخها إلى القرن الثاني الميلادي ، وأقدم ما وصل من آثارها الراقية الشعر والنثر الجاهليين ، وجمعا في القرن الأول للهجرة ويمثلان اكتمال هذه اللغة ، التي تغلبت لهجة من لهجاتها واستأثرت بميادين الأدب في مختلف القبائل مع فروق دقيقة ، لأنه متى انتشرت اللغة في مساحة واسعة وتكلم بها الناس استحال عليها الاحتفاظ بوحدتها الأولى ، فلا تلبث أن يحدث فيها تغيير .

نص كثير من المصادر على أن قوانين التغلب اللغوي ساد في الجزيرة العربية ، فبعد صراع اللهجات المحلية، كانت لغة قريش مهيأة للتغلب على اللهجات الأخرى، وقد ساعدها على ذلك العامل الديني، لأنه كان لقريش السلطان الديني على بقية القبائل الأخرى وبجانب ذلك كان هناك سلطان اقتصادي ، حيث كانت التجارة في يد القرشيين الذي كانوا يتنقلون بتجارتهم في مختلف بقاع الجزيرة العربية من الشام شمالا إلى أقاصي اليمن جنوبا ، وأشهر تبك الرحلات التجارية رحلات الشتاء والصيف ، وبفضل هذين العاملين تحقق للغتها النفوذ الاستعمالي ، والتغلب اللهجي على باقي اللهجات الأخرى ، ومن المقر أن اللهجة التي يتاح لها التغلب تصبح آجلا لغة الآداب فتصطنع وحدها في الكتابة والتأليف والأدب شعره ونثره . ومن المصادر التي جمعت عنها اللغة، وقننت على ضوئها هي :

1- القرآن الكريم :
نزل القرآن بلسان عربي مبين ، في الوقت الذي استفحل فيه اللسان القرشي ، ولم يعد للهجات الأخرى سلطان على الآداب . ومن هنا يمكن أن نقول على أن اللسان العربي المبين يعد ذلك اللسان الذي تنطقه الجماعة الكبيرة من أهل الجزيرة العربية . وهكذا كان لنزول القرآن بهذا اللسان تقوية وتدعيم سلطانها على الألسنة، أضف إلى ذلك تنقيحها ، والنهوض بها إلى أرفع المستويات الأدبية .

وقد اتسعت العربية بفضل القرآن أيما اتساع ، وذلك في الأغراض والمعاني والأخيلة والأساليب والألفاظ ، و قد فتح القرآن أبوابا كثيرة من فنون القول لم يكن العرب يعرفونها – رغم أنهم قوم بلاغة – وما تحديه لهم إلا من باب تلك الأساليب الجديدة التي لم يألفها العرب سابقا، "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضكم لبعض ظهيرا" الإسراء 88 "وإن كنتم في ريب مما نولنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين" البقرة 23 ، والقرآن معجز في الجديد الذي أتى به ، فلم يكن معجزا في ألفاظه ، وقد نزل بلغتهم إنما الإعجاز في نظمه وطريقة أساليبه وهكذا كان الثر واضحا ، فقد تجردت كثرا من الألفاظ من معانيها العامة ، وأصبحت تدل على معان خاصة ، أضف إلى ذلك قضاؤه التام على كثير من الألفاظ العربية الجاهلية التي تدل على نظم حرمها الإسلام ، مثل:المرباع / الصفايا / النشيط /الفضول ...

والقرآن أضاف إلى العربية أغراضا كثيرة، عملت على ارتقائها لتتبوأ المكانة الكبيرة التي شرفها بها ، ومن ذلك غدا القرآن المدونة الصحيحة التي يرجع إليها في جمع اللغة لنع منزه عن الخطأ ، وقد نزل بلسان عربي مبين. وهند جمع اللغة أضحت الضرورة قصوى للاحتجاج به في صحة أو فساد قاعدة لغوية، وقد ألفت حوله كثير من الدراسات اللغوية في معانيه وغريبه ، وأوجد لها علماء اللغة التخريجات المختلفة لما ورد فيه مخالفا للمألوف ، وقد اتخذتها مدرسة الكوفة دليلا لمخالفتها رأي البصرة في بعض الآراء النحوية ، وقاست عليها على أن ما ورد في القرآن بمختلف قراءاته حجة ولا يطعن فيه

ومن هنا عد القرآن المصدر الأساس أثناء جمع اللغة ، فكلما يقع خلاف يرجعون إلى القرآن للفصل فيه

2- الشعر القديم :
إن الأدب الجاهلي لم يدون إلا بعد الإسلام بأكثر من مائة عام وظل مدة طويلة يروى شفويا ، وغني عن التذكير أن ما يروى شفهيا يأتي زمن يناله التحريف، ويندس فيه ما لم يكن منه. ونذكر بعض المصادر أن كثيرا من الأعراب يخلقون القصائد وينسبونها لشعراء الجاهلية ، إرضاء لرغبة اللغويين - الموردون - الذين كانوا يلحون عليهم ويطلبون المزيد ، وذكروا أن حمادا الراوية كان ينحل وأن خلف الأحمر وغيره اخترعوا من الشعر ما لم يكن له وجود وكذبوا على الشعراء .

ومهما يكن الأمر فإن المنحول من ذلك الشعر ، لا يقل أهمية عن الصحيح لأن قائليه كانوا قريبي عهد بالعصر الجاهلي ، فجاء ذلك الشعر يحاكي أنماط الشعر الجاهلي في كل أحواله .
وهكذا عد الشعر القديم النواة الأولى أو المصدر الأساس للغة العربية ، والذي حفل بهذا الكنز الضخم الذي لا نقل خصائص اللغة ومقوماتها العامة . وقد كان الأنموذج الذي يحتذى ، وبه يستشهد عند إشكال أمر من الأمور ، لأنه الوثيقة الرسمية الذي حمل اللسان العربي الصحيح ، وكل خروج عن أنماطه يعد شذوذا أو خرقا للقاعدة ، وزاد من صحة ذلك الشعر نزول القرآن الكريم بمعظم قوالبه، ونظمه

ولما جاء عصر التدوين تهافت جماع اللغة للنزول إلى البادية - الوبر- على أن ملكتهم مازالت بها السليقة العربية ، وأن العربي يمتلك اللغة الصحيحة التي ينطق بها سليقة ، وما يقوله لا يحتمل على الخطأ لأنه رضع لغته من محيطه الأصلي . وقد اتحذت على أساس أنها النموذج الصحيح ، وعليها القياس ، وقد عدت لغة العرب في البادية كلها صحيحة إلى نهاية القرن الرابع الهجري ، وبعده لم تبق الفصاحة في الجزيرة العربية بفعل عوامل الاختلاط ، وتطور المجتمع العربي وبفعل الإسلام الذي دخلت أقوام فير عربية اللسان. والذي يهمنا في هذا المقام أن لسان العربي في ذلك العصر حجة ، وثقة ، وأنه لا ينطق الا الصحيح من لغته، وتأبى عيه نفسه النطق الخطأ ، وقد حاول بعض النحاة أن يصطنعوا بعض الأخطاء، وأعطوها للعرب الذي تؤخذ عنهم اللغة فرفضوها بدعوى أنها ليست من لسانهم. ومهما يكن من أمر فإن اللسان العربي عد أنموذجا يحتذى أثناء جمع اللغة، واليه يرجع في القياس والاحتجاج اللغوي ، وما ورد على لسانهم فهو منه وكان الشعر والنثر الجاهليين النماذج التي يرجع إليها ، لأنهما المادة اللغوية الباقية على لغة ذلك العصر

3- الحديث النبوي الشريف :

لقد تحرج اللغويون الأوائل من الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف على أساس أن بعضا منه روي بالمعنى، وبعضه انقطع سنده وبعضه طعن في رواته ... ومن ذلك لم يحتج بالحديث النبوي الشريف إلى غاية القرن الخامس الهجري ، حيث استشهد الزمخشري بها وواصل ابن مالك الاحتجاج بع في ألفيته في القرن السباع ... على أن هذا التحرج كان من قبل النحاة واللغويين الأوائل خوفا مما اصطبغه الرواة على الحديث من تحريف وما وضعته كثير من الفرق الإسلامية للتشيع للمواقف التي تخدم أغراضها الخاصة ... ومهما يكن من أمر فإن هذا مدعاة إلى الاحتياط والتريث في الأمر والتحقق من مدى صدق الراوي، وثقته والتمييز بين الحديث الصحيح والمشكوك فيه ، لأن الحديث دون متأخرا والرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( من دون عنب شيئا فليمحه ) ، وهو الذي قال كذلك : ( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) ، على أن التحرج صدر منه، ومن هنا تحرج النحاة واللغويين كثير من الاحتجاج بالحديث خوف ما يطرأ عليها من تحريف . فكان طبيعيا هذا التشدد وكله من أجل بقاء اللغة الفصيحة لا تشوبها شائبة .

ومع كل ذلك أعيد النظر في الأمر ، ورأى النحاة واللغويون الذين جاؤوا من بعد أن الحديث النبوي الشريف يحمل ثروة لغوية هامة كان من الأحرى الرجوع إليه والاستفادة منه على أساس أنه لسان عربي مبين وكيف وهو الذي صدر عن الرسول الذي لا ينطق عن الهوى ، وكيف يكون الاحتجاج بأولئك الأعراب الذين يبولون على أعقابهم ولا يحتج بحديث الرسول المعصوم ... وقد وقع في العصر الحاضر البت في هذه المسألة على أن ما ورد في الكتب الصحاح يحتج بها دون جدال

إن القرآن الكريم ، والحديث النبوي الشريف أضافا إلى رصيد العربية ثروة هائلة من المصطلحات ، فنجم عن ذلك اتساعها في الأغراض والاتقاء في المعاني والأخيلة والأساليب ، فقويت على تجلية المعاني الدقيقة، واستخدمت فيها الحجج العقلية والبراهين الفلسفية ودخلت فيها عناصر جديدة للخيال والتشبيه ، وتهذيب أساليبها وتشكلت في صورة الأساليب العلمية . ومن هنا عدا من المصادر الثلاثة التي جمعت منها اللغة - بعد الشعر الجاهلي

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-07-2009, 03:12 PM   #28
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

تعريف المعجم لغة واصطلاحا


النص :
يقول ابن جني : " اعلم أن عجم وقعت في كلام العرب للإبهام والإخفاء وضد البيان والإفصاح ، فالعجمة الحبسة في اللسان ، ومن ذلك رجل أعجم وامرأة عجماء ، إذا كانا لا يفصحان ولا يبينان كلامهما ، والأعجم الأخرس ، والعجم و العجمي غير العرب لعدم إبانتهم أصلا ، واستعجم العربي القراءة ، لم يقدر عليها لغلبة النعاس عليه ، والعجماء البهيمة لأنها لا توضح ما في نفسها ، واستعجم الرجل : سكت ، واستعجمت الدار عن جواب سائلها سكتت ...
اعلم أن أعجمت وزنه أفعلت و أفعلت هذه وان كانت في غالب أمرها تأتي للإثبات والإيجاب نحو أكرمت زيدا أي أوجبت له الكرامة ، فقد تأتي أفعلت أيضا ويراد بها السلب والنفي ، وذلك نحو أشكيت زيدا أي أزلت له ما يشكوه ، وكذلك قولنا أعجمت الكتاب أي أزلت عنه استعجامه " .

ابن جني : سر صناعة الإعراب . ج 1 ص 40




التحليل

يتضح لنا من استعمال مشتقات كلمة عجم أنها لا تفيد الوضوح إنما تدل على الغموض ، فكيف يكون المعجم من مشتقاتها ؟ والمعروف أن من أهدافه الأساسية التيسير والتسهيل ؟
جمع ابن جني في هذا النص مشتقات كلمة عجم محددا معانيها بـ:

عجم : وقعت في كلام العرب للإبهام والإخفاء و ضد البيان والإفصاح
العجمة : الحبسة في اللسان
رجل أعجم ، امرأة عجماء : إذا كان لا يفصحان لا يبينان كلامهما
الأعجم : الأخرس
العجم ، العجمي : غير العرب لعدم إبانتهم أصلا
استعجم القراءة : لم يقدر عليها لغلبة النعاس عليه
العجماء : البهيمة لأنها لا توضح ما بنفسها
استعجم الرجل : سكت
استعجمت الدار عن جواب سائلها : سكتت

فباستقرائنا لمعاني كل هذه الكلمات يتبين لنا أنها تدل على :

عدم البيان والفصاحة ، على عدم القدرة ، على السكوت ، عدم التوضيح . وكلها إذن تشترك في دلالتها على عدم الوضوح أي على الغموض ، فكيف يكون المعجم من مشتقاتها ، مع العلم أننا نستعمل المعجم لتوضيح معاني الكلمات ؟

لكن ابن جني يوضح لنا في الجزء الثاني من النص أن أعجمت على وزن أفعلت التي تدل على معنى :

أ ـ الإثبات: أكرمت زيدا أي أوجبت له الكرامة
ب ـ النفي : أشكيت زيدا أي أزلت له ما يشكوه
أعجمت الكتاب أي أزلت عنه استعجامه

المعنى الاصطلاحي لكلمة المعجم :

هو كتاب يضم أكبر عدد من مفردات اللغة مقرونة بشرح معناها واشتقاقها وطريقة نطقها وشواهد تبين مواضع استعمالها



حصة تطبيقية حول تحليل مادة معجمية


يحلل المعجم معنى الكلمات بالنظر إلى مستوياتها اللغوية المختلفة وهي مستويات تمثل مجموعة من المعلومات التي يتوقع أي طالب أن يقدمها له المعجم :

أ ـ المعلومات الصوتية: وهو تمثل صوتي دقيق يمثل الحرف في الكتابة رمزا كتابيا واحدا مستقلا كأن تصف حركات الكلمة و مدها واعجام الحروف وإهمالها .

ب ـ المعلومات الصرفية : يقدم المعجم تحديد المبنى الصرفي للكلمة إذا كانت اسما أو صفة أو فعلا ، وهذا غالبا ما يحدث في صيغ صرفية محايدة مثل فاعل ( بكسر العين ) تقال لصفة فاعل والأمر من فاعل نحو قاتل .
ج ـ المعلومات النحوية: حينما يسوق المعجمي شواهد الكلمة عادة ما يورد بعض الإشارات النحوية، وذلك بعرض بعض القواعد النحوية وذكر معناها الوظيفي في فهم المعنى.

د ـ المعلومات الدلالية : يكون شرح المعنى بذكر المعاني المتعددة التي يصلح كل واحدة منها لسياق معين ، وذلك :

ـ بعرض الأشكال التي تستعمل في عصر واحد مثل : بكة ومكة
ـ تخصيص مدخل لكل اشتقاق من اشتقاقات المادة
ـ يتجنب الشرح بالمرادف .
ـ الاستشهاد على كل معنى من المعاني التي يوردها المعجم للكلمة إذ يساعد في تركيبها



نموذج تطبيقي على معجم تاج اللغة وصحاح العربية :


ينتمي إلى معاجم الألفاظ ، ويمثل المدارس التي اعتمدت على نظام القافية ، أي الترتيب الألفبائي للكلمات مع اعتبار أواخر الأصول

مؤلفه هو أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري المتوفي سنة 400ه . تتلمذ على يد أبي علي الفارسي ، وأبي سعيد السيرافي . ويدلنا عنوان المعجم على أن صاحبه قصد إلى أرقى الألفاظ والصحيح منها بصفة خاصة. يقول في مقدمته: "أودعت هذا الكتاب ما صح عندي من هذه اللغة التي شرف الله تعالى منزلتها"
ترك الجوهري نظام ترتيب الحروف على المخارج ، ونظام ترتيبها على الألف باء . وابتدع نظاما جديدا


منهج المعجم


راعى فيه ترتيب الألفاظ حسب أواخرها ، فالمعجم عنده ينقسم إلى ثمانية وعشرين بابا ، كل واحد منها يتناول الألفاظ المتحدة الحرف الأخير ، فباب لما آخره همزة ، وباب لما آخره باء ، وباب لما آخره تاء ، وهكذا تتوالى الأبواب إلى آخر الحروف .
ثم قسم كل باب من هذه الأبواب إلى فصول معتمدا على الحرف الأول من الكلمة ومرتبا لها على الألف باء أيضا . فباب الهمزة مثلا يحوي فصل الهمزة ، ففصل الباء ... إلى آخر الحروف والفصول، وهذه الفصول تحوي جميع الألفاظ الثنائية والثلاثية والرباعية.

سار على طريقة الصحاح معاجم كثيرة ، أشهرها :

1 ـ لسان العرب لابن منظور ت سنة 711ه
2 ـ القاموس المحيط للفيروز آبادي ت سنة 817ه
3 ـ تاج العروس للزبيدي سنة 1205ه

كيفية استخدامه : إذا أردنا مثلا البحث عن معنى كلمة استكتب : جردناها من الحروف الزائدة وهي همزة الوصل والسين والتاء ، فيكون أصلها كتب ، فنبحث عنها في باب الباء فصل الكاف .


نموذج من المعجم

مادة عق ( باب القاف فصل العين )

العقيقة : صوف الجذع . وشعر كل مولود من الناس و البهائم الذي يولد عليه : عقيقة وعقيق وعقة أيضا بالكسر . قال ابن الرقاع يصف حمارا :


تحسرت عقة عنه فأنسلها
واجتاب أخرى جديدا بعدما ابتقلا


ومنه سميت الشاة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه : عقيقة . وقال أبو عبيد : العقة في الناس والحمر ولم نسمعه في غيرهما
وعقيقة البرق : ما انعق منه ، أي تضرب في السحاب وبه شبه السيف . قال عنترة :

وسيفي كالعقيقة فهو كمعي
سلاحي لا أفل ولا فطارا


وكل انشقاق فهو انعقاق . وكل شق وخرق في الرمل وغيره فهو عق . ويقال انعقت السحاب ، إذا تبعجت بالماء .

والعقيق ، ضرب من الفصوص . والعقيق واد بظاهر المدينة . وكل مسيل شقه ماء السيل فوسعه فهو عقيق والجمع أعقة .

وعق بالسهم إذا رمى به نحو السماء ، وينشد للهذلي :

عقوا بسهم ثم قالوا صالحوا
ياليتني في القوم إذا مسحوا اللحى


وذلك السهم يسمى عقيقة ، وهو سهم الاعتذار وكانوا يفعلونه في الجاهلية . فان رجع السهم ملطخا بالدم لم يرضوا إلا بالقوة، و إن رجع نقيا مسحوا لحاهم وصالحوا على الدية . وكان مسح اللحى علامة للصلح، قال ابن الأعرابي: لم يرجع ذلك السهم إلا نقيا. ويروي عقوا بسهم، بفتح القاف، وهو من باب المعتل وينشد:


عقوا بسهم فلم يشعر به أحد
ثم استفاءوا وقالوا حبذا الوضح



وعق عن ولده يعق : إذا ذبح عنه يوم أسبوعه ، وكذلك إذا حلق عقيقته . وعق والده يعق عقوقا ومعقة فهو عاق وعقق ، مثل عامر وعمر ، والجمع عققة مثل كفرة . وفي الحديث ( ذق عقق) أي ذق جزاء فعلك
يا عاق .
أعق فلان : إذا جاء بالعقوق . أعقت الفرس : أي حملت فهي عقوق ، ولا يقال معق إلا في لغة رديئة، وهو من النوادر ، والجمع عقق مثل لرسول رسل .

ونوى العقوق : نوى رخو تعلفه الإبل العقق ، وربما سموا تلك النواة عقيقة .
والعقاق الحوامل من كل حافر ، وهو جمع عقق مثل قلص وقلاص وسلب وسلاب . والعقاق بالفتح : الحمل ، يقال أظهرت الأتان عقاقا وكذلك العقق ...


المطلوب : حدد المعلومات التي ذكرها الجوهري لمادة ( عق ) .

الإجابة : لقد شرح الجوهري المادة ( عق ) بذكره لمجموعة من المعلومات نفصلها بـ:

أ ـ المعلومات الصوتية : أورد الجوهري طريقة نطق بعض الكلمات مثل قوله : عقة أيضا بالكسر وعقوا بسهم بفتح القاف ، العقاق بالفتح .

ب ـ المعلومات الصرفية : قدم لنا مجموعة من اشتقاقات الجذر ( عقق ) ، ابتداء من الفعل الماضي عق في قوله: عق بالسهم ، أعق ، العقاق ، العقوق إضافة لذكر بعض الجموع مثل الجمع عقق وعققة. وبعض أبواب الفعل في قوله : عقوا بسهم هو من باب الفعل المعتل .

ج ـ المعلومات الدلالية : شرح الجوهري معاني الكلمات المشتقة من الفعل ( عقق)، كتعريفه للعقيق : بأنها ضرب من الفصوص والعقاق : الحوامل من كل حافر.
الشواهد : استعان مؤلف المعجم لتحديد معاني بعض الكلمات بمجموعة من الأبيات الشعرية لشعراء يعتد بفصاحتهم اللغوية .


تمرين :

1 ـ رتب هذه الكلمات على حسب طريقة عرضها في معجم الصحاح :

أ ـ ندم ، علم، سلم، وهم، قدم، ردم، ثلم
ب ـ عنف ، عكف ، عفف ، عاف ، عقف ، عسف ، عرف

2 ـ اقرأ سورة القارعة :

"باسم الله الرحمان الرحيم. القارعة ، ما القارعة. وما أدراك ما القارعة، يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش. فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية، وما أدراك ماهيه ، نار حامية ".

المطلوب :

استخرج معاني المفردات التالية من معجم الصحاح أواللسان ، أو تاج العروس ، أوالقاموس المحيط ، مبينا نوع المعلومات التي يقدمها كل معجم :
القارعة، المبثوث، العهن، المنفوش، هاوية

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-07-2009, 03:13 PM   #29
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

المعاجم العربية


( تقدم هنا فكرة موجزة عن أبرز المعاجم العربية المشهورة مع الإشارة إلى المصادر والمراجع التي اقتبسنا منها هذه المعلومات وخاصة مؤلفي الدكتور حلمي خليل : المولد قبل الإسلام ، والمولد بعد الإسلام )

1- المعجم الكبير الذي وضعه المجمع اللغوي بمصر:
رتب المادة اللغوية حسب المعاني الكبرى متدرجا بها من المولد الحسي إلى المدلولات المجردة ، فاستشهد على ذلك بنصوص من الشعر و النثر على اختلاف العصور، دون التقيد بعصر معين.

2- المعجم الوسيط : صدرت الطبعة الأولى للمعجم الوسيط سنة 1961 و الثانية 1972.

في مقدمة الطبعة الأولى عرف المولد بأنه : المحدث من كل شيء... ومن الكلام كل لفظ عربي الأصل غيرته العامة... وما استخدمه العرب و لم يكن من كلامهم فيما مضى
حلمي خليل – الحديث ص182 - الوسيط ج/68 ط 1
وفي مقدمة الطبعة الثانية قالوا: المولد المحدث من كل شيء ... ومن الكلام كل لفظ عربي الأصل، ثم تغير في الاستعمال واللفظ العربي الذي يستعمله الناس بعد عصر الرواية .
الوسيط ج/56 ط1

3- لسان العرب :
نعلم أن المادة اللغوية التي ضمها معجم لسان العرب المؤلف في القرن الثامن الهجري قد أخذت من معاجم سبق تأليفها في مراحل سابقة، و هذه المعاجم بدورها أخذت مادتها من الرسائل اللغوية التي أسفرت عنها معركة جمع اللغة في البادية منذ أواخر القرن الهجري الأول و أوائل القرن الهجري الثاني ثم على امتداد القرن الثالث كله ، ومن ثم فمادة اللسان مادة بدوية تمثل العربية وهي في داخل الجزيرة وقبل انتشارها مع المسلمين عقب الفتح الإسلامي. خ ح ص 189-190
ملاحظة : هذا الرمز (خ ح ) أينما ورد يعني : خليل حلمي

4- معجم دوزي : يزيد إلى المعاجم القديمة ألفاظ الحضارة الإسلامية التي دخلت العربية بعد الفتح ترجمتهم للعلوم والمعارف المختلفة والتي اعتبرتها المعاجم القديمة من المولد فأهملتها .
خ ح ص 191 - دوزي ملحق المعاجم العربية ص 8- ص13

5- المعجم الوسيط يعكس ما أثبت من ألفاظ مولدة ومستخدمة في صورة العربية الحديثة ويحذف كثيرا
من الألفاظ التي ماتت بفعل التطور .. خ ح ص191

6- يرى الدكتور خليل أنه من الضروري وجود مجمع لغوي واحد لوضع مسميات موحدة وخاصة للآلات والأدوات الحديثة على أن نكثر هذه المسميات وتتعدد بتعدد اللهجات والأقطار العربية .. خ ح ص230

7- نتيجة ... يجب أن نفرق بين المصطلحات المولدة والألفاظ العامة... حتى يسهل علينا وضع معجم مستقل لمصطلحات كل علم من العلوم بعد ذلك .. خ ح ص 239

8- من حصيلة هذين المصدرين [قراءة المعاجم الغربية القديمة ومعاجم المصطلحات قراءة دقيقة والاتجاه إلى النصوص الأدبية و التاريخية و العلمية في التراث العربي وحديثا على أن نقسم النصوص تاريخيا ...] يمكن ترتيب هذه المادة اللغوية واستكمال المعجم المنشود للألفاظ المولدة .. خ ح ص 239

9- خصص الرازي المتوفي 322 لهذا اللون من الألفاظ التي جاء بها الإسلام معجما كاملا سماه كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية .. خ. المولد بعد الإسلام ص67 - الزينة ج1 ص6.

10- شهدت هذه الفترة ( عصر النهضة ) حركة التأليف في المعاجم اللغوية التي كانت قد توقفت منذ أن أخرج الزبيدي (ت 1205) معجمه تاج العروس فظهر أول معجم عربي حديث هو محيط المحيط لبطرس البستاني 1866 تبعه بقطر المحيط وهو مختصر لهذا المعجم ثم ظهر أقرب الموارد 1889. ثم معجم الطالب لجرجس همام الشويري 1907 ثم المنجد 1908 للأب لويس المعلوف.
وقد اعتنت هذه المعاجم جميعا بالمصطلحات و الألفاظ المولدة و أكثر من فعل ذلك بطرس البستاني في محيط المحيط .. خ ح ص46

11- وشهدت هذه المرحلة (عصر النهضة) ظهور مجموعة من المعاجم العلمية من أشهرها معجم الدكتور محمد شريف بالانجليزية والعربية في العلوم الطبيعية والكيمياء والطبيعة والنبات ومعجم الحيوان والمعجم الفلكي لامين المعلوف ومعجم أسماء النباتات للدكتور احمد عيسى ومعجم الألفاظ الزراعية للأمير مصطفى الشهابي كما نشرت صحف ومجلات هذه المرحلة بحوثا في الكثير من المصطلحات العلمية والمعربة. ح خ ص55 .. مصطفى الشهابي- المصطلحات العلمية.


12- ولسد هذا النقص وضع مصطفى الشهابي معجمه في الألفاظ الزراعية في الزراعة العامة والبساتين و يضم هذا المعجم حوالي عشرة آلاف مصطلح كان للمولد نصيب كبير فيها.

والغرض من هذا المعجم أن يجد العلماء و الأدباء و أساتذة الجامعات و المدارس الزراعية والثانوية وأرباب الزراعة و المتأدبون أصلح الكلمات العربية التي يمكن استعمالها في زبدة العلوم الزراعية الحديثة و في زبدة علوم المواليد من نبات وحيوان و جماد.
.. ح خ ص119 - الشهابي معجم الألفاظ الزراعية- المقدمة- ص2.

13- ولذلك فكر الكرملي في وضع معجم لسد هذا النقص في مفردات العربية يذكر فيه ما أغفلته المعاجم من الألفاظ و سمى معجمه هذا ذيل لسان العرب ثم عدل عن هذه النسبة و أطلق عليه (المساعد)
.. ح خ 87 و ما بعدها
مجلة لغة العرب 7/883 نقلا عن د. إبراهيم - الأب انستاس الكرملي و آراؤه اللغوية ص111.

14- وقد نتج عن هذه القطيعة إسقاط ألاف من الألفاظ – المصطلحات من المعجم العربي العام، وقد اقتفى المحدثون إلا من رزقه الله التسامح – أثار اللغويين القدماء في هذه القطيعة فكانت المعاجم العامة الحديثة – في الغالب – صورا مشذبة متفرعة من المعاجم القديمة .
دراسات في المعجم العربي - إبراهيم مراد ص5

15- ظهر في اللغة العربية خلافا لبقية لغات العالم الحية – مستويان مستقلان منفصلان للرصيد المعجمي العربي – توقيفي ومنظور وقد حظي الأول بالتدوين وهمش الثاني. وتهميش هذا المستوى قد أحدث في المعجم العربي انفصاما بين مستويات اللغة.
دراسات في المعجم العربي - إبراهيم مراد ص8

16- معجم العين للفراهيدي (ت175-791) في اللغة العامة
- في أواخر القرن الثاني و بداية الثالث ظهرت مؤلفات معجمية كثيرة و لكنها لم تكن معاجم حقيقية ومعظمها إما في غريب القرآن و الحديث أو في مظاهر لغوية معجمية مثل الأضداد والمعلقات هو في صفات الإبداع و هي الأكثر عددا لهذه المعاجم مثل: الرسائل في المطر واللبن .....والنبات وخلق الانسان ، أو أكثر المعجميين المؤلفين لهذه المعاجم .

- النضر بن شميل (203-818م) - قطرب بن المستنير (206-821) وأبو عبيدة معمر بن المثنى (210-825) و أبو زيد الأنصاري (215-830) وأبو سعيد عبد الملك الأصمعي (214-828) وأبو عبيد القاسم بن سلام الهروي (223-839) وكتاب الغريب المصنف أهم مدونة معجمية بعد كتاب العين، وقد رتب فيه الألفاظ اللغوية التي جمعت من المؤلفات السابقة بحسب مجالاتها ..
دراسات في المعجم العربي – بن مراد ص9

17- في النصف الأول من القرن الثالث ظهر في اللغة العربية معجمان علميان مختصان إلا أنهما ليسا من وضع علماء عرب بل هما معجمان مترجمان من اللغة اليونانية هما:

1- معجم المقالات الخمس من القرن الأول الميلادي أو كتاب [الحشاشين] للعالم اليوناني ديوسفيريدس العين زربي من القرن الأول الميلادي، من نقل اسطفن بن بسيل (من القرن الثالث) وإصلاح حنين إسحاق (260-873م))
2- كتاب الأدوية المفردة للعالم اليوناني جالينوس البرغامي 199م. من نقل حنين بن إسحاق.
- وآخر كتاب عربي ألف في الأدوية المفردة على طريقة القدامى هو[كشف الرموز] لعبد الرزاق بن حمّادوش الجزائري المتوفي (1168ه – 1754م)
- كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري (282/895)
- الرحلة المشرقية لأبي العباس النباتي الاشبيلي (637-1239) وهو معجم في النبات.
- معجم البلدان لياقوت الحموي (ت620-1229م)
- كشاف اصطلاحات الفنون لمحمد بن علي التهانوي الذي انتهى من تأليفه (1158-1745) .. دراسات في المعجم العربي ص9 وما بعدها

18- أول معجم علمي مختص يؤلف في اللغة العربية هو كتاب الأدوية المفردة لإسحق بن عمران بالقيروان وهو مفقود... وقد أخذ منه ابن البيطار في كتابه الجامع في النبات و المداواة 22 مفردة وفي النبات 30
دراسات في المعجم العربي ص13.

19- لسان العرب لابن منظور [جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرّم ابن منظور (630هـ-711ه) (1232م- 1311) في مستوى الجمع كان تابعا لأعمال سابقيه لأنه لم يتسع إلى استيعاب الرصيد المعجمي العربي كله، من مختلف مظانه، بل تعمد الانحصار في خمسة مصادر فضلها على كل ماعداها واعتبرها كافية وهي:

- التهذيب للأزهري (ت370 ه /980 م)، الصحاح للجوهري (ت393ه/1003م) والمحكم لابن سيدة (ت458ه/1066م) والحواشي لابن بري(ت582 ه/1187م) والنهاية لابن الاثير(ت606ه / 1210م).

ومن مزايا هذه المصادر أنها:

* تنتمي إلى عصور مختلفة، ما بين النصف الأول من القرن الرابع إلى نهاية القرن السادس الهجريين
* كما تنتمي إلى بيئات مختلفة.
* ومن حيث الاختصاص تنتمي تلك المصادر إلى مجالي المعجمية وعلم الحديث (ابن الأثير)
ـ كانت غاية ابن منظور استيعاب لسان العرب و الإحاطة به.
- ومن منهجيته أنه لم يكن يتقيد بالنقل الحرفي دائما عن مصادره فكان ذا موقف و منهج في الأخذ فكانت مدونته معبرة عن شخصيته العلمية.
- كان موقفه متحيزا ضد العجمة و ذلك دفاعا عن العربية التي كانت في حالة جزر. حيث فشت العجمة و استفحلت .
- أفقد العجمة ألفاظا كثيرة. حيث دون مداخل أعجمية كثيرة و لكنه اعتبرها عربية خالصة ولم يشر إلى عجمتها مثل البوارج و الابريز و الأنزيم و بندق و البستان .......... و البطيخ.
- اعتمد في اثبات العجمة لبعض الألفاظ على أراء عدد كبير من العلماء.
- اقتصر في أخذ المقترضات اللغوية على إثبات ما اعترف به أئمة اللغة من المقترضات و دونوه في متونهم و خاصة المعرب العلمي.
- كان يخضع الأعجمي لجذور عربية فوضع الإستبرق تحت برق كما اشتق جذور وهمية من ألفاظ أعجمية مثل بطرك الذي وضع للبطريك.
- أطلق مصطلحات مختلفة على الأعجمي مثل (المعرب – الدخيل – الأعجمي – المولد.......)
ونسب الأعجمي إلى لغات مختلفة مثل (الفارسية – النبطية- العبرانية (البعير) – الرومية وأهمل كثيرا من نسبة الألفاظ إلى لغاتها.
دراسات في المعجم العربي 157 إلى 191 - لسان العرب لابن منظور.

20- من الكتب ذات الأهمية التي اعتمدها المعجميون العرب في تعريف المادة النباتية (كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري).
دراسات في المعجم العربي ص182

21- مستدرك دوزي : دوزي هو المستشرق الهولندي رينحارت دوزي المتوفي 1883 و هو مجمع لمستدركات متعددة لخصها في المستدرك على المعاجم العربية – صدرت طبعته الأولى في لندن 1881.
- جمع مادته من المصادر التي استقرأها و التي بلغت 450 مصدرا ينتمي معظمها إلى ما بين القرن الرابع و العاشر الهجريين.
- حاول تدوين المولد و المستحدث من الألفاظ و العبارات الجديدة التي طرأت في مختلف الأعصار الإسلامية، خلافا لمن سبقوه الذين اكتفوا بتدوين الفصيح فقط في حدود الجزيرة العربية و بعض التخوم ونهاية عصر الاحتجاج (ق 3 ه)
- ومع ذلك فكان في مدونة دوزي بعض مصادر النقص إذ لم يستقرأ كل المصادر و خاصة التي كانت قبل عصر الاحتجاج مع وجود مؤلفات كثيرة في العلوم و خاصة في القرن الثالث وفيها ألفاظ لم تدون في المعاجم العربية.
- رتب معجمه ألفبائيا بحسب الجذور معراة من الزوائد (و هذا من السلبيات).
- كان معجم دوزي ثنائي (عربي / فرنسي) اللفظ بالعربي و الشرح بالفرنسي.
- كان لديه في كثير من الأحيان ظاهرة الحشو بتكرار تعاريف بعض المداخل و خاصة المركبة.
- كان المدخل المركب تارة حسب الجزء الأول و تارة حسب الثاني و أخرى حسب
- يعتبر معجم دوزي أول معجم يقر بلغة الأمصار الإسلامية من دور في إثراء اللغة العربية
وينطلق من مبدأ أن الفصاحة فصاحات.
دراسات في المعجم العربي ص199 وما بعدها

22- كتاب الجامع لابن البيطار ومعالجة المصطلح النباتي والصيدلي :
ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد المعروف بالعشاب و النباتي ولد في مالقة بالأندلس في النصف الثاني من القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) و توفي في دمشق 646/ 1248م

أهم كتبه التي وصلت:

- المغني من الأدوية المفردة
- تفسير كتاب دياسفاريدوس
- الإبانة والإعلام بما في المنهاج من الخلل والأوهام.
- الجامع لمفردات الأغذية للأدوية.
- المصطلحات النباتية والصيدلية: احتوى كتاب الجامع على 3000 مصطلح علمي منها القديم ومنها الحديث الذي اختص به ابن البيطار.

واعتمد في منهجه على 1- استقراء المصادر القديمة. 2- البحث الميداني. 3- اعتماد المخبرين.

وجد في الاقتراض اللغوي وسيلة هامة لانماء معجمه اللغوي وتوسيعه إذ يلاحظ تفتح المؤلف على معجم اللهجات العامية في عصره و على معجم اللغات الأعجمية فقام بدور العالم المصطلحي والمعجمي، كان يكتب المصطلح حسب نطقه بلغته الأم فبدأ بالساكن مثل (سطوبي )
إن عمل ابن البيطار العلمي والمعجمي منهج يحتذى به وطريقة لا تزال صالحة.
دراسات في المعجم العربي 271 – 293 - ابن بيطار – الجامع – 1/3 و 3/14

23- أهم المعاجم المتخصصة في العصر الحديث ( خلال القرن العشرين ) :

1- معجم العلوم الطبية و الطبيعية لمحمد شرف الصادر في القاهرة 1926
2- معجم أسماء النبات لأحمد عيسى الصادر في القاهرة 1930 (لاتيني- فرنسي – انجليزي عربي).
3- معجم الحيوان لأمين المعلوف الصادر في القاهرة 1932.
4- معجم الألفاظ الزراعية للأمير مصطفى الشهابي دمشق 1943 (فرنسي – عربي)
5- معجم المصطلحات الطبية الكثير اللغات الذي صدر في دمشق 1956 للأساتذة مرشد خاطر – أحمد حمدي الخياط – محمد صلاح الدين الكواكبي.
6- مجموعة المصطلحات العلمية و الفنية الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة في ستة أجزاء بين 957 و 964
7- الموسوعة في علوم الطبيعة لادوارد غالب الصادر في بيروت 965 – ثلاثة أجزاء.
8- المعجم الطبي الموحد الصادر في بغداد 1973عن اتحاد الأطباء العرب.
9- المعجم الموحد للمصطلحات العلمية في مراحل التعليم العام الصادر عن المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم ممثلة في مكتب تنسيق التعريب بالرباط في دمشق . وبغداد بين-1976 ـ1978 في ستة أجزاء هي الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، الحيوان، النبات، الجيولوجيا.
والسمة الأساسية في كل هذه المعاجم المتخصصة هي الترجمة، فهي جميعا ثنائية اللغة
أو متعددة اللغات.
وقد رتبت مداخلها المعجمية على حروف المعجم الأعجمية عدا الموسوعة في علوم الطبيعة.
دراسات في المعجم العربي ص295.

24 - معجم مصطلحات علم النبات دمشق 1978 – عدد مداخله الأصلية 4237 مادة.
- اعتبرت في ترتيب مداخله المصطلحات الانجليزية أصولا ثم اتبعت بالفرنسية و قوبلت جميعها بالعربية.
- وكان ترتيب المعجم من حيث الصفات عربيا (من اليسار إلى اليمين) خاص بقسم النبات.
- هذا المعجم مؤهل لأن يكون أحسن ما ألف المحدثون في مصطلحات علم النبات وذلك لتوفر أربع خصائص:

أ- لأنه تتويج للأبحاث العربية في علم النبات.
ب- لأنه ثمرة عمل جماعي و مر بثلاث مراحل – فقد أعد مادته الأولى مكتب تنسيق التعريب، ثم أعادت النظر فيه لجنة علمية في الجزائر 1973 ، ثم أعادت مراجعته لجنة علمية متخصصة 1974.
ج- انه معجم موحد بمعنى أن تحظى مصطلحا ته بنوع من الإجماع العربي.
د- انه موجه إلى جمهور التعليم العام.
المعجم الموحد - دراسات في المعجم 295 إلى 298.

25- ومع المزايا الايجابية فان معجم النبات لا يخلو من بعض السلبيات مثل:

1- أنه خال من التعريف ويكتفي بذكر المقابل العربي فيعرف المصطلح بمصطلح آخر وكأنه معجم لغة عامة مع أنه معجم مصطلحات علمية
2- هناك نوع من التسيب المنهجي في وضع المصطلحات ومن مظاهر ذلك عدم التقيد بمنهج دقيق في معالجة السوابق و اللواحق كترجمة اللاحقة oide ذات الأصل اليوناني بست طرق مختلفة، والاضطراب في تعريب الأصوات الأعجمية مثل v. G بالإضافة إلى تحريف مصطلحات عربية كانت اللغة اللاتينية قد اقترضتها في القرون الوسطى مثل مصطلح سماق الذي جاءت محرفة سماك.
هذا بالإضافة إلى القطيعة بين واضعي هذا المعجم والعلماء السابقين من القدماء والمحدثين
دراسات في المعجم العربي ص299-203

26- من ناحية أخرى يلاحظ تزايد ظهور المعاجم الفنية التخصصية في كثير من مجالات العلوم بفضل جهود مؤسسات التعريب ومجامع اللغة العربية في عدة أقطار عربية في المشرق والمغرب.
تجديد النهضة باكتساب الذات وتقدمها - محمد جابر الأنصاري

27- من المعاجم الحديثة : الجاسوس على القاموس لأحمد فارس الشدياق (1804-1887 ينتقد فيه القاموس المحيط للفيروز أبادي.
كنز الرغائب 1/205 - خ ح 75

29- البرقيات لأحمد تيمور (1871-1930) وهو معجم صغير كان هدفه احياء بعض الكلمات العربية القديمة - خ ح ص101.

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-07-2009, 03:15 PM   #30
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

الترادف


إن كثيرا مما قيل عن المشترك يقال عن الترادف و لكن في وضع معكوس بالنسبة للمفهوم .
فالترادف لغة هو التتابع ، وهو مصدر ترادف الذي يدل على الحدث دون الدلالة على الزمان وهذا المصدر مادته ردف الذي يدخل ضمن دلالتها الدلالة على التبعية و الخلافة ومن ذلك الردف الراكب خلف الراكب التابع . ( ينظر : فريد عوض حيدر ، كتاب علم الدلالة دراسة نظرية وتطبيقية ، كلية دار العلوم جامعة القاهرة ، فرع الفيوم )
- رَدَفَه ورَدف له رَدْفًا تبعه وركب خلفه وصار له .
- وكل ما تبع شيئا فهو ردْفُه .
- ترادفت الكلمات تشابهت في المعنى .

وأما اصطلاحا فالمترادف هو ما اختلف لفظه واتفق معناه أو هو إطلاق عدة كلمات على مدلول واحد كالأسد و السبع و الليث التي تعني مسمى واحدا
- وهو أيضا كما عرفه الإمام الرازي : الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد. على أية حال فالترادف هو من مجالات دراسة المعنى، إذ أن لفظين أو عدد من الألفاظ تحمل دلالة واحدة أو تدل على معنى واحد أو متقارب بوجود بعض الفروق كما سيتبين .

• موقف الباحثين من ظاهرة الترادف في العربية :

لقد ظهر الخلاف بين القدامى كما ظهر بين المحدثين العرب والغربيين حول ظاهرة الترادف بين معترف بوجودها ومنكر لذلك.

ولقد تعرض كثير من الدارسين لهذه الظاهرة من وجهة نظر القدامى ولكن قل منهم من تناولها من وجهة النظر اللغوية الحديثة، ورأينا أن نتعرض أولا إلى موقف القدامى من هذه الظاهرة ثم نتعرض بعدها لموقف المحدثين منها.

• موقف القدامى من الترادف :

اختلف اللغويون العرب القدامى اختلاف واسعا في إثبات هذه الظاهرة أو إنكار وجودها في اللغة العربية حيث كانت هذه الظاهرة إحدى القضايا التي تناولها الباحثون واللغويون القدامى.

• الفريق الأول :

يثبت الترادف ويغالي في إثباته ويتوسع فيه ومن هؤلاء ابن خالويه ( ت 370 هـ ) ويظهر رأيه من خلال تلك الرواية التي تذكر الخلاف الذي وقع بينه وبين أبي علي الفارسي حول أسماء السيف. وتعد هذه الرواية من أشهر الروايات حول الخلاف في ظاهرة الترادف في العربية ، حيث يروى أن أبا علي الفارسي قال " كنت بمجلس سيف الدولة بحلب وبحضرة جماعة من أهل اللغة ومنهم ابن خالويه فقال ابن خالويه أحفظ للسيف خمسين اسما فتبسم أبو علي الفارسي وقال : ما أحفظ له إلا اسما واحدا وهو السيف .
قال ابن خالويه : فأين المهند و الصارم وكذا وكذا ، فقال أبو علي هذه صفات.

- تدل هذه الحادثة على أن ابن خالويه يثبت ظاهرة الترادف وأبو علي الفارسي ينكرها.
- ولقد ألف ابن خالويه كتابين في الترادف أحدهما في أسماء الأسد و الثاني في أسماء الحية.
ومن الذين أثبتوا الترادف أيضا مجد الدين الفيروزبادي صاحب القاموس المحيط الذي ألف كتابا في الترادف[ أسماه الروض المسلوف فيما له أسمان إلى ألوف ] .

ومن هذا الفريق أيضا ابن جني حيث عبر عن ذلك في باب في استعمال الحروف بعضها مكان بعض واستدل على ذلك بوقوع الترادف فقال " وجدت في اللغة من هذا الفن شيئا كثيرا لا يكاد يحاط به "
وفيه موضع يشهد على من أنكر أن يكون في اللغة لفظتان بمعنى واحد من تكلف لذلك أن يوجد فرقا بين قعد وجلس وبين ذراع وساعد . ( ينظر فريد عوض حيدر ،علم الدلالة . دراسة نظرية تطبيقية ، مكتبة النهضة المصرية ص121)

• الفريق الثاني :

وهو الذي ينكر الترادف ويرفضه رفضا تاما ومن هؤلاء أبو علي الفارسي وذلك لما كان بمجلس سيف الدولة وكان بحضرة المجلس ابن خالويه عندما رد عليه كما ذكر آنفا .

وكذلك كان أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي وأبو العباس أحمد بن يحي ثعلب وأبو محمد عبد الله بن جعفر درستويه .

قال ابن درستويه : كذلك ذهب ابن فارس مذهب معلمه ثعلب فأنكر وقوع الترادف قائلا : " ويسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة نحو السيف و المهند و الحسام و الذي نقوله في هذا أن الاسم واحد هو السيف وما بعده من الألقاب صفات ( ينظر إميل بديع يعقوب . فقه اللغة العربية وخصائصها ص177) .

ومن المنكرين أيضا للترادف أبو هلال العسكري ( توفى سنة 395 هـ ) حيث قال : "فأما في لغة واحدة فمحال أن يختلف اللفظ و المعنى واحد، كما ظن كثير من النحويين واللغويين ، وهو يقول أيضا : "الشاهد على أن اختلاف العبارات و الأسماء يوجب اختلاف المعاني أن الاسم كلمة تدل على المعنى دلالة الإشارة، وإذا أشير إلى الشيء مرة واحدة فإن معرفة الإشارة إليه ثانية وثالثة غير مفيدة ويؤيد ذلك ثعلب الذي يرى أن ما يظن من المترادفات هو من المتباينات ، كما يرى ابن فارس أن كل صفة من الصفات لها معنى خاص فالأفعال "مضى ، ذهب ، انطلق ، ليست بمعنى واحد "

ورغم أن أبا هلال العسكري كان من هذا الفريق الرافض للترادف المبالغ في رفضه في كتابه الفروق غير أنه في كتابين آخرين له نسي هذا المبدأ الألفاظ المترادفة بلا اعتراض عليها أو محاولة التفريق بينها.

ويبدو أن كلا من الفريقين أسرف فيما ذهب إليه فالأول أسرف في إثبات الظاهرة والثاني أسرف في البحث عن الفروق الدلالية بين الألفاظ

أما الباحثون المحدثون فيمكن إيجاز موقفهم فيما يلي :

أولا : المثبتون للترادف من العرب المحدثين :

يجمع المحدثون من علماء اللغات على إمكان وقوع الترادف في أي لغة من لغات البشر بل إن الواقع المشاهد أن كل لغة تشمل على بعض تلك الكلمات المترادفة، ولكنهم يشترطون شروطا معينة لا بد من تحققها حتى يمكن أن يقال أن بين الكلمتين ترادفا وهذه الشروط هي :

1 - الاتفاق في المعنى بين الكلمتين اتفاقا تاما على الأقل في ذهن الكثرة الغالبة لأفراد البيئة الواحدة … فإذا تبين لنا بدليل قوي أن العربي كان حقا يفهم من الكلمة جلس شيئا لا يستفيده من كلمة قعد قلنا حينئذ ليس بينهما ترادف .

2 - الاتحاد في البيئة اللغوية أي أن تكون الكلمتان تنتميان إلى لهجة واحدة ومجموعة منسجمة من اللهجات وبذلك يجب ألا نلتمس الترادف من لهجات العرب المتباينة فالترادف بمعناه الدقيق هو أن يكون للرجل الواحد في البيئة الواحدة الحرية في استعمال كلمتين أو أكثر في معنى واحد يختار هذه حينا ويختار تلك حينا آخر وفي كلتا الحالتين لا يكاد يشعر بفرق بينهما إلا بمقدار ما يسمح به مجال القول (ينظر إبراهيم أنيس في اللهجات العربية ص177)

ولم يتفطن المغالون في الترادف إلى مثل هذا الشرط بل اعتبروا كل اللهجات وحدة متماسكة وعدوا كل الجزيرة العربية بيئة واحدة. ولكنا نعتبر اللغة النموذجية الأدبية بيئة واحدة ونعتبر كل لهجة أو مجموعة منسجمة من اللهجات بيئة واحدة

3 - الاتحاد في العصر فالمحدثون حين ينظرون إلى المترادفات ينظرون إليها في عهد خاص وزمن معين وهي تلك النظرة التي يعبرون عنها بالنظرة الوصفية لا تلك النظرة التاريخية التي تتبع الكلمات المستعملة في عصور مختلفة ثم تتخذ منها مترادفات
فإذا طبقت هذه الشروط على اللغة العربية اتضح لنا أن الترادف لا يكاد يوجد في اللهجات العربية القديمة، إنما يمكن أن يلتمس في اللغة النموذجية الأدبية .

أما المنكرون للترادف من المحدثين العرب فمنهم الدكتور السيد خليل والدكتور محمود فهمي حجازي وله رأي معتدل حيث يقول : يندر أن تكون هناك كلمات تتفق في ظلال معانيها اتفاقا كاملا ومن الممكن أن تتقارب الدلالات لا أكثر ولا أقل …

وأما المحدثون الغربيون فقد عرّفوا الترادف بأنه الحالة التي يكون فيها لصيغتين أو أكثر المعنى نفسه ، ومن أول المنكرين للترادف من الغربيين أرسطو " ويبدو ذلك من النص الذي نقله الدكتور إبراهيم سلامة من كتاب الخطابة لأرسطو حيث يقول : وكذلك الكلمة يمكن مقارنتها بالكلمة الأخرى ويختلف معنى كل منهما

ومن الذين أنكروا وجود الترادف من علماء اللغة الغربيين المحدثين " بلومفيلد " حيث يقول ليس هناك ترادف حقيقي .

وبعد النظر في هذه المواقف و الآراء المختلفة لدى الباحثين القدامى و المحدثين العرب والغربيين نرى أنه من التعسف الشديد إنكار وجود الترادف في العربية وإيجاد معنى لكل اسم من أسماء الأسد أو السيف ، وغيرها مختلف عن غيره في بعض الصفات أو التفاصيل

فالترادف ظاهرة لغوية طبيعية في كل لغة نشأت من عدة لهجات متباينة في المفردات والدلالة ،وليس من الطبيعي أن تسمي كل القبائل العربية الشيء الواحد باسم واحد وعليه نرى أن الترادف واقع في اللغة العربية الفصحى التي كانت مشتركة بين قبائل العرب في الجاهلية وكان من الطبيعي أن نقع على بعض الكلمات في القرآن الكريم لنزوله بهذه اللغة المشتركة (ينظر اميل بديع يعقوب، فقه اللغة العربية و خصائصها ص 175)

ولا بأس أن نذكر أو نذكّر أخيرا بأن هناك رأيا ظل سائدا قديما وحديثا وهو أن لا ترادف في العربية وأن هناك فروقا بين المعاني للألفاظ التي تبدو مترادفة ذكرها العلماء في مؤلفاتهم وأوردوا لها أمثلة ،من ذلك ما جاء في كتاب فقه اللغة للثعالبي (ارجع إلى هذا الكتاب) فهو يرى أن هزال الرجل على مراحل ، فالرجل هزيل ثم أعجف ثم ضامر ثم ناحل .

وقد يدل على درجات الحالات النفسية المتفاوتة ، فالهلع أشد من الفزع ، والبث أشد من الحزن ، والنصب أشد من التعب و الحسرة أشد من الندامة .

كما أورد أبو هلال العسكري في كتابه الفروق في اللغة ( ارجع إلى هذا الكتاب) أمثلة كثيرة ومتنوعة لهذه الفروق نذكر منها قوله :

- الفرق بين الصفة و النعت : أن النعت لما يتغير من الصفات، و الصفة لما يتغير ولا يتغير.
- والفرق بين اللذة و الشهوة : أن الشهوة توقان النفس إلى ما يلذ، و اللذة ما تاقت إليه النفس .
- الفرق بين الغضب والغيظ و السخط والاشتياط : أن الغضب يكون على الآخرين وليس على النفس ، و الغيظ يكون من النفس ، و السخط هو الغضب من الكبير على الصغير وليس العكس ، أما الاشتياط: فهو تلك الخفة التي تلحق الإنسان عند الغضب

- الفرق بين القد و القط : أن القد الشق طولا و القط هو الشق عرضا

- الفرق بين البخل و الشح : أن الشح هو بإضافة الحرص على البخل أي البخيل يبخل على الآخرين أما الشحيح فهو يبخل على الآخرين وعلى نفسه

- الفرق بين السرعة والعجلة: أن السرعة التقدم فيما ينبغي وهي محمودة، ونقيضها الإبطاء وهو مذموم
والعجلة : التقدم فيما لا ينبغي ونقيضها الأناة، و الأناة محمودة ( في التأني السلامة و في العجلة الندامة )
- الفرق بين الفوز و النجاة: أن النجاة هي الخلاص من المكروه، والفوز هو الخلاص من المكروه و الوصول إلى المحبوب

ويمكن تلخيص أهم أسباب الترادف حسب رأي الباحثين بما يلي (وهذا يخص اللغة العربية دون غيرها)

1 - انتقال كثير من مفردات اللهجات العربية إلى لهجة قريش بفعل طول الاحتكاك بينهما وكان بين هذه المفردات كثير من الألفاظ التي لم تكن قريش بحاجة إليها لوجود نظائرها في لغتها مما أدى إلى نشوء الترادف في الأوصاف و الأسماء و الصيغ .

2 - أخذ واضعي المعجمات عن لهجات قبائل متعددة كانت مختلفة في بعض مظاهر المفردات، فكان من جراء ذلك أن اشتملت المعجمات على مفردات غير مستخدمة في لغة قريش ويوجد لمعظمها مترادفات في متن هذه اللغة .

3 - تدوين واضعي المعجمات كلمات كثيرة كانت مهجورة في الاستعمال ومستبدلاتها ( مفردات أخرى).

4 - عدم تمييز واضعي المعجمات بين المعنى الحقيقي و المعنى المجازي فكثير من المترادفات لم توضع في الأصل لمعانيها بل كانت تستخدم في هذه المعاني استخداما مجازيا (ينظر اميل بديع يعقوب، فقه اللغة العربية و خصائصها ص 177) .

5 - انتقال كثير من نعوت المسمى الواحد من معنى النعت إلى معنى الاسم الذي تصفه فالمهند
و الحسام و اليماني من أسماء السيف يدل كل منها على وصف خاص للسيف مغاير لما يدل عليه الآخر .

6 - إن كثيرا من المترادفات ليس في الحقيقة كذلك، بل يدل كل منها على حالة خاصة من المدلول تختلف بعض الاختلاف عن الحالة التي يدل عليها غيره، فقد يعبر كل منها عن حالة خاصة للنظر تختلف عن الحالات التي تدل عليها الألفاظ الأخرى ف(رمق ) يدل على النظر بمجامع العين و"لحظ " على النظر من جانب الأذن و " حَدَجه " معناه رماه ببصره مع حدة و"شفن" يدل على نظر المتعجب الكاره و"رنا" يفيد إدامة النظر في سكون وهكذا ...

7 - انتقال كثير من الألفاظ السامية و المولدة و الموضوعة و المشكوك في عربيتها إلى العربية وكان لكثير من هذه الألفاظ نظائر في متن العربية

8 - كثرة التصحيف في الكتب العربية القديمة وبخاصة عند ما كان الخط العربي مجردا من الإعجام و الشكل (نفسه ص176/177)

9 - تعدد الواضع أو توسع دائرة التعبير وتكثير وسائله، وهو المسمى عند أهل البيان بالافتنان
أو تسهيل مجال النظم و النثر وأنواع البديع، فإنه قد يصلح أحد اللفظين المترادفين للقافية أو الوزن أو السجع دون الآخر وقد يحصل التحسين والتقابل و المطابقة ونحو ذلك بهذا دون الآخر

10 - استخدام دلالات متعددة للمدلول الواحد على سبيل المجاز

11 - أصل الحدث أي الفعل الذي يقع في محدث ما يقع من غيره . فيرمز الأول باسم غير الثاني فالهمس .

مثلا من الإنسان، و الهيس أيضا صوت أخفاف الإبل . والهسهسة عام في كل شيء . وقد يكون الحدث واحدا في الحالات المختلفة ، فالخرير صوت الماء الجاري أما إذا كان تحت ورق فهو قسيب ، فإذا دخل في مضيق فهو فقيق ،فإذا تردد في جرة فهو بقبقة

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-07-2009, 03:16 PM   #31
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

العلاقات الدلالية


مما لا شك فيه أن الأصل أن يكون لكل لفظ ( كلمة ) دلالة ( معنى ) واحدة محددة ، ولكن كما لاحظنا عند حديثنا عن تطور الدلالة أن الدلالات تتغير وتنتقل ، وتتشابك بحيث أنه قد تجتمع عدة دلالات على اللفظ الواحد، حتى تلك الدلالات التي تبدو متباعدة المجالات ، وقد تصل إلى درجة التضاد الذي يوحي بعدم منطقية اللغة، كما أن حركية الدلالات قد تجعل عددا من الألفاظ لها جميعها دلالة واحدة. ومن هنا ظهر في اللغة ما يسمى بظواهر : الترادف ، والاشتراك ، والتضاد ...

إن هذه الظواهر ظاهرة عامة في كل اللغات ، وان هناك من يرى أنها في العربية أكثر ظهورا حتى عدت من خصائص العربية [مع شيء من التحفظ].

وأن البحث الدلالي يقتضي الوقوف عند هذه الظواهر التي تتعلق بالمستوى الدلالي للغة. إنما سنحاول

– هنا – الإيجاز قدر الإمكان لأن هذه الموضوعات تدرس أيضا في سياق دراسة فقه اللغة. وسيكون اهتمامنا منصبا على هذه الظواهر في اللغة العربية لاسيما فيما نسوقه من أمثلة.


المشترك اللفظي :
اهتم القدماء من علماء العربية بهذه الظاهرة و كانت هناك مؤلفات عديدة لمعالجتها سواء فيما يتعلق بالقرآن الكريم أو الحديث الشريف أو اللغة العربية بشكل عام.
ووصل إلينا عدد من العناوين مثل ( الأشباه و النظائر ) ،أو ( الوجوه والنظائر ) ، أو عنوان ( ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد ) للمبرد.

وربما كان من أشهر المؤلفات القديمة في هذا الموضوع هو الذي وضعه كراع ( علي بن حسن الهنائي ت 310هـ ) الذي عنوانه ( المنجد في اللغة ).
و بشكل عام كان تعريف المشترك هو ( ما اتفق لفظه و اختلف معناه ) أو بعبارة أخرى ( اتحاد الصورة واختلاف المعنى ) ، وقد ذكر سيبويه في ( الكتاب ) ذلك فقال "اعلم أن من كلامهم اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين) (ينظر الكتاب ج/1 ص 7).

وقد كان هناك من القدماء من ضيّق مفهوم المشترك حتى كاد أن ينكر وقوعه مثل ( ابن درستويه )، وهناك من أكد وجوده و ربما بالغ في ذلك مثل ابن فارس و ابن خالويه وهناك منهم من اعتدل فلم ينكر و لم يبالغ بل أقرّ بأن هناك بعض المشترك اللفظي في اللغة، إذ أن ذلك لا ينافي المنطق بل أنه قد يكون سنة لغوية إن لم يكن ضرورة ، ولا يقتصر وجوده على العربية بل هو في كل اللغات، والشواهد على ذلك كثيرة.


وفيما يروى من الشواهد في ذلك قول الشاعر:

يا ويح قلبي من دواعي الهوى
إذا رحل الجيران عند الغروب

اتبعتهم طرفي وقد أزمعوا
ودمع عيني كفيض الغروب

كانوا وفيهم طفلة حرة
تفتر عن مثل أقاصي الغروب


فالغروب الأولى غروب الشمس ، والغروب الثانية جمع غرب ، وهو الدلو الكبيرة المملوءة والثالثة جمع غرب وهي الوهاد المنخفضة (المزهر ج/1/381).

وقد عزا اللغويون وقوع المشترك إلى عدد من الأسباب من أهمها:

1- تداخل اللهجات
2- التطور الصوتي لبعض الكلمات حتى تتطابق لفظتان في لفظة تدل على المعنيين لكل منهما أو يحدث فيهما أو في أحدهما قلب مكاني .
3- التطور المعنوي أي تغيير المعنى عن طريق المشابهة والاستعارة والمجاز. من ذلك توسيع المعنى، أو تضييقه أو السببية فكلمة ( الإثم ) كان معناها الذنب، ثم أصبحت تطلق على الخمر لأنها سبب في الإثم

أما المحدثون فقد بلوروا أنواع المشترك بما يلي:

1- معنى مركزي للفظ تدور في فلكه عدة معان فرعية.
2- تعدد المعنى نتيجة استعمال اللفظ في مواقف مختلفة.
3- دلالة الكلمة الواحدة على أكثر من معنى بسبب تطور المعنى.
4- وجود كلمتين تدل كل واحدة منهما على معنى ثم اتحاد صورتي الكلمتين في كلمة واحدة.

وربما يتقارب النوعان الأول والثاني ، ونمثل لهما بكلمة (عنق) فالمعنى المركزي هو(الرقبة) ومن المعاني الهامشية عنق الزجاجة وعنق الوادي ...

أما النوع الثالث فقد سماه اللغويون ( البوليزيمي ) أو( كلمة واحدة ـ معنى متعدد ) فكلمة ( عملية ) لا يفهم لها معنى محدد منعزلة عن السياق ويحدد لها معنى من المعاني حسب السياق أو الحقل فتكون عملية جراحية أو عسكرية أو اقتصادية

أما النوع الرابع ويسمى ( الهومونيمي ) فيمكن أن يمثل له بكلمة (قال) الفعل الماضي الذي يدل على معنى القول، أو الإقالة ويحدد ذلك صيغة المضارع، قال يقول أو قال يقيل .

وقد يصعب الفصل أحيانا، في التفريق فيما إذا كان لدينا معنى مركزي تدور حوله معان أخرى، أو أن لدينا عدد من المعاني لكلمة واحدة مثال كلمة( يد ) التي ترد في عدد من الاستعمالات:

- كسرت يد فلان
- يد الفأس
- يد الطائر ( جناحه )
- طويل اليد ( سمح جواد أو سارق )
- يد الرجل ( قومه أو أنصاره )

وللملاحظة:
هناك نوعان من المجاز، أو لهما المجاز الحي الذي نشعر به و نلاحظه كقولنا أسد عن الرجل الشجاع و المجاز الميت أو الذي تنوسيت علاقته و انتقاله من الحقيقة فأصبح كأنه حقيقة مثل الكتابة لمعنى النسخ و أصل معناها الجمع، إذ هي جمع للحروف والكلمات

نماذج من المشترك اللفظي من كتب بعض اللغويين القدماء (ينظر أحمد مختار عمرص153)

عن كراع:
العين: مطر يدوم خمسة أيام لا يقلع.
عين كل شيء : خياره
وعين القوم : ربيئتهم الناظر لهم
وعين الرجل : شاهده
والعين : عين الشمس
عن أبي عبيدة:
العين : الذهب
العين : عين الماء
العين : نفس الشيء
العين : النقد
العين : التي يبصر بها
عن أبي العميثل :
العين : النقد من دنانير ودراهم
العين : عين البئر وهو مخرج مائها
والعين : ما عن يمين القبلة
والعين : عين الميزان

وأخيرا هناك من يرى أن المشترك كظاهرة هو مزية ايجابية في اللغة فهو :

1- يعد من خواص الأسلوب و يساعد الأدباء والشعراء في فنهم.
2- أنه يخفف من حفظ الكلمات الكثيرة لجميع المعاني إذ يعبر بكلمة واحدة عن أكثر من معنى . ولكن ذلك ينقضه وجود الترادف

ومن الآثار السلبية للمشترك :
1- ما يؤدي إليه من الغموض و عدم الدقة و تعمية الفهم.


الأضداد


يمكن اعتبار التضاد نوعا من المشترك اللفظي يصل فيه اختلاف المعنى للفظ الواحد إلى درجة الضدية
وتعريفه هو استخدام اللفظ الواحد في معنيين متضادين

وقد اهتم علماء العربية قديما بهذه الظاهرة ووضعوا فيها كثيرا من المؤلفات، من أشهرها:

- الأضداد لابن الانباري (ت 328هـ)
- الأضداد للأصمعي 216 هـ
- الأضداد لابن السكيت 244 هـ

وكما كان بالنسبة للمشترك فقد اختلف العلماء قديما بين مثبت ومنكر ومتوسط
ومن المنكرين ابن درستويه ( 347هـ ) الذي وضع كتابا في إبطال الأضداد، كما فعل بالنسبة للمشترك ، وكذلك الجواليقي.
وكان مما علل به المنكرون موقفهم أن وجود الأضداد ينافي الحكمة، وواضع اللغة لا بد أنه كان حكيما.
أما الذين يقرون بوجود الأضداد فهم كثر منهم :

ابن الانباري ، وابن فارس، الذي قال "وأنكر ناس هذا المذهب، وأن العرب تأتي باسم واحد للشيء وضده ... " ( ينظر الصاحبي ص98 )

على أية حال هناك من توسع في التضاد فأدخل فيه ما ليس منه، وهناك من ضيق فاعتبر أن بعضه لغات وليس من الأضداد

بل هناك من بالغ كثيرا مثل : قطرب وابن الانباري

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-07-2009, 05:17 PM   #32
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

Introduction à la linguistique: la sémiologie

Plan des notions présentées en sémiologie:
2.0 Définition de la sémiologie
2.1 La boucle de la communication
2.2 Le schéma de la communication de Jakobson
2.3 Les fonctions du langage
2.4 Critique du schéma
2.5 Signe linguistique
2.6 Caractéristiques du signe linguistique
2.7 Distinction signe - indice
2.8 Distinction signe - symbole - icone
2.9 Double articulation du langage
2.10 Commentaire supplémentaire
2.11 Spécificités de la communication humaine
2.12 Principales différences entre la communication humaine et animale
2.13 Exercices sur la sémiologie


2.0 Définition de la sémiologie

La discipline scientifique qui étudie les systèmes de communication se nomme la sémiologie (du grec "semeion", qui signifie "signe"). Comme la définition provenant de la racine hellénique le suggère, ces systèmes de signification sont développés autours de la notion de signe, dont nous parlerons plus bas.

C’est Ferdinand de Saussure, linguiste genevois, qui a été le fondateur européen de la sémiologie. Selon lui, la meilleure façon d'étudier la nature de la langue est d'étudier ses caractéristiques communes avec les autres systèmes de signe. De plus, considérant que la langue sert d’abord et avant tout à communiquer avec ses pairs, il est donc logique, que, dans le but de décrire son fonctionnement, nous fassions des rapprochements plus ou moins nombreux avec les autres systèmes de communication développés par l’homme. Saussure prétend également que la sémiologie devrait avoir pour objet d'étude "la vie des signes au sein de la vie sociale". Les langues naturelles seront donc étudiées en tant que système de communication au même titre que les systèmes de communication des sourds-muets, les rites symboliques, les formes de politesses, la pantomime, la mode, les signaux visuels maritimes, les coutumes, etc.

Les études sémiologiques sont divisées entre deux branches distinctes de la sémiologie: l'une, la sémiologie de la signification (Rolad Barthes et ses disciples), et l'autre la sémiologie de la communication (Luis J. Prieto, Georges Mounin, Jeanne Martinet).

Avant de continuer, une précision terminologique s’impose. Le terme "sémiotique" a été proposé par Charles S. Peirce qui, à la même époque où Saussure tentait de fonder la sémiologie, a tenté aux États-Unis de proposer une théorie générale des signes. Son disciple, Charles Morris, a adopté le même projet qu'il a nommé Sémiotics (publié dans Signs, Langage and Behavior 1946). Ce terme est ensuite pénétré en France pour en venir à désigner un ensemble du domaine sémiologique (la sémiotique du code de la route par exemple). Finalement, en 1969, un comité international qui a donné naissance à l'Association internationale de sémiotique a proposé d'adopter les deux appellations recouvrant toutes les acceptions des deux termes.

Les deux types de sémiologie se distinguent par leur objectif général: dans la sémiologie de la communication, la communication doit être au centre de la sémiologie (la langue est fondamentalement un instrument de communication). En comparaison, dans la sémiologie de la signification, la sémiologie devient une partie de la linguistique à cause du fait que les objets, les images ou les comportements ne peuvent jamais signifier de façon autonome, sans l'utilisation de langage.

Nous reviendrons sur les propositions de Saussure lorsque nous aborderons l'étude du signe linguistique.

Retour au haut de la page

2.1 La boucle de la communication
Les linguistes se sont évidemment intéressés à la transmission de sens entre deux individus. Cette étude a d'abord été schématisée à l'aide de la "boucle de la communication", qui présente les principaux éléments impliqués dans une interaction:

a) production d'un message (encodage)
b) la transmission d'un message
c) la réception d'un message (décodage)

Si les étapes ci-dessus sont respectées non seulement par l'émetteur mais également par le récepteur, on obtient ainsi la boucle de la communication, qui inclut une communication bidirectionnelle:





Les linguistes ont ensuite essayé d'élargir ce schéma en éclaircissant certaines de ses fonctions et en essayant d'incorporer le rôle de certains autres facteurs.

Retour au haut de la page


2.2 Le schéma de la communication de Jakobson
Ce schéma permet d'identifier tous les intervenants et tous les facteurs intervenant dans une communication entre personnes. Tous les facteurs identifiés dans ce schéma ont un rôle à jouer dans le cas d'un interaction et ils influencent tous le message qui est transmis d'une certaine façon.



• DESTINATEUR ~ DESTINATAIRE: correspondent respectivement à l'émetteur et au récepteur. Dans le cas d'une interaction normale, la communication est bidirectionnelle alors que deux personnes interagissent de façon courante. Dans les cas où la communication est institutionnalisée (implique une institution comme une administration publique, une télévision, une université, etc.), la communication est unidirectionnelle alors que l'interaction implique l'intervention verbale d'une seule personne alors que l'autre écoute. Une hiérarchie plus ou moins rigide s'impose lors de ces interactions, comme c'est le cas dans la salle de classe, où le professeur enseigne et où vous écoutez.

• MESSAGE: le matériel transmis par l'interlocuteur, l'information transmise. Ce message varie énormément dans sa durée, sa forme et son contenu. Dans les interactions individualisées, le message est généralement adapté à l'interlocuteur. Dans des communication institutionnalisées, le message est plutôt rigide et standard.

• le CONTACT (canal): canal physique et psychologique qui relie le destinateur et le destinataire. La nature du canal conditionne aussi le message. Un canal direct (locuteurs en face à face) implique une réponse directe dans le même médium, qui est l'air ambiant dans ce cas.
Le canal peut être modifié pour vaincre en particulier l'effet du temps: l'écriture sur du papier (livres, journaux, magazines, etc.), bandes magnétiques, disques, support magnétique utilisant même le courrier électronique, etc.

• CONTEXTE: la situation à laquelle renvoie le message, ce dont il est question. Le contexte de situation, lui, réfère aux informations communes aux deux locuteurs sur la situation au moment de la communication. Ces informations sont sous-entendues et elles n'ont pas besoin d'être répétées à chaque fois que l'on débute une interaction.

• le CODE: "un code est un ensemble conventionnel de signes, soit sonores ou écrits, soit linguistiques ou non linguistiques (visuels ou autre), communs en totalité ou en partie au destinateur et au destinataire." (Leclerc 1989:24) Code doit être compris par les deux locuteurs pour permettre la transmission du message. Dans certains cas, le message peut mettre en oeuvre plusieurs codes en même temps. Dans ces cas, redondance, complémentarité ou contraste peuvent être mis en jeu.

Retour au haut de la page


2.3 Les fonctions du langage

À ces facteurs de la communication correspond une fonction linguistique bien précise (en caractères gras dans le tableau ci-dessous):





• fonction RÉFÉRENTIELLE: l'une des trois fonctions de base (avec expressive et incitative). Correspond à la fonction première du langage qui est d'informer, d'expliquer, de renseigner. Elle renvoie au référent, à la personne dont on parle (utilisation de la 3e personne très souvent). Intimement relié à la véracité du message en question.

• fonction EXPRESSIVE: centrée sur le destinateur qui manifeste ses émotions, son affectivité. Elle suppose l'acquisition d'un style, d'une façon bien personnelle de s'exprimer. Les onomatopées, les jurons, les formes exclamatives en général, les adjectifs à valeur expressive, etc. Les traits non linguistiques du genre mimique, intonation (?), les gestes, le débit, les silences, ont aussi une fonction expressive.

• fonction INCITATIVE: axée sur le destinataire, donc sur le tu. On vise ici à modifier le comportement du destinataire, pour ordonner, pour interdire, pour inciter. Pensons seulement à la publicité qui incite à acheter, aux politiciens qui incitent à voter, etc.

• fonction POÉTIQUE (ou esthétique): fonction où l'accent est mis sur le message dont la forme importe autant que le fond. La rime, la métaphore, l'antithèse, l'ironie, les jeux de mots font partie des procédés qui ont une fonction esthétique et qui font que le message comporte plus d'information que le message lui-même.
ex.: "Tu as les yeux bleus comme un ciel d'azur!" dit par un amoureux à son amoureuse, contient bien plus d'information que le seul fait de comparer ses yeux au ciel.

• fonction RELATIONNELLE (phatique): permet de maintenir et de développer des contacts entre individus.
ex.: on parle à quelqu'un au téléphone pendant 30 minutes à tous les soirs sans vraiment rien se dire, juste pour garder le contact, juste pour être sûr que nous sommes toujours en phase. C'est le cas de toute communication vide de son contenu, comme dans certaines réunions mondaines.

• fonction MÉTALINGUISTIQUE: explication du code utilisé, des conventions que l'on utilise pour communiquer. Tous les ouvrages traitant du code, comme les grammaires ou les dictionnaires constituent d'excellents exemples de message à visée métalinguistique.
ex.: "Moi, par gauchiste, je veux dire tous ceux qui veulent changer quelque chose dans notre société, que ce soit par la violence ou par la persuasion..."
"Entendons-nous, par cinglé, je veux dire ..."

Retour au haut de la page

2.4 Critique du schéma

Comme tout modèle théorique, il se prête à la critique. La principale faiblesse de ce schéma est que les fonctions proposées existent rarement à l'état pur. Les messages font souvent appel à plusieurs fonctions de façon simultanée. La fonction d'un message serait donc celle qui domine et non seulement celle qui est ou celles qui sont présentes.

Deuxièmement, les fonctions du langage sont totalement laissées de côté, comme celles référant aux rapports sociaux établis à l'aide du langage. Les choix sociaux et même politiques effectués à la fois de façon consciente et même inconsciente par les individus ne sont pas analysés par le fameux schéma de Jakobson.

Retour au haut de la page


2.5 Signe linguistique

La sémiologie a beaucoup apporté à la linguistique par son étude des systèmes de communication. Un des premiers sujets d’étude qui a retenu l'attention des chercheurs est la constitution du CODE servant à communiquer oralement. La définition de ce code et de son usage par les communautés linguistiques constitue la préoccupation première de la linguistique.

La transmission de sens d'un individu à un autre repose dur l'existence du signe linguistique. Ferdinand de Saussure a été le premier à définir de façon précise cette notion importante, à l'aide des notions suivantes:

Le signe est formé de deux parties:

a) une partie matérielle: le SIGNIFIANT (image acoustique, image mentale du signe, la représentation mentale sonore)

b) une partie immatérielle: le SIGNIFIÉ (partie conceptuelle du signe --notion).

Prenons un exemple, le mot "oiseau":



Le signe linguistique est donc le résultat de l'association d'un signifiant (groupe de sens) et d'un signifié (le sens). Il est difficile de concevoir l'un sans l'autre.

Le signifié est en réalité différent de la définition mais on l'utilise ici comme remplacement par souci de simplicité. Le signifié est constitué d'éléments de sens qu'on appelle les "attributs sémantiques" (concept tiré de la sémantique). Les attributs sémantiques d'un signifié se combinent pour créer le sens du signe. Les attributs sémantiques sont habituellement représentés par les linguistes sous forme de caractéristiques binaires (qui sont actives ou inactives, notées par "+" ou "-"). Le signifié de "table" pourrait ainsi comporter les attributs sémantiques qui suivent: [+meuble][+une surface plane horizontale]. En précisant que la table comporte une seule surface plane, on l'oppose à la bibliothèque qui en possède plusieurs. En précisant que c'est un meuble, on l'oppose au plancher, à la patinoire ou au plafond. (Beaudoin 2002)

À ces deux distinctions signifiant-signifié, il faut en ajouter une troisième. D'un côté, nous avons la réalité sonore (ou écrite mais qui ne fait que traduire la réalité sonore) dont nous parlons ([wazo]), d'un autre côté nous avons la NOTION de l'objet auquel on réfère. Cette notion existe dans l'esprit des locuteurs, et c'est ce qui leur permet de se comprendre. Cependant, nous n'avons pas parlé de l'objet lui-même, celui dont on parle. Il s’agit du référent (l'objet physique, matériel dont les locuteurs parlent).

Le rapport entre le signifié et le signifiant est non arbitraire mais nécessaire car il fonde le signe lui-même. Par contre, le rapport entre une réalité elle-même et un signe (la signification) est, elle, arbitraire et elle est le résultat d'une convention entre les individus d'une communauté linguistique particulière. Ce rapport constitue la base de toute communication linguistique, alors que les mots, ou comme nous pouvons les appeler maintenant les signes, prennent vie lorsque le lien entre signifiant et signifié est effectué, ce qui nous donne une signification entre une image acoustique et une notion, une réalité mentale (signifié).

Retour au haut de la page


2.6 Caractéristiques du signe linguistique

À partir des observations précédentes, nous pouvons affirmer que le signe linguistique se définit par son caractère:

a. arbitraire:
Comme nous l'avons mentionné auparavant, il n'y a pas de relation "naturelle" entre le mot (ou le signifiant) et la réalité physique qui lui est associée (le signifié).

Par exemple, le choix du mot "bureau" ne repose sur aucun critère qui aurait pu favoriser le choix d'un tel mot plutôt qu'un autre.

Une exception cependant: les onomatopées. Dans ce cas, les mots utilisés sont relativement proches du son que l'on veut décrire, et ce, dans toutes les langues. ex.: le chant du coq, le bruit de la vache, le jappement du chien.

le bruit d'un canard:
-français: couin-couin
-anglais: quack-quack
-allemand: pack-pack
-danois: rap-rap
-hongrois: hap-hap

Si ce lien obligé entre la réalité et le signe linguistique existait, tous les humains parleraient probablement la même langue. Ce caractère arbitraire du signe fait que l'on doive apprendre un large vocabulaire lorsqu'on apprend une langue, quelle soit maternelle ou seconde.

Évidemment, ce caractère arbitraire du signe linguistique ne s'applique pas aux autres sortes de signes. Par exemple, les signaux routiers doivent se ressembler à cause du fait que l'action est la même dans toutes les langues. Par exemple, un panneau comportant un pain indiquera aux locuteurs de toutes les langues et cultures (ou presque) qu'il y a une boulangerie à proximité.

b. conventionnel:

Pour que les membres d'une communauté se comprennent, il faut qu'ils s'entendent sur les mêmes conventions ou sur les mêmes signes. En conséquence, les signes sont considérés, comme nous avons dit précédemment, comme étant conventionnels, en cela qu'ils résultent d'une convention entre les membres d'une communauté. En fait, partager la même langue, c'est également partager un certain nombre de conventions.

c. linéaire:

Le signifiant se présente de façon linaire dans l'axe du temps. il nous faut du temps pour prononcer un mot, pour le réaliser de façon physique. De même, il y a un ordre qui est suivi lors de sa prononciation. Dans la réalisation du signifiant [wazo], il ne m'est pas permis de prononcer les sons dans un ordre différent de celui que nous avons ci-haut si je veux que les autres locuteurs me comprennent. Les signes forment donc une successivité et non une simultanéité. Par opposition, les signes routiers peuvent se substituer: "obligation de tourner" et "tourner à gauche".

Retour au haut de la page

2.7 Distinction signe ~ indice
Il est nécessaire de distinguer un signe d'un indice (signes non intentionnels): selon Prieto, il s'agit d'un fait immédiatement perceptible qui nous fait connaître quelque chose à propos d'un autre fait qui, lui, n'est pas immédiatement perceptible. Un indice est un phénomène naturel ou culturel, perceptible, involontaire ou non intentionnel et qui nous fait connaître quelque chose à propos d'un autre fait qui, lui, n'est pas immédiatement perceptible.
ex.: symptômes d'une maladie, traces dans la neige, nuages noirs à l'horizon, etc.

Cependant, si je m'entendais avec quelqu'un pour lui dire que s'il voit des traces de pas dans le sable, en route pour mon chalet, il comprendra que je suis arrivé. L'intention de signification est essentielle dans l'identification d'un signal. Il en va de même de la présence d'une canne blanche pour indiquer un aveugle, trois coups cognés à la porte, les numéros de salle dans un édifice public, etc.

L'indice se différencie donc du signe par le fait que sa première fonction n'est pas celle de signifier quelque chose. Il peut très bien avoir une signification, mais ce n'est pas sa fonction première. Les signaux de fumée, s'ils ne sont pas effectués en vue de communiquer avec quelqu'un d'autre, ne constituent pas un signe mais bien un simple indice qui nous indique qu'il y a un feu à quelque part.

Aussi, nous pouvons effectuer une autre distinction entre un signe et un signal: un indice produit spécifiquement en vue de transmettre un message (contient les signes linguistiques, les symboles, et les signes non linguistiques)

Si j'élève la voix, si je me mets à crier, vous pourrez bien relier cet indice à ma condition psychologique et prendre cet indice comme indication que je suis un peu fâché, que je ne suis pas de bonne humeur.

L'indice est donc non conventionnel, involontaire, diversement interprétable mais signifiant (revenir là-dessus plus tard, après l'explication du signe linguistique).

Autre exemple: le voisin qui s'achète une Rolls Royce. Au départ, le fait de posséder cette voiture est un indice de sa richesse. Par contre, si le voisin en question a l'intention de lancer un message bien précis à ses propres voisins, celui qu'il est vraiment riche, qu'il a réussit, qu'il est dans une classe à part, alors cette même voiture deviendra un signe. Nous sommes en présence d'un message qui a été transmis avec une intention bien claire de le communiquer.

Retour au haut de la page


2.8 Distinction signe ~ symbole ~ icone

Comme nous l'explique Charles Peirce, lorsque deux signes sont liés par leur signifiés, on parle alors de symbolisation (ou connotation), et donc de la construction d'un symbole. Le symbole résulte d'une relation conventionelle et arbitraire commune à une ou à plusieurs cultures. Le signe linguistique est, en fait, un type particulier de symbole.

Ex. de symboles:
une colombe symbolise un message de paix;
un drapeau rouge symbolise une interdiction;
signaux routiers : cercle rouge avec une ligne transversale symbolise aussi une interdiction.
les tours du WTC symbolisaient la suprématie financière de New York
la couleur bleu, dans les forces armées, symbolise une force neutre
le champagne (marque Dom Pérignon) symbolise la richesse et le luxe extrême

Il est également possible de transmettre du sens en utilisant un icone qui est créé par un lien analogique avec la réalité. Il y a une grande quantité d'icones largement utilisés par nos sociétés modernes et qui sont reconnaissables par l'ensemble des êtres humains, sans égards à leur culture. Considérez, par exemple, les images suivantes:


Il est relativement facile d'identifier, d'après les icones présentés ci-dessus, les significations de clavier, de pub ou bar, de souris, d'imprimante, de restaurant et de loupe pour modifier la taille d'un objet. Ces significations sont évidentes à cause du lien analogique direct entre l'élément utilisé pour représenter la réalité et son rapport extrêmement étroit avec l'objet qu'il représente.

En résumé, nous faisons les distinctions entre les notions suivantes:



Les langues naturelles comme le français et l'anglais par exemple sont des systèmes de communication basés sur l'utilisation de signes plutôt que de symboles et d'indices.

Retour au haut de la page


2.9 Double articulation du langage

Cette relation entre le signifié et le signifiant nous amène à faire une autre distinction qui nous paraît importante du point de vue linguistique. Il s'agit de la double articulation du langage (deux types d'unités découpées sur deux niveaux distincts). Selon André MARTINET, la langue s'organise sur deux niveaux qui opèrent de façon différente. Pour lui, les unités qui s'enchaînent dans le discours ne s'enchaînent pas de la même façon et au même niveau.

André Martinet propose donc que la langue contient :
a) des unités de première articulation: les morphèmes (unités minimales de signification). Ce sont des noms (arbre, crayon, maison, etc.), verbes (manger, écrire, rêver, etc.), adjectifs (bleu, grand, rapide, etc.), etc. On note aussi que les "parties de mots" (comme le "-ons" dans le verbe "mangerons", ou le "eur" dans "réparateur") qui ont une valeur grammaticale sont aussi appelées des morphèmes et qu'elles sont aussi porteuses de sens. En effet, à chaque fois qu'un verbe se termine par un "-ons", les locuteurs du français reconnaissent que le sujet est une première personne du pluriel ("nous"), peu importe le verbe.

Ex. 1:

a. "Je viens." (2 morphèmes)
b. "Je viendrai." (3 morphèmes)

1-je: pron. pers.
2-vien: verbe venir
3-drai: futur, 1ere personne du sing.

Ex. 2 (utilisation du morphème "-ons"):

a. Nous viendrons.

b. Isabelle et moi voterons pour Steven Harper.

Ce qu’il faut comprendre à ce moment et ce en quoi cette notion se rattache avec la sémiologie est que ces morphèmes sont constitués d'un signifiant ET d'un signifié.

L'analyse de la langue en morphèmes, champ d'étude fascinant, sera abordée de façon plus détaillée lorsque vous ferez de la morphologie dans le deuxième cours d'introduction offert au département (Fren 370).

b) des unités de seconde articulation: les phonèmes (unités minimales distinctives). Ce sont des sons distinctifs (ils changent le sens d'un mot (pont-bon, quand-banc) sans qu'ils n'aient de sens inhérent) propres à une langue.

Ces phonèmes ne sont constitués que d'un signifiant, sans signifié.

Autre illustration de la double articulation du langage: Combien de mots d’une seule syllabe pouvez-vous former qui se terminent par le son « -on »? Un étudiant bien inspiré pourrait arriver à cette simple liste qui contient un bon nombre de mots différent seulement par leur première consonne et qui se terminent tous par le son "-on":

pont
bon
ton / taon
don / dont
con / qu’on
gong
font / fond
vont
son / sont
jonc
mon
non
long
rond

La langue peut donc "optimiser" son système en formant un grand nombre de mots différents avec une seule modification (remplacer un seul son) plutôt que de créer un nouveau mot complètement différent à chaque fois. Ceci est possible seulement par l’existence d’unités sans sens (les sons, ou phonèmes) que l’on peut substituer les unes aux autres pour changer le sens d’un mot. Cette particularité de créer un système productif contenant deux niveaux d'organisation pour communiquer constitue une différence majeure entre les systèmes de communication utilisés entre animaux et ceux utilisés par les humains.

En résumé, lorsque nous parlons de double articulation du langage, nous parlons de deux niveaux d'organisation du langage:

a) première articulation, les morphèmes (qui ont un signifié et un signifiant)

b) deuxième niveau d'organisation: les phonèmes (signifié)

Retour au haut de la page


2.10 Commentaire supplémentaire sur la sémiologie

Nous pouvons appliquer les notions de sémiologie précédentes de façon à définir les relations entre mots entre autres choses.

Synonymes : mots (approximativement) de même sens et de forme différente
Même signifié, signifiant différent. (ennuyer / embêter; voiture / bagnole; manger / bouffer; etc.)

Antonymes : mots dont les sens sont contraires
Signifiés opposés, signifiants différents (grand /petit; vendre / acheter; blanc / noir; etc.)

Homophones : Signifiés différents, signifiants semblables. (vert / verre / vers / vers / verre / etc.)


Définitions

Indice : « Fait immédiatement perceptible qui nous fait connaître quelque chose à propos d’un autre fait qui ne l’est pas. » (Prieto, Sémiologie)

Signal : « Fait qui a été produit artificiellement pour servir d’indice. » (Prieto, Sémiologie)

Symbole : « Un symbole est la notation d'un rapport --constant dans une culture donnée-- entre deux éléments. » (Dict. de linguistique Larousse) Comme le signe linguistique, le symbole résulte d'une convention arbitraire.

Icone: « Signe dont le signifiant et le signifié sont dans une relation « naturelle » (ressemblance, évocation). » (PRobert)

Retour au haut de la page


2.11 Spécificité de la communication humaine

Les langues naturelles comme le français, l'espagnol, l'allemand, le mandarin et l'anglais, sont des systèmes de communication un peu au même titre que les systèmes comme le code de la route par exemple. Cependant, ils se différencient de ces autres systèmes par une caractéristique principale. Examinez le tableau ci-dessous qui résume les similarités et différences entre les deux systèmes: Spécificités Systèmes de communication Langues naturelles
a. La transmission du sens -nombreux systèmes de communication transmettent le sens voulu (ex.: code de la route, langue des sourds-muets, numéros de salle, etc.)
-la langue sert à transmettre du sens

-tout sens transmis n'est pas voulu: les accents nous trahissent
b. L'arbitraire -de nombreux systèmes utilisent des signes arbitraires (code de la route, numéros de salle, code morse)
-la langue utilise aussi des signes arbitraires ("chat", "crayon", etc.)

-la langue utilise aussi des signes moins arbitraires mais interprétables: par exemple: "Je suis intelligent."
c. Linéarité du message -simultanéité permise (linéarité utilisée mais non requise): les codes visuels spécialement permettent de superposer des images -linéarité obligée: il faut absolument mettre les sons les uns à la suite des autres, sinon le message sera incompréhensible
d. Le caractère discret du signe -les systèmes utilisent habituellement des unités discrètes, en nombre fini
-la langue utilise des unités discrètes: les sons d'une langue sont en nombre limité

-la langue utilise également des unités qui présentent un nombre théoriquement infini de variations
e. L'organisation interne du système -les systèmes ne sont encodés qu'à un seul niveau (simple articulation)
-les langues sont encodées à deux niveaux (double articulation): les unités significatives et les unités distinctives

a) sons: [p] + [a] + [R] + [l] = "parl"

b) monèmes: "parl + ez" = "parlez"




Retour au haut de la page


2.12 Principales différences entre la communication animale et la communication humaine

Cette section est directement tirée du site de Dr. Martin Beaudoin (Université d'Alberta: http://www.fsj.ualberta.ca/LINGQ200.htm)Différences Communication humaine Communication animale
1. Déplacement peut évoquer le passé, le futur, l'absent, l'hypothétique et l'impossible énonce ce qui est lié au présent temporel et spatial (sauf abeilles)
2. Apprentissage nécessaire non nécessaire
3. Base unités arbitraires (sans lien entre le mot et l'objet à décrire) unités iconiques (avec lien entre le signifié et le signifiant)
4. Unités discrètes (divisibles et combinables) graduées (messages indivisibles et non combinables)
5. Mutualité fréquente (les gens se répondent) relativement rare
6. Mensonges, divagations fréquents cas sporadiques de mensonges et pas de divagation
7.Métacommunication métacommunication (les gens expliquent ce qu'ils veulent dire ou corrigent les autres) pas de métacommunication
8. Polysémie prévalente (les mots peuvent avoir plusieurs sens) monosémie


Parmi les caractéristiques présentées dans le tableau ci-dessus, il importe de porter une attention particulière au déplacement qui permet aux humains de parler du passé, du futur, d'imaginer, de supposer, etc. Cette caractéristique des langues naturelles, sur laquelle repose la littérature en général, est extrêmement importante car elle constitue l'une des manifestations les plus intéressantes de la langue.

La nature des unités utilisées se démarquent de celles utilisées par les animaux pour communiquer en ce sens qu'elles sont combinables et servent à former des messages qui peuvent être soit très simples soit très complexes (très longues phrases). Cette caractéristique nommée la double articulation est certainement la plus remarquable des systèmes de communication oraux propres aux humains.

Il est important d'ajouter que la plupart des signes linguistiques sont polysémiques. Prenons par exemple le mot « siège ». Le Petit Robert indique que le mot a trois sens principaux: a) « lieu où se trouve la résidence principale « d’une société, d’une organisation). », b) « lieu où s’établit une armée, pour investir une place forte », et c) « objet fabriqué, meuble disposé pour qu’on puisse s’y asseoir ». Il est donc très fréquent pour un mot d'avoir plus d'un sens (caractère polysémique).

Finalement, les langues naturelles sont les seuls systèmes permettant la métacommunicaiton qui sert à la définition du code à l'aide du code lui-même. Par exemple, il est possible (et fréquent) pour quelqu'un de définir l'usage d'un terme particulier dans un texte technique par exemple. Cette situation se retrouve très souvent dans les volumes d'introduction à un nouveau champ d'étude nécessitant la définition de notions de base.


Retour au haut de la page

2.13 Exercices

1) Expliquez comment la linguistique peut être considérée comme faisant partie de la sémiologie, ou l'inverse si vous croyez que c'est l'inverse.

2) Donnez un exemple d'interaction qui représente chacune des fonctions du schéma de la communication de Jakobson. Expliquez en quoi chaque exemple illustre bien chaque fonction.

3) Quelle est la principale utilité du schéma de Jakobson? Expliquez et donnez deux exemples.

4) Quelle est la principale critique que l'on peut faire du schéma de Jakobson? Expliquez et donnez deux exemple.

5) Expliquez de quoi est composé le signe linguistique et donnez trois exemples.

6) Croyez-vous qu'il soit possible, hypothétiquement, d'utiliser le mot "pamo" pour remplacer le mot "chat"? Expliquez.

7) Comment expliquez-vous que la même réalité puisse avoir deux mots complètement différents dans deux dialectes d'une même langue? Par exemple, les mots « ferry » et « traversier » en français européen et canadien respectivement qui dénomment « le bateau qui permet d'aller d'une rive à l'autre d'un lac ou d'un fleuve. » Selon vous, est-ce que c'est un problème? (pensez en termes de signe linguistique)

8) Lorsque vous marchez dans le sable, vous remarquez des traces de pas. Est-ce qu'elles représentent un signe, un indice ou un icone? Expliquez.

9) Résumez les principales différences entre la communication animale et humaine. Soyez précis, clairs et concis.

10) Imaginez une question qui, selon vous, ferait une très bonne question d'examen résumant le matériel vu en classe.

Retour au haut de la page

© Christian Guilbault, Université Simon Fraser
Si vous utilisez ce site, veuillez avoir l’obligeance d’en citer la source et de m’en aviser par courriel

http://www.sfu.ca/fren270/Semiologie/Semiologie.htm.

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ

آخر تعديل بواسطة إبراهيم براهيمي ، 24-07-2009 الساعة 05:22 PM
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-07-2009, 09:04 PM   #33
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

Navigation interactive pour l'apprentissage en linguistique uelle

http://hal.archives-ouvertes.fr/docs...8/27/PDF/3.pdf

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-07-2009, 09:18 PM   #34
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

Analyse de La linguistique textuelle - Introduction à l'analyse textuelle des discours
de Jean-Michel Adam


Plan
1. Introduction
2. Cadre épistémologique
2.1. Une pragmatique textuelle ?
2.2. Quelles catégories pour l'analyse des textes ?
2.3. Quels textes analyse-t-on ?
3. L'unité textuelle élémentaire
3.1. Prise en charge énonciative des énoncés ou point de vue [PdV]
3.2. Micro-actes de discours
4. Types de liages des unités textuelles
4.1. Co-référence et anaphores
4.2. L'implicite
4.3. Les connecteurs
4.4. Chaînes d'actes de discours
5. Période et séquences : unités compositionnelles debase
6. Le texte comme unité compositionnelle et configurationnelle
6.1. L'effet de dominante
6.2. Macro-structure sémantique (thème, topic) et micro-actes de discours
7. Le fonctionnement textuel des temps verbaux
8. Analyse textuelle d'un récit de Jorge Luis Borges :"Le Captif"
9. Pour conclure
Texte int


1. Introduction

1
Dans les huit chapitres qui composent cet ouvrage, l'auteur poursuit sa réflexion dans le domaine de la linguistique textuelle, dont il est désormais un des spécialistes reconnus. Dans la lignée de ses travaux précédents [Adam01], dont il reprend et développe ici certaines analyses [Adam05], J.-M. Adam continue à baliser ce champ d'études, mais il ouvre aussi des perspectives théoriques nouvelles. En effet, l'auteur renonce à la décontextualisation et à la dissociation entre "texte" et "discours" [AdaGriBoua04][1] que préconisaient encore ses Éléments de linguistique textuelle [Adam90] et situe résolument la linguistique textuelle dans le domaine plus vaste de l'analyse du discours [CharauMaingue02][2]. Dans cette discipline convergent des mouvements aux présupposés extrêmement hétérogènes, apparus dans les années 60 en Europe et aux États-Unis, mais tournant tous "autour de l'étude de productions transphrastiques, orales ou écrites, dont on cherche à comprendre la signification sociale" ([CharauMaingue02] : 7).
1 Dans l'introduction de ce récent ouvrage collectif, J.-M. Adam insiste sur cette proposition de (...)
2 Nous soulignons au passage que dans l'article "linguistique textuelle" du Dictionnaire (...)

2
Cette ouverture à l'analyse du discours est, nous semble-t-il, très intéressante dans l'optique des études sur les caractéristiques de la Communication Médiatisée par Ordinateur (CMO). Tout en ayant à l'esprit la spécificité des discours médiés par ordinateur (courriels, clavardages, forums) par rapport aux discours écrits et oraux traditionnels – objets d'étude dans cet ouvrage - nous pensons que certains outils fournis par la linguistique textuelle pourront être mis à contribution dans l'analyse de l'interaction sur Internet. D'autant plus que, comme le rappelle L. Mondada, il s'agit, dans ce cas, de discours hybrides [Mondada99], caractérisés par un "registre interactif écrit" (Ferrara et al., cités par [Mondada99]). Parmi les phénomènes ici analysés susceptibles d'intéresser aussi les spécialistes des nouvelles formes d'interaction relevant de la CMO, nous songeons notamment à la prise en charge énonciative des énoncés ou point de vue (PdV) ainsi qu'aux aspects liés à l'organisation de l'information (anaphores, cataphores, etc.). Inversement, la CMO est un exemple de l'hétérogénéité des genres sur laquelle J.-M. Adam n'a eu de cesse d'insister dans ses travaux. Par ailleurs, une nouvelle orientation se fait jour qui propose de synthétiser ces deux perspectives, CMO, d'une part, et analyse du discours, d'autre part : il s'agit de l'Analyse du Discours Médiatisé par Ordinateur (Admo), dont l'objectif est l'"étude des manifestations pragmatico-linguistiques propres à la CMO" [Torres01].

3
Un ouvrage collectif récent [RebMourRako04] pose la question de la conduite à adopter face à ces "discours de l'Internet". S'agit-il de nouveaux genres de discours ? Dans l'analyse de ces nouvelles pratiques discursives, faut-il appliquer des méthodes déjà existantes ? Ne faut-il pas également forger de nouveaux concepts opératoires ? S'il est vrai, comme le rappelle J.-P. Bronckart, que tout genre nouveau se construit à partir de genres existants [Bronckart96], on pourrait retravailler avec profit les concepts disponibles, dont ceux de la linguistique textuelle précisément. C'est de ce point de vue, nous semble-t-il, que la confrontation avec les analyses ici présentées devrait se révéler féconde pour l'étude de la CMO. Tout en conservant le découpage de l'ouvrage en question, nous avons essayé d'introduire, au fil de notre analyse, des remarques allant dans cette direction.
2. Cadre épistémologique

4
Les deux premiers chapitres décrivent le cadre épistémologique de l'ouvrage. Depuis les années 60, Jakobson d'abord [Jakobson73], Bakhtine [Bakthine75] et Labov [Labov78] ensuite, ont dénoncé le cantonnement de la linguistique dans les limites de la phrase. La linguistique textuelle s'inscrit dans cette lignée, soulignant avec force que la linguistique ne saurait être réduite à l'analyse de catégories grammaticales, autrement dit de phrases et de mots. Tout en accordant une place importante aux micro-enchaînements, elle va en effet au-delà des limites d'une "grammaire transphrastique" pour se fonder sur "une théorie de la production co(n) textuelle de sens, qu'il est nécessaire de fonder sur l'analyse de textes concrets" (p. 3). C'est cette démarche que J.-M. Adam nomme "analyse textuelle des discours" - dont le présent ouvrage, comme son sous-titre l'indique, se veut une introduction - opérant ainsi un recouvrement entre deux orientations qui n'ont ni la même origine épistémologique ni la même histoire : la linguistique du texte et l'analyse du discours.

5
J.-M. Adam propose de placer son approche sous un double parrainage : la "translinguistique des textes, des œuvres" d'É. Benveniste et la "métalinguistique" de M. Bakhtine. Contrairement à la "grammaire de texte", la linguistique textuelle ne se revendique pas de l'épistémologie générativiste. Elle ne se présente pas comme une théorie de la phrase étendue au texte, mais comme une "translinguistique" qui, à côté de la linguistique de la langue, rend compte de la cohésion et de la cohérence des textes (voir Adam dans [CharauMaingue02] : 345-346).

6
Dans L'archéologie du savoir [Foucault69], M. Foucault montre qu'une phrase ne devient unité de discours (énoncé) que si on relie cet énoncé à d'autres, au sein de l'interdiscours d'une formation sociale. Puisque l'interdiscours déstabilise l'opposition entre l'intérieur et l'extérieur d'une formation discursive, quel est au juste le rôle joué par le contexte ? J.-M. Adam estime qu'une redéfinition de cette notion est indispensable, car elle n'est convoquée en linguistique que pour lever les ambiguïtés. L'auteur souligne que le contexte n'est pas externe mais partie prenante de toute interprétation et qu'il implique une "mémoire discursive" (MD), dont font partie les propositions énoncées dans une autre partie du texte (co-texte) ou dans un texte antérieur. C'est ce que Berrendonner définit comme l'"ensemble des savoirs consciemment partagés par les interlocuteurs" ([Berrendonner83] : 230). La mémoire discursive est à la fois "ce qui permet et ce que vise une interaction verbale" (p. 26). Cette notion est, nous semble-t-il, opératoire pour l'analyse des interactions sur Internet, où l'on observe la constitution de communautés discursives.

7
L'ouverture en direction de l'interdiscours, ébauchée dans les travaux précédents de l'auteur ([Adam99] : 87), se poursuit dans cet ouvrage. Analysant, au quatrième chapitre, la partie d'implicite qui caractérise tout discours, J.-M. Adam emploie la notion de "préconstruit". Il tient toutefois à souligner, dans sa conclusion prospective, que son analyse ne porte ici que sur les "forces centripètes de la textualité", envisageant de faire des "forces centrifuges qui ouvrent un texte sur d'autres textes" matière d'un livre à venir, ce travail ne représentant donc que le premier volet d'un programme de recherche plus vaste.
2.1. Une pragmatique textuelle ?

8
Dans la mesure où il cherche à analyser l'action que font les locuteurs lorsqu'ils produisent un énoncé, J.-M. Adam s'interroge sur les fondements pragmatiques de la linguistique textuelle. Il reconnaît les limites de la pragmatique d'O. Ducrot [Ducrot77] et de la "pragmatique du discours" de J. Moeschler et A. Reboul [MoeschReboul98], qui réduisent le discours à un simple enchaînement d'énoncés. C'est pourquoi la linguistique textuelle puise ses modèles dans la Textpragmatik des années 80, qui sert d'appui aussi à la définition du concept de texte proposée par J.-M. Schaeffer (voir [DucrotSchae95]). Dès que le texte est défini comme une "occurrence communicationnelle" [DeBeauDress81], la linguistique textuelle devient une pragmatique textuelle et elle se rapproche de l'analyse de discours.
2.2. Quelles catégories pour l'analyse des textes ?

9
La linguistique textuelle, qui se démarque résolument de la "grammaire de texte", dispose d'une série de concepts propres. La classe textuelle des connecteurs s'oppose ainsi aux conjonctions de coordination ("mais", "ou", "et", "donc", "or", "ni", "car"). De même, l'homogénéité de la classe morphologique des pronoms personnels éclate dès que l'on passe au niveau du texte. Les pronoms de troisième personne il(s) et elle(s) doivent, en effet, être alors (re)classés dans le domaine des reprises, avec les démonstratifs, certains indéfinis et certains groupes nominaux définis, tandis que les deux premières personnes doivent être mises en relation avec les possessifs et les modalisateurs, la classe des déictiques et l'ensemble du domaine énonciatif.

10
Un bon exemple de la nécessité de distinguer entre catégories textuelles et catégories de la grammaire phrastique est donné par la théorie de la "Perspective Fonctionnelle de la Phrase" élaborée dans le cadre des travaux du second Cercle linguistique de Prague (travaux de Dane et Firbas) et basée sur la distinction entre thème (Th) et rhème (Rh). Cette théorie revient sur la vieille question de l'ordre des mots dans la phrase. La reprise par D. Slatka [Slatka75], à la mémoire duquel est dédié cet ouvrage, B. Combettes [Combettes83] et plus récemment par S. Carter-Thomas [Carter00] des travaux de Dane et Firbas a permis de mettre en évidence, d'une part, la fonction cohésive des différents types de reprises thématiques et, d'autre part, le rôle du rhème dans la dynamique de la progression des énoncés. Ainsi, selon J.-M. Adam (p. 50),

11
Tout texte – et chacune des phrases qui le constituent – possède, d'une part, des éléments référentiels récurrents présupposés connus (par le co(n)texte), qui assurent la cohésion de l'ensemble, et, d'autre part, des éléments posés comme nouveaux, porteurs de l'expansion et de la dynamique de la progression informative.
2.3. Quels textes analyse-t-on ?

12
En conclusion du deuxième chapitre, J.-M. Adam se pose la question de la définition de son objet d'analyse. De quels textes s'agit-il ? Selon A. Grésillon ([Grésillon89] : 185), "le linguiste, au lieu de disposer de données qui ne demandent qu'à être interprétées, a besoin de construire d'abord son objet". Cette réflexion sur l'objet d'étude fait pourtant défaut en linguistique textuelle ainsi qu'en analyse de discours ou encore en explication de textes. La faute est au dispositif méthodologique structuraliste, qui a prôné une autonomie et même une autotélicité des textes, dont la conséquence a été le discrédit de la philologie. Or, comme le dit fort justement F. Rastier ([Rastier01] : 82) : "la philologie rappelle que les textes ne sont pas des données, mais des constructions problématiques issues de diverses procédures". D'où la nécessité, selon J.-M. Adam, de l'établissement critique des textes, surtout à l'époque actuelle, où les banques de données informatisées foisonnent et deviennent la principale source d'information pour les chercheurs.
3. L'unité textuelle élémentaire

13
Le troisième chapitre de cet ouvrage est en revanche consacré à l'unité textuelle élémentaire, à savoir la proposition-énoncé comme proposition énoncée. J.-M. Adam met ainsi l'accent sur le fait qu'il s'agit toujours d'un acte d'énonciation : elle est énoncée par un énonciateur à destination d'un destinataire-interprétant ayant valeur de co-énonciateur. Il est ensuite question des trois dimensions complémentaires que comporte toute proposition-énoncé : une dimension énonciative [B] qui prend en charge un contenu référentiel [A] et lui donne une certaine potentialité argumentative [ORarg] qui lui confère une force ou valeur illocutoire [F] plus ou moins identifiable.
3.1. Prise en charge énonciative des énoncés ou point de vue [PdV]

14
Le degré de prise en charge énonciative d'une proposition est susceptible d'être marqué par un très grand nombre d'unités de la langue. Sans les détailler ici, J.-M. Adam énumère les grandes catégories suivantes : a) les différentes sortes de discours rapportés ; b) les indications d'un support de perceptions et de pensées rapportées ; c) les indications de cadres médiatifs : marqueurs comme "selon", "d'après" et "pour", choix d'un verbe d'attribution de parole comme "prétendent", "paraît-il", reformulations de type "(c'est) en fait", "en réalité", et même "en tout cas", etc. ; d) les phénomènes de modalisation autonymique : "comme on dit", "pour employer un terme philosophique", "pour ainsi dire", "mieux vaut dire", "je ne trouve pas le mot", "au sens étymologique", "dans les deux sens du terme", "passez-moi l'expression", "comme tu as l'habitude de dire" ; d) les indices de personnes : depuis les pronoms et les possessifs marqueurs de la personne ("mon", "ton / votre", "son livre") ; e) les déictiques spatiaux et temporels : "hier", "demain", "ici", "aujourd'hui", etc. ; f) les temps verbaux ; g) les modalités.

15
Ces analyses sur les traces de l'hétérogénéité énonciative et les phénomènes de modalisation sont exploitables dans la perspective de la CMO, le but étant de déceler les marques linguistiques qui révèlent l'attitude du sujet parlant à l'égard de son interlocuteur, de lui-même et de son propre énoncé.
3.2. Micro-actes de discours

16
Toute proposition énoncée possède une valeur illocutoire. L'auteur parle donc de micro-actes de langage, alors qu'au niveau textuel, comme nous le verrons plus loin, il s'agit de macro-actes. Du point de vue des actes de langage, J.-M. Adam ne suit pas l'idée d'É. Benveniste de limiter l'illocutoire aux seuls performatifs explicites. Il propose le classement suivant : a) assertifs-constatifs ; b) directifs ; c) engageants ; d) déclaratifs ; e) expressifs.
4. Types de liages des unités textuelles
4.1. Co-référence et anaphores

17
Au quatrième chapitre, l'auteur se penche sur les liages des unités textuelles de base. Les liages sémantiques sont de deux types : la co-référence et les anaphores d'un côté, l'isotopie du discours de l'autre. Les relations sémantiques de co-référence sont dites anaphoriques dans la mesure où l'interprétation d'un signifiant dépend d'un autre, présent dans le co-texte gauche (anaphore proprement dite) ou dans le co-texte droit (cataphore). Adam passe donc en revue les différentes sortes d'anaphores : résomptive (reprise du titre dans la dépêche d'agence, par exemple) ; associative (reprise par un défini dont le sens est inférable sur la base des connaissances lexicales) ; pronominale, qui est par définition fidèle car elle n'indique généralement aucune nouvelle propriété de l'objet.

18
Au-delà de la reformulation, dont le but est de maintenir un continuum de signification, toutes les formes d'anaphores et de chaînes de co-référence assurent aussi la progression textuelle par spécifications nouvelles et mobilisation des références virtuelles des lexèmes convoqués (p. 95) :

Les liens anaphoriques jouent un rôle capital non seulement dans la cohésion, mais dans la progression par modifications progressives d'un référent qu'ils ne secontentent généralement pas de simplement reprendre.

19
Quant au deuxième type de liages, comme l'écrit M. Arrivé ([Arrivé76] : 115) : "Lire un texte, c'est identifier la (les) isotopie(s) qui le parcoure(nt) et suivre, de proche en proche le (dis) cours de ces isotopies". J.-M. Adam s'attarde ainsi sur les faits de co-topie, hétérotopie et polyisotopie.

20
En ce qui concerne l'interaction sur Internet, L. Mondada fait remarquer que malgré la discontinuité apparente, la CMO reprend l'organisation de l'information comme à l'écrit, par exemple en faisant usage de la cataphore ([Mondada99] : 5).
4.2. L'implicite

21
L'incomplétude est la règle du discours, en vertu d'une loi d'économie du langage qui permet de ne pas tout dire (opération d'abrègement) et d'impliciter ce que l'auditeur ou le lecteur peuvent restituer facilement et / ou inférer sur la base de diverses formes d'implicite. Dans un texte, "Ce qui est dit – posé – est inséparable de ce qui est présupposé" (p. 115). J.-M. Adam reprend ici l'exemple bien connu du verbe transformatif - l'exemple étant en l'occurrence "Lucky Luke a cessé de fumer" (T1) - et la distinction opérée par O. Ducrot entre contenu présupposé et sous-entendu d'un côté, contenu posé de l'autre. Toutefois, à la différence de la "pragmatique intégrée" d'O. Ducrot, J.-M. Adam emploie la notion de "préconstruit". Lorsque quelqu'un énonce T1, il sous-entend probablement une idée unanimement reçue aujourd'hui, au point d'être imprimée sur les paquets de cigarettes : "Fumer nuit gravement à la santé" (donc à la santé de Lucky Luke). J.-M. Adam classe les idées reçues dans une catégorie d'implicites préconstruits, non impliqués par la structure linguistique des énoncés, contrairement aux présupposés, mais proches des sous-entendus proprement dits. Ces derniers sont dérivés par un processus interprétatif au cours duquel l'acte d'énonciation "Si elle ou il me dit T1" reçoit une interprétation du type "c'est qu'elle ou il veut me dire quelque chose d'autre" ([Ducrot77] : 33).

22
Ainsi, c'est probablement pour nous reprocher de fumer ou nous inciter à arrêter à notre tour que quelqu'un nous dira T1, en s'appuyant sur le préconstruit qui veut que fumer nuit gravement à la santé. La notion de préconstruit est liée à celle d'interdiscours et représente une reformulation des théories de la présupposition d'O. Ducrot.

23
L'inférence joue assurément un rôle majeur dans l'interprétation des messages échangés dans la CMO. Cela s'explique en partie par le principe d'économie qui caractérise toute communication, mais surtout par la nature particulière de ces types d'interaction, caractérisés par la rapidité et la place prééminente accordée aux sous-entendus. Par ailleurs, la notion de préconstruit peut être pertinente toujours dans cette direction et en relation avec le concept de communauté discursive.
4.3. Les connecteurs

24
La fonction fondamentale des connecteurs est de marquer une connexité entre deux unités sémantiques pour créer une structure "p connex q" ([Nølke02] : 186). Ces morphèmes contribuent à la linéarisation du discours. Ce qui les différencie, c'est qu'ils ajoutent ou non à cette fonction de connexion l'indication de prise en charge énonciative (PdV) et / ou d'orientation argumentative (ORarg). Les emplois et la fréquence des connecteurs varient selon les genres de discours. Leur fonctionnement change aussi en fonction des types de mise en texte : ils ont un poids plus important dans les textes argumentatifs, où ils servent à mettre en évidence les relations entre les arguments et contre-arguments, entre la thèse propre et la thèse adverse, alors qu'ils sont moins indispensables dans un texte narratif, où le déroulement chronologique est assuré par la succession des énoncés ([RiePelRioul94] : 623).

25
À côté des connecteurs, les organisateurs textuels jouent un rôle dans le balisage des plans de texte. Il y a les organisateurs spatiaux ("à gauche / à droite", "devant / derrière", "(au-) dessus / dessous", "plus loin", "d'un côté / de l'autre", etc.), les organisateurs énumératifs, où il faut distinguer entre les simples additifs ("et", "ou", "aussi", "ainsi que", "avec cela", "de même", "également", "en plus",...) et les marqueurs d'intégration linéaire qui ouvrent une série ("d'une part", "d'un côté", "d'abord", etc.), signalent sa poursuite ("ensuite", "puis") ou sa fermeture ("d'autre part", "enfin", "de l'autre", "en conclusion").

26
Le passage d'un objet de discours à un autre, en revanche, est souvent souligné par des marqueurs de changement de topicalisation comme "quant à" ou "en ce qui concerne". Les marqueurs d'illustration et d'exemplification, eux, ont pour fonction d'introduire des exemples : "par exemple", "en particulier", "notamment".

27
Particulièrement importants du point de vue de la prise en charge énonciative sont les marqueurs de cadre médiatif ou de "sources du savoir" : "Ces marqueurs signalent qu'une portion de texte n'est pas prise en charge (sa vérité garantie) par celui qui parle, mais médiatisée par une autre voix ou PdV." (p. 122). De même, la catégorie des marqueurs de reformulation souligne une reprise méta-énonciative qui est souvent une modification de point de vue ("c'est-à-dire", "autrement dit", etc.). À ces marqueurs, il faut ajouter les marqueurs de conversation ("bon", "ben", "pis", "alors") et autres phatiques ("tu sais", "tu vois", "euh", etc.). Ces derniers jouent un rôle très important dans la CMO. Par exemple, un phénomène spécifique aux clavardages est la rupture de l'alternance dans les tours de parole et la séparation des paires adjacentes de type question-réponse, d'où l'usage fréquent d'interjections conatives et des phatiques [Torres01].
4.4. Chaînes d'actes de discours

28
Si plus haut J.-M. Adam s'est intéressé aux micro-actes de discours qui caractérisent les propositions-énoncés, il élargit ici la perspective pragmatique au texte envisagé comme un tout. En effet, un texte n'est pas une simple suite d'actes d'énonciation possédant une certaine valeur ou force illocutoire, mais une structure d'actes de discours liés. Le principe de cette structure hiérarchique a très tôt été envisagé par E. Roulet [RouAucScheMoRu85] et par D. Viehweger ([Viehweger90] : 49) : "Les analyses concrètes montrent que les actes illocutoires qui constituent un texte forment des hiérarchies illocutoires subsidiaires [...]". Viehweger, en particulier, reproche aux "grammaires de texte" de ne pas saisir la structure actionnelle des discours.
5. Période et séquences : unités compositionnelles debase

29
En faisant de la proposition-énoncé une unité textuelle élémentaire (chapitre 3) et en envisageant ensuite les grandes opérations qui règlent les liages de ces unités (chapitre 4), J.-M. Adam s'est plutôt attaché à la description des agencements linéaires. Aussi, au cinquième chapitre, se penche-t-il sur le passage "de la mise en série des propositions-énoncés à leur empaquetage sémantique dans des unités textuelles de niveaux croissants de complexité" (p. 136). Il décrit les unités compositionnelles de base : période et séquences.

30
La notion de période, théorisée par les grammairiens et les styliciens classiques, est réapparue dans la linguistique des années 80, sous la plume des spécialistes de l'oral (Luzzati, Blanche-Benveniste, Berrendonner). Dans le champ de la linguistique textuelle, M. Charolles a été le premier à considérer la période comme un des plans d'organisation de la textualité.

31
En ce qui concerne les séquences, J.-M. Adam revient ici sur son livre de 1992 dont "le but a été de développer cette hypothèse des différents agencements préformatés de séquences contre les typologies de textes" (p. 137). En réalité, dans son ouvrage de 1999, il va encore plus loin, affirmant vouloir "en finir avec les types de textes" ([Adam99] : 81), cette typologie étant incapable, selon lui, de rendre compte de la diversité et de l'hétérogénéité des productions textuelles. D'où sa préférence pour les "prototypes de séquences".

32
Ces différents agencements sont dits "narratif", "argumentatif", "explicatif", "dialogal" et "descriptif". Les cinq types de base retenus correspondent à cinq types de relations macrosémantiques mémorisées par imprégnation culturelle (par la lecture, l'écoute, et la production de textes) et transformées en schéma de reconnaissance et de structuration de l'information textuelle. En distinguant des formes élémentaires de textualisation dites "narratives", "descriptives", "argumentatives", "explicatives" ou "dialogales", les propositions de J.-M. Adam s'inscrivent dans le prolongement linguistique de la théorie psycho-cognitive des schémas qui a son origine dans les travaux de Barlett [Barlett32] et qui a été développée surtout par Kintsch et Van Dijk (la psychologie cognitive est l'approche choisie dans un récent ouvrage faisant le point sur l'"activité de comprendre" (voir [HamonRen06]).
6. Le texte comme unité compositionnelle et configurationnelle

33
J.-M. Adam met en exergue du sixième chapitre cette affirmation de M. Meyer : "Certes le texte se matérialise bien par l'ensemble des phrases qui le composent, mais il les dépasse toujours." ([Meyer92] : 88) Avec O. Mink et Ricœur, J.-M. Adam appelle "configurationnelle" cette unité sémantique et pragmatique qu'est le texte "au sens où elle subsume les parties et se présente comme une saisie compréhensive du sens" (p. 175). Ce sont donc l'unité thématique et l'unité illocutoire qui déterminent la cohérence sémantico-pragmatique globale d'un texte.

34
Les plans de texte jouent, quant à eux, un rôle essentiel dans la composition macro-textuelle du sens. Ils correspondent à ce que la rhétorique rangeait dans la disposition. Ce modèle rhétorique ne rend toutefois pas compte de la variété des plans de textes possibles. Un plan de texte peut être "conventionnel", c'est-à-dire fixé par l'état historique d'un genre ou d'un sous-genre de discours. Mais le plan de texte d'un éditorial, d'une chanson ou d'un poème, du rédactionnel d'une publicité, d'un discours politique, d'une nouvelle ou d'un roman est, le plus souvent "occasionnel", inattendu, décalé par rapport à un genre ou à un sous-genre de discours. J.-M. Adam tient à préciser que si la structuration séquentielle est facultative, dans la mesure où les empaquetages de propositions n'aboutissent pas toujours à des séquences complètes, le plan de texte, en revanche, est "le facteur unifiant de la structure compositionnelle" (p. 177).

35
Peut-on étendre, appliquer la notion de "plan de texte" à la CMO ? Compte tenu de sa plus importante structuration par rapport aux échanges des forums et des clavardages, le courriel est peut-être la forme où cette notion serait la plus pertinente.
6.1. L'effet de dominante

36
En dépit de cette hétérogénéité fréquente, la caractérisation globale d'un texte résulte d'un effet de dominante : le tout textuel est, dans sa globalité et sous forme de résumé, caractérisable comme plutôt "narratif", "argumentatif", "explicatif", "descriptif" ou "dialogal". Le concept de "dominante", que J.-M. Adam applique ici à la caractérisation globale des textes, a été utilisé en linguistique, dans des contextes très différents, par Ch. Bally et par R. Jakobson. Dans le célèbre article de 1935 où il définit l'œuvre poétique comme "un message verbal dans lequel la fonction esthétique est la dominante" ([Jakobson73] : 147), Jakobson développe une réflexion sur la façon dont une dominante "pèse sur la structure" ([Jakobson73] : 146). J.-M. Adam fait néanmoins remarquer que parler de dominante d'un type ou d'un autre de séquences ne signifie pas replonger dans les typologies de textes, auxquelles l'auteur reproche de ne pas saisir la complexité des agencements séquentiels.

37
Dans la CMO les effets de dominante relèvent de l'explicatif, du descriptif et de l'argumentatif.

38
Quant au dialogal, des distinguos s'imposent entre clavardages, courriels et forums. Par exemple, comme le signale M. Marcoccia (cité par [CelikMang04]),

dans un forum de discussion, il est impossible de sélectionner un destinataire. Toute intervention est "publique", lisible par tous les participants au forum, même si elle se présente comme la réaction à une intervention initiative particulière. L'aparté est impossible : le polylogue est la forme habituelle du forum et le multiadressage en est la norme.
6.2. Macro-structure sémantique (thème, topic) et micro-actes de discours

39
Un texte peut presque toujours être sémantiquement résumé par un titre (donné ou à déduire). On parle à ce propos de "macro-structure sémantique" ou de "thème-topic du discours" établi soit à la production pour guider l'interprétation, soit lors de la lecture / audition d'un texte. Comprendre un texte, c'est également pouvoir répondre à une question pragmatique : pourquoi, pour accomplir quel but, avec quelle visée argumentative, ce texte a-t-il été produit ? Comprendre l'action langagière engagée en dérivant ainsi un macro-acte de discours d'une suite plus ou moins hiérarchisée d'actes est une autre façon de résumer un texte et donc de l'interpréter dans sa globalité.
7. Le fonctionnement textuel des temps verbaux

40
Le septième chapitre est consacré au fonctionnement textuel des temps verbaux. H. Weinrich a été un des premiers à examiner le rôle textuel des temps verbaux [Weinrich73] dans une perspective qu'il nommait déjà la "linguistique textuelle". Contrairement à ce qui se fait encore dans les travaux les plus récents, qui ne prennent comme objet d'analyse que des suites de deux phrases, H. Weinrich s'intéressait aux effets textuels liés aux suites de temps identiques (suites de passé simple ou de passé récent, etc.) et aux transitions entre temps proches (passé simple + imparfait différente de passé récent + futur, par exemple).

41
J.-M. Adam se démarque néanmoins de la position de H. Weinrich lorsque celui-ci affirme que seules les transitions homogènes "garantissent la consistance d'un texte, sa textualité" ([Weinrich73] : 204). Selon J.-M. Adam, en revanche, les variations énonciatives marquées par les formes verbales font partie des effets de sens propres aux textes. Ce bref chapitre se penche précisément sur les effets de ces transitions, l'objectif étant de dessiner "les grandes lignes d'une approche globale de l'emploi textuel du système verbal français" (p. 194).

42
En s'appuyant sur É. Benveniste, J.-M. Adam souligne que la possibilité d'une narration au passé composé divise le discours en "narration de discours" et "énonciation de discours". La présence de déictiques comme "maintenant" dans un co-texte à l'imparfait et même au passé simple s'explique, elle, par le fait que le repérage de l'énoncé est interne au monde construit par le texte. Dans ce mode énonciatif non actualisé, l'origine de la référence temporelle est à chercher dans une deixis que l'on peut dire "secondaire". Rappelons que le recours à la "deixis textuelle" est l'un des phénomènes qui, dans la CMO, assurent une certaine organisation de l'information, malgré la discontinuité apparente qui caractérise ce type de communication ([Mondada99] : 5).

43
J.-M. Adam reprend la distinction opérée par É. Benveniste entre les systèmes de l'"énonciation de discours" et de l'"énonciation historique", qui propose un dépassement des représentations traditionnelles des paradigmes verbo-temporels. Cette division du système des temps correspond, chez H. Weinrich, à l'opposition entre erzählte Welt "monde raconté" et besprochene Welt qui, d'après J.-M. Adam, a été improprement traduit par "monde commenté" ou "commentaire", alors que Besprechen signifie : discuter, débattre, parler de quelque chose avec quelqu'un.

44
L'auteur déplore que cette tendance à la division binaire se soit malheureusement figée dans la vulgarisation scolaire du couple récit / discours, introduisant une confusion qu'É. Benveniste avait pourtant dénoncée par anticipation : "Nous parlons toujours des temps du 'récit historique' pour éviter le terme "temps narratifs" qui a créé tant de confusion" ([Benveniste76] : 242). Dans Le texte narratif déjà, J.-M. Adam s'en prenait à la mauvaise lecture d'É. Benveniste et à la mauvaise traduction du texte d'H. Weinrich ([Adam94] : 236). Il regrette ensuite que le glissement terminologique ait induit, depuis H. Weinrich, G. Genette et D. Maingueneau, une confusion entre plans énonciatifs et séquentialité.

45
Il est intéressant de remarquer que J.-M. Adam s'en tient ici à la distinction par É. Benveniste entre "discours" et "histoire", alors qu'à la suite de D. Maingueneau on préfère aujourd'hui utiliser les termes de "plan embrayé" (= discours) et "plan non embrayé" (= histoire), considérés moins ambigus que les dénominations choisies par É. Benveniste. Une définition de dictionnaire ou un proverbe, par exemple, ne sont pas des énoncés narratifs, mais ils sont dépourvus d'embrayage. Ils relèvent ainsi du "plan non embrayé", mais non du récit ([CharauMaingue02] : 210-211).
8. Analyse textuelle d'un récit de Jorge Luis Borges :"Le Captif"

46
Dans ce huitième et dernier chapitre, J.-M. Adam procède à l'analyse translinguistique de ce bref récit de J. L. Borges. Il propose une approche textuelle de sa traduction, critiquant celle donnée par R. Caillois. L'analyse de ce texte permet à J.-M. Adam de rassembler quelques-unes des propositions théoriques et méthodologiques développées dans les précédents chapitres de son ouvrage. J.-M. Adam commence par souligner que ce texte s'inscrit dans la formation sociodiscursive littéraire latino-américaine. Il pointe ensuite les lacunes de la traduction par R. Caillois : elle manque le réseau de connexions entre titre, co-texte, intertexte et interculture. J. M. Adam dégage enfin la structure compositionnelle de ce texte.
9. Pour conclure

47
Dans cet ouvrage, l'auteur fait preuve de toute la rigueur qu'on lui connaît et varie opportunément les genres analysés : textes de La Bruyère à Borges, textes journalistiques et politiques (dont un discours de Giscard d'Estaing). Il fait ainsi émerger les usages de la langue en discours et la complexité des agencements textuels d'énoncés. En parlant d'analyse textuelle des discours, J.-M. Adam entame ici un dialogue entre la linguistique textuelle, qui relève des sciences du langage, et les disciplines des textes littéraires (comme la stylistique) d'une part ; entre la linguistique textuelle et les "sciences de l'information et de la communication" d'autre part (cf. [AdamBonh97]). De ce point de vue, on peut souhaiter un élargissement de son corpus à la CMO qui, on l'a vu, participe des genres traditionnels tout en introduisant des aspects nouveaux qu'il s'agit de creuser à l'aide des notions présentes dans cet ouvrage. Cela aiderait à faire progresser les connaissances à la fois dans le domaine de la linguistique textuelle et dans celui de la CMO.
Références

Les liens externes étaient valides à la date de publication.

Les liens externes étaient valides à la date de publication.
Bibliographie

[Adam90]
Adam, J.-M. (1990). Éléments de linguistique textuelle. Bruxelles-Liège : Mardaga.

[Adam94]
Adam, J.-M. (1994). Le texte narratif. Paris : Nathan.

[Adam99]
Adam, J.-M. (1999). Linguistique textuelle - Des genres de discours aux textes. Paris : Nathan.

[Adam01]
Adam, J.-M. (2001). Les textes : types et prototypes. Paris : Nathan.

[Adam02]
Adam, J.-M. (2002). "Linguistique textuelle". In Charaudeau, P. & Maingueneau, D. (dir.). Dictionnaire d'analyse du discours. Paris : Seuil. pp. 345-346.

[Adam05]
Adam, J.-M. (2005). Les textes : types et prototypes - Récit, description, argumentation, explication et dialogue. Paris : Armand Colin.

[AdamBonh97]
Adam, J.-M. & Bonhomme, M. (1997). L'argumentation publicitaire - Rhétorique de l'éloge et de la persuasion. Paris : Nathan.

[AdaGriBoua04]
Adam, J.-M., Grize, J.-B. & Bouacha, M. A. (dir.) (2004). Texte et discours : catégories pour l'analyse. Dijon : Éditions Universitaires de Dijon.

[Arrivé76]
Arrivé, M. (1976). Lire Jarry. Bruxelles : Complexe.

[Bakthine75]
Bakhtine, M. (1975). Esthétique et théorie du roman. Paris : Gallimard, 1978.

[Barlett32]
Barlett, Sir F. C. (1932). Remembering. Cambridge: Cambridge University Press.

[Benveniste76]
Benveniste, E. (1976). Problèmes de linguistique générale. Paris : Gallimard.

[Berrendonner83]
Berrendonner, A. (1983). "Connecteurs pragmatiques et anaphores". Cahiers de linguistique française, université de Genève, n° 5. pp. 215-246.

[Bronckart96]
Bronckart J.-P. (1996). Activités langagières, textes et discours. Lausanne-Paris : Delachaux et Niestlé.

[Carter00]
Carter-Thomas, S. (2000). La cohérence textuelle. Paris : L'Harmattan.

[CelikMang04]
Celik, C. & Mangenot, F. (2004). "La communication pédagogique par forum : caractéristiques discursives". Les Carnets du Cediscor, n° 8. pp. 75-88. Paris : Presses Sorbonne. Disponible en ligne. http://w3.u-grenoble3.fr/espace_peda...t-cediscor.doc

[CharauMaingue02]
Charaudeau, P. & Maingueneau, D. (2002). Dictionnaire d'analyse du discours. Paris : Seuil.

[Combettes83]
Combettes, B. (1983). Pour une grammaire textuelle. Bruxelles : Duculot.

[DeBeauDress81]
De Beaugrande, R. & Dressler, W. (1981). Introduction to Text Linguistics. London-New York: Longman.

[Ducrot77]
Ducrot, O. (1977). "Présupposés et sous-entendus (réexamen)". Stratégies discursives. Lyon : Presses Universitaires de Lyon. pp. 33-43.

[DucrotSchae95]
Ducrot, O. & Schaeffer, J.-M. (dir.) (1995). Nouveau Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage. Paris : Seuil.

[Foucault69]
Foucault, M. (1969). L'archéologie du savoir. Paris : Gallimard.

[Grésillon89]
Grésillon, A. (1989). "Fonctions du langage et genèse du texte". In Hay, L. (dir.). La naissance du texte. Paris : Corti, pp. 177-192.

[HamonRen06]
Hamon, L. & Renard, C. (2006). "Analyse de Aider les élèves à comprendre – Du texte au multimédia". Apprentissage des Langues et Systèmes d'Information et de Communication (Alsic), vol. 9, n° 1. Disponible en ligne. http://alsic.u-strasbg.fr/v09/hamon/...09_06-liv3.htm

[Jakobson73]
Jakobson, R. (1973). Questions de poétique. Paris : Seuil.

[Labov78]
Labov, W. (1978). Le parler ordinaire. Paris : Minuit.

[Meyer92]
Meyer, M. (1992). Langage et littérature. Paris : PUF.

[MoeschReboul98]
Moeschler, J. & Reboul, A. (1998). Pragmatique du discours. Paris : Armand Colin.

[Mondada99]
Mondada, L. (1999). "Formes de séquentialité dans les courriels et les forums de discussion. Une approche conversationnelle de l'interaction sur Internet". Apprentissage des Langues et Systèmes d'Information et de Communication (Alsic), vol. 2, n° 1. pp. 3-25. Disponible en ligne. http://alsic.u-strasbg.fr/Num3/monda...c_n03-rec1.htm

[Nølke02]
Nølke, H. (2002). "Pour un traitement modulaire de la syntaxe transphrastique". Verbum XXIV,n° 1-2. pp. 179-192. Nancy : Presses universitaires de Nancy.

[Rastier01]
Rastier, F. (2001). Arts et sciences du texte. Paris : PUF.

[RebMourRako04]
Reboul-Touré, S., Mourlhon-Dallies, F. & Rakotonoelina, F. (dir.) (2004). Les discours de l'Internet : nouveaux corpus, nouveaux modèles ? Les Carnets du Cediscor, n° 8.

[RiePelRioul94]
Riegel, M., Pellat, J.-C. & Rioul, R. (1994). Grammaire méthodique du français. Paris : PUF.

[RouAucScheMoRu85]
Roulet, E., Auchlin, A., Schelling, M., Moeschler, J. & Rubattel, C. (1985). L'articulation du discours en français contemporain. Berne : Peter Lang.

[Slatka75]
Slatka, D. (1975). "L'ordre du texte". Études de Linguistique Appliquée, n° 19. pp. 30-42.

[Torres01] Torres i Vilatarsana, M. (2001). "L'analyse du discours médiatisé par ordinateur : l'apport de la linguistique à la société de l'information". In Actes du Colloque "La Communication Médiatisée par Ordinateur : un carrefour de problématiques". Université de Sherbrooke, 15-16 mai 2001. Disponible en ligne. http://grm.uqam.ca/activites/cmo2001/torres.html

[Viehweger90]
Viehweger, D. (1990). "Savoir illocutoire et interprétation des textes". In Charolles, M., Fisher,

S. & Jayez, J. (dir.). Représentations et interprétations. Nancy : Presses universitaires de Nancy. pp 41-51.

[Weinrich73]
Weinrich, H. (1964). Le Temps. Paris : Seuil, 1973.
Bibliographie complémentaire non citée dans l'article

[Adam06]
Adam J.-M. (2006). "Autour du concept de texte. Pour un dialogue des disciplines de l'analyse des données textuelles". Conférence plénière d’ouverture des Journées internationales d’Analyse des DonnéesTextuelles (JADT). Besançon, 19-21 avril 2006. Disponible en ligne.http://www.cavi.univ-paris3.fr/lexic...DT2006_JMA.pdf

[AdamHeidmann06]
Adam J.-M. & Heidmann U. (2006). "Entretien de J.-M. Adam et U. Heidmann avec R. Baroni". Vox Poetica. Disponible en ligne. http://www.vox-poetica.com/entretien...nn%20adam.html
Notes

1 Dans l'introduction de ce récent ouvrage collectif, J.-M. Adam insiste sur cette proposition de méthode essentielle qui consiste à ne pas séparer les notions de texte et de discours. Nous en profitons ainsi pour signaler ce recueil d'articles, qui ne figure pas dans la bibliographie très fouillée de l'ouvrage ici analysé. D'autant plus qu'on peut y lire les contributions de plusieurs auteurs convoqués dans le présent ouvrage, dont, entre autres, B. Combettes, J.-B. Grize, G. Kleiber et D. Maingueneau.

2 Nous soulignons au passage que dans l'article "linguistique textuelle" du Dictionnaire d'analyse du discours, J.-M. Adam définissait déjà cette discipline comme "auxiliaire de l'analyse de discours".

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-07-2009, 09:31 PM   #35
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

"لسانيات النص" – Linguistique Textuelle -كما نقول في المغرب الكبير أو /"علم لغة النص"/ كما يقول إخواننا المشارقة- هي علمٌ ناشئٌ وحقلٌ معرفي جديد تكوّن بالتدريج في السبعينيات من القرن العشرين، وبرز بديلا نقديا لنظرية الأدب الكلاسيكية التي توارت في فكر "الحداثة" و"ما بعد الحداثة"، وراح هذا العلم الوليد يطوّر من مناهجه ومقولاته حتى غدا "أهمّ وافدٍ" على ساحة الدراسات اللسانية المعاصرة، وقد نشأ على أنقاض علوم سابقة له كـ"لسانيات الجملة" و"اللسانيات النَّسَـقية" و"الأسلوبية"، ثم انطلق من معطياتها وأسس عليها مقولات جديدة، وهو قريب جدا من صنوه "تحليل الخطاب"، غير أن هذا الفرع الأخير يقوم على أساس التحليل البنيوي، أما فرع "لسانيات النص"- حتى وإن استثمر جميع النظريات اللسانية السابقة عليه- فهو يقوم في الأعم الأغلب على أساس التحليل التداولي، وأهم ملمح في لسانيات النص أنه غني متداخل الاختصاصاتInter-disciplinaire يشكِّل محور ارتكاز عدة علوم، ويتأثر دون شك بالدوافع ووجهات النظر والمناهج والأدوات والمقولات التي تقوم عليها هذه العلوم.
وأما في التراث العربي فقد بحث بعض علمائنا في "النص" ونظّروا له ولم يتوقفوا عند التنظير للجملة كما يحلو لبعضهم أن يردد؛ فمن علمائنا الذين قدموا إسهاما علميا ناضجا (في مجال التنظير والتطبيق النصي) الإمام عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) في "نظرية النظم" (كتاب: دلائل الإعجاز)، وتبرز قيمته "النصية" في أنه جمع بين علوم كثيرة كـ"النحو" و"علم المعاني" و"علم البيان" و"التفسير" و"دلالة الألفاظ" و"المعجمية" و"المنطق"... وألّف بين أشتاتها في تناغم عجيب واتخذ منها أدوات معرفية متضافرة على تحقيق هدف واحد هو: خدمة النص القرآني وبيان إعجازه. وقد كانت فكرة "الانسجام النصي" (Cohérence textuelle) واضحة في ذهن عبد القاهر وضوحا متميزا حتى إننا نجده يعبر عنها بقوله: "واعلم أن مَثَلَ واضعِ الكلامِ مَثَلُ من يأخذ قطعا من الذهب أو الفضة فيذيبُ بعضَها في بعض حتى تصير قطعة واحدة..."(5) وهذا يدل على أن بنية النص في تصور عبد القاهر الجرجاني تصل إلى مرتبة "الصهر" الذي هو أعلى درجات "التشكيل".

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-07-2009, 09:42 PM   #36
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

المناهج النقدية المعاصرة من البنوية إلى النظمية ـــ د. حلام الجيلالي- السعودية



المناهج النقدية المعاصرة من البنوية إلى النظمية ـــ د. حلام الجيلالي- السعودية

المقدمة‏

يعدّ النقد من أهمّ الحوافز الدافعة إلى ازدهار الإبداع الأدبي، وتطوير أشكاله الفنية ومقاصده الفكرية والثقافية، وتنوّع مناهجه التحليلية. وما فتئ كلّ إبداع سردي أو شعري يقابل بإبداع نقدي في مواكبة دائبة عبر توالي العصور وتعاقب الأجيال. وما ازدهر الأدب في عصر من العصور إلا وكان النقد رافداً له؛ تفسيراً أو تقييماً أو إبداعاً، وكلما قلتَ القراءة المبدعة خبت جذوة الإبداع وقاربت الأفول؛ فوقف الكتّاب عند عتبة السائد، واكتفى النقاد والدارسون بما تحقق لديهم من مناهج وأدوات ورؤى؛ فجاءت قراءاتهم تقليدية مكرّرة، تكبت مقصدية النصّ، وتخبت طموح الناصّ.‏

وقد تداولت على النقد الأدبي عبر مسيرته التطوّرية مناهج متعدّدة، بدأت القراءة التذوقية مروراً بالمناهج البلاغية والاجتماعية والنفسية في إطارها السياقي، إلى أن جاء التحوّل النسقي مع ظهور البنيوية وما بعد البنيوية كالسيميائية ونظرية التلقي والنصّانية والتقويضية والموضوعاتية والتداولية؛ فكانت أكثر المناهج تأثيراً في مسيرة النقد الأدبي هي تلك النظريات المنبثقة عن اللسانيات الحديثة في بحر القرن العشرين.‏

وتأتي هذه الورقة البحثية لتطرح إشكالية المنهج في القراءات النقدية المعاصرة ضمن إطارها النظري والتطبيقي، انطلاقاً من مدخل نظري يحاول تحديد مفهوم مصطلح النقد وصلته بمناهج التحليل المستنبطة أساساً من الدرس اللغوي. وتطمح الدراسة إلى تناول بعض المناهج النقدية المعاصرة الأكثر إثارة، وما آلت إليه من انحسار في العقود الأخيرة. كما تقترح مشروع منهج لقراءة لسانياتية تستثمر عدداً من النظريات الحديثة في ظلّ القراءة النظمية التي ترى أنّ البنية الإسنادية للجملة لا تفي بالغرض إلا بما قبلها وما بعدها، وأنّ النص في بعده النظمي والتداولي هو الوحدة الأولى والأخيرة لكلّ قراءة نقدية، وأن لا سلطة لعنصر من العناصر الفنية لتشكيل النصّ دون آخر.‏

وتصل الدراسة إلى أن النقد الأدبي يجب أن يظل مشروعاً مستقبلياً متجدّداً، مواكباً ومفتوحاً على كلّ المناهج والنظريات، ما دام المنهج الواحد قاصراً عن استيفاء النصّ حقه في التفسير والتأويل؛ وما دام النصّ نسيجاً تواصلياً، إطاره النظم وأداته اللغة، وهي ظاهرة اجتماعية تتشابك فيها كلّ القيم والأبعاد الحضارية؛ فكرية واجتماعية ودينية وفنية وسياسية.‏

أوّلاً/ في مفهوم النقد والمنهج:‏

إنّ مصطلح النقد بات فضفاضاً جداً، تتوسّله جملة من المعارف الإنسانية والتيارات الفكرية. وكلما دخل معرفة أو دلف تياراً فكرياً تغيّرت دلالته وتباينت أهدافه تبعاً لسنة تطور العلوم الإنسانية وتباين نصوصها وخطاباتها وبيئاتها ومجالاتها الفكرية والثقافية والاجتماعية والفنية والسياسية على توالي الأزمان.‏

والنقد من هذه الوجهة إبداع لإبداع آخر، فلا يمكن لأحدهما أن ينمو ويزدهر في منأى عن قرينه؛ فأيّ إنتاج إبداعي إنما هو دعوى في حاجة إلى تحقيق ومساءلة، وإبداع أوّلي يحتاج إلى إبداع ثان يفسّره أو يقوّمه أو يطوّره ويستشرف فيه رؤى سيرورته عن المستقبل. والنقد من هذه الوجهة فنّ شمولي، يتضمّن جوانب تطبيقية تعنى بالتحليل، وأخرى تنظيرية تعنى بالتأسيس والتأصيل والإبداع، وفي كلتا الحالتين ما فتئ يتخطى ويتجاوز منذ أن حاول أرسطوطاليس (322 ق. م) أن يضع قوانين للإبداع في كتابه فنّ الشعر، مروراً بحازم القرطاجني (684 هـ/1285م) حين تجاوز ذلك بمنهاج البلغاء، وصولاً إلى رولان بارت في الدرجة الصّفر للكتابة.‏

فقد سعى حازم إلى نقل أدبية الأدب من المحاكاة التقليدية ذات المنحى الأسطوري المحدودة الأغراض عند اليونان إلى الواقع الإبداعي؛ فصرّح بأنّ القوانين الشعرية الأرسطية يضيق عنها الشعر العربي؛ لأنها محكومة بعادات وأغراض خاصة بهم، ولو وجد أرسطو ما في الشعر العربي من ضروب الإبداع لزاد على ما وضع من القوانين(1)، ثمّ أضاف (فإني رأيت الناس لم يتكلموا إلا في بعض ظاهر لما اشتملت عليه تلك الصنعة فتجاوزت أنا تلك الظواهر..)(2)، فسنّ بذلك عنصر الإبداع النقدي. وفي العصر الحديث وجدنا ميخائيل نعيمة يعبّر عن خاصية الإبداع في النقد حين يقول (إنّ فضل الناقد لا ينحصر في التمحيص والتثمين والترتيب؛ فهو مبدع ومرشد مثلما هو ممحّص ومثمّن ومرتب)(3). ويعمّق محمود أمين العالم(4) هذه الفكرة فيرى أن النقد بقدر ما يهدف إلى التفسير والتقييم والكشف، يهدف إلى إضاءة وتعميق الوعي والتذوّق وتجاوز القصور تجاوزاً إبداعياً.‏

وإذا كانت وظيفة الناقد هي تلك، فلا مناصّ من أيّ تحليل أو قراءة نقدية مبدعة لا بدّ وأن تستند إلى منهج، والمنهج في أبسط تعريفاته ـ بالإضافة إلى رؤاه الفكرية ـ طريقة موضوعية يسلكها الباحث في تتبع ظاهرة، أو استقصاء خبايا مشكلة ما لوصفها أو لمعرفة حقيقتها وأبعادها، ليسهل التعرف على أسبابها وتفسير العلاقات التي تربط بين أجزائها ومراحلها وصلتها بغيرها من القضايا، والهدف من وراء ذلك هو الوصول إلى نتائج محدّدة يمكن تصنيفها وتعميمها في شكل أحكام أو ضوابط وقوانين للإفادة منها فكرياً وفنياً.‏

وقد ثبت أنه لا يمكن البحث في أية ظاهرة وتحليلها تحليلاً علمياً دون الأخذ بمنهج يناسب الظاهرة المدروسة بعد تحديد عناصرها وأبعادها وعلاقتها بالظواهر الأخرى؛‏

ذلك أن المنهج طريقة للبحث توصلنا إلى نتائج مضمونة أو شبه مضمونة في أقصر وقت وبأقل جهد ممكن كما أنه وسيلة تحصّن الباحث من أن يتيه في دروب ملتوية من التفكير النظري، ولا يستطيع تحقيق النتائج العلمية المرجوة في زمن قياسي؛ وهو ما عبّر عنه الفيلسوف الفرنسي ديكارت R.Descartes (1595/ 1626م) حين الحديث عن أهمية المنهج بقوله: (لئن تترك البحث خير لك من أن تلجه من غير منهج)(5).‏

وتعلمنا المسلمات المشاهدة أنّ المعادن النادرة توجد دائماً مختلطة بالتراب، وهي في حاجة إلى أدوات ووسائل لاستخراجها، وكذا المعاني الراقية في النصّ تحوجك دائماً إلى مفاتيح وآليات متنوعة كي تصل إليها؛ لأن الغموض من سلطة النظم في النصّ؛ والإبداع الحقيقي لا يبوح إلا بقدر الجهد المبذول ونجاعة الآليات، يقول الجرجاني: (إن المعنى إذا أتاك ممثلاً فهو ينجلي لك بعد إن يحوجك إلى طلبه، بالفكرة وتحريك الخاطر والهمّة في طلبه، وما كان منه ألطف، كان امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، واحتجاجه أشدّ. ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى والميزة أولى.. فإنك تعلم على كلّ حال أن هذا الضرب من المعاني كالجوهرة في الصدف لا يبرز لك إلا بعد أن تشقه عنه، وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه، ثم ما كل فكر يهتدي إلى وجه الكشف عما اشتمل عليه، ولا كل خاطر يؤذن له في الوصول إليه، فما أحد يفلح في شق الصّدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة)(6). وسرّ الغموض في الإبداع الأدبي ليس مقصوداً لذاته بل لغاية إبراز المعاني الراقية والأفكار العالية التي لا تنقاد بالألفاظ الساذجة والتراكيب المباشرة؛ فيلجأ الناصّ في تجسيدها إلى أدوات بيانية من مجاز وتشبيه واستعارة، وتنويعات تركيبية وأسلوبية متعدّدة.‏

وتبعاً لذلك، فإنّ المنهج رؤيا تتوخى الوصول إلى أسرار النصّ ومقاصده، وأداة بحث منهجية تقرّب تحقيق هذه الغاية؛ فكما أنه يمكنك تعقيم الماء بطرائق مختلفة كالتقطير والترشيح والصدمات الكهربائية أو إضافة بعض الأحماض، فكذلك مناهج قراءة النصّ قد تكون تذوقية أو تاريخية أو نفسية أو بنيوية أو سيميائية أو تداولية، وكلها توصل إلى نتائج؛ غير أنّ النتائج المتوصّل إليها تختلف باختلاف المادة والمنهج المتّبع؛ لأن المنهج في جوهره ليس أداة فحسب، بل فكرة تحمل رؤية جزئية أو كلية إلى الكون بهدف تفسير ما يحتويه من موجودات وظواهر والوقوف على العلاقات التي تربط بينها، وتحيل على القضايا المطروحة بطريقة تستند إلى نظريات وأدوات تسهّل الوصول إلى مقاصد المبدع والإبداع، من منظور أن الناصّ مدّع والنصّ أطروحة تحتاج إلى تحقيق.‏

ولا شكّ في أنّ النصّ؛ أيّ نصّ يحمل حقيقة قد تطابق الموضوع وقد لا تطابقه، وتبعاً لذلك يظلّ التحليل مفتاحاً للتفسير والتأويل ما دامت اللغة لا تبوح عن جميع أسماء مسمياتها، وتظلّ محتفظة بحقيقة أخرى خفية وعلى الناقد أن يكتشفها بأكبر عدد من الوسائل والنظريات.‏

وإذا تجاوزنا قضية المنهج بوصفه أداة عملية، ولجنا في قضية الأدب بوصفه موضوعاً للدراسة، وأنّ المادة المحسوسة هي (النصّ) في حمولته الفكرية والثقافية التي تتقاطع مع شتى العلوم، ممّا يوجب تقاطع المناهج تبعاً لذلك حتى يظلّ الأدب أدباً؛ أي أنّ الهدف ليس الأدب أو الشعر، وإنما أدبية الأدب أو شعرية الشعر؛ أو بمعنى آخر ما يجعل الأدب أدباً في خصائصه ووظائفه وقضاياه ورؤاه الآنية والمستقبلية.‏

ثانياً/ المناهج النقدية المعاصرة:‏

يعود انبثاق المناهج النقدية الحديثة في أوربا إلى تراث ثرّ من التراكمات الثقافية والتيارات الفكرية المختلفة التي عمل على إثرائها تقاطع العديد من المعارف والآداب العالمية لحضارات وشعوب متباينة، وما انبثق عنها من فلسفات مثالية وإسلامية ووجودية ومادية وذرائعية؛ وبقدر ما انتعشت تلك المناهج في الغرب، كان لها أثرها وتفاعلها في الدراسات النقدية العربية اتباعاً مرة ومثاقفة في طور آخر. وقد برزت هذه المناهج في عدد من الاتجاهات يمكننا حصرها في مسارين:‏

أ ـ مسار المناهج السياقية، وعمادها الإسقاطات السياقية والأحكام التذوقية والملابسات الخارجية في تحديد مقاصد النصّ ودلالته، وفيها يستعين الناقد في قراءاته للنصوص بالملابسات الاجتماعية والثقافية والنفسية ونحوها. ونلمس ضمن هذا المسار زمرة من المناهج لعلّ من أهمّها:‏

ـ المنهج الاجتماعي أو ما عرف بالواقعية الاشتراكية والنقد الثقافي(7) الذي تولد عن المادية التاريخية مع كارل ماركس من منظور علاقات الإنتاج الاقتصادي والطبقات الثقافية في المجتمع؛ حيث يعدّ الأدب نتاجاً للواقع الاجتماعي، ومن أعلامه بيير زيما ولوي ألتسير وجورج لوكاتش وغيرهم، كما وجد اهتماماً من لدن النقاد العرب(8) خلال الخمسينات والستينيات لارتباطه بحركات التحرر والتوجّه الاشتراكي في العالم العربي.‏

ـ المنهج النفسي، ويعتمد على إسقاط مقاصد النصّ المقروء على الحالات النفسية التي ترافق الشخص في نموّه وما يلازمه من كبت وعقد نفسية تترسّب في اللاوعي نتيجة الحظر الاجتماعي. وقد برز منهج التحليل النفسي من فلسفة اللاوعي مع فرويد وجون لاكان وغيرهما.‏

ـ المنهج الظاهراتي، وقد انبثق هذا المنهج من الوجودية مع جان بول ساتر (J. P. Sartr)، ثم تبلور في فلسفة إدموند هوسرل (1859/1938م) وانتهى إلى مبدأ القطيعة المعارفية مع غاستون باشلار، ثم إلى السيميائية الصوفية مع جوليا كريستيفا. ويرى هذا المنهج أنّ المعرفة أو مقاصد النصّ لا تأتي بمحاولة تحليل النصّ، وإنما بتحليل الذات وهي تتعرف على العالم في حال تقمّصها لعملية الإبداع، فيقوم النقاد بتحليل الوعي البشري الذي استبطن الأشياء فتحوّلت إلى ظواهر قابلة للدراسة.‏

ب ـ مسار المناهج النسقية، وفيها يعتمد الناقد على بنية النصّ ونسقه مبعداً كلّ الملابسات الخارجية. وقد بدأ هذا المسار بظهور اللسانيات البنيوية مع فردينان دي سوسير (F. De. Saussure) (1857/1913م)؛ في ظلّ فلسفة الجشتلت ونظرية النظم وقانون انشطار الذرّة؛ ولذلك اعتبر رومان ياكوبسن رائد مدرسة براغ الوظيفية انشطار الصّيتة (الفونام) إلى سمات وصفات في اللغة معادلاً لانشطار الذرّة في الفيزياء.‏

وتعدّ البنيوية نموذجاً معرفياً واسعاً امتدّ تأثيره إلى كثير من العلوم الإنسانية، وأصبح منطلقاً للأفكار التي قامت عليها المدارس اللغوية العربية خلال القرن العشرين، كما باتت اللسانيات البنيوية منبعاً لأكثر المناهج النقدية المعاصرة التي تمثلها عدد من النقاد؛ فظهر المنهج البنيوي على اختلاف توجهاته الشكلانية والتكوينية، وما بعد البنيوي بنظرياته المتباينة، انطلاقاً من رولان بارت في كتابه درجة الصفر للكتابة؛ حيث يعدّ نقداً للوجودية، وفي أعمال كلود ليفي ستراوس، كما أفادت منه السيميائية مع بيرس وغريماس ثم التفكيكية والنصّانية والتداولية من زوايا مختلفة.‏

ويلاحظ أن بعض هذه المناهج قد ولى وانحسر نسبياً مثل النقد الثقافي الاجتماعي الذي عرف بالبنيوية التكوينية أو الواقعية الاشتراكية، والظاهراتية ونظرية التحليل النفسي، في حين ظلّ المنهج البنيوي قائماً في شكل بنيويات مستحدثة، ـ وإن حكم بعض الدارسين والنقاد بانتهاء النقد البنيوي ونفوقه ـ باسم ما بعد البنيوية أو الحداثة كما في التفكيكية والنصانية ونظرية التلقي والتداولية.‏

ولعلّ من أهمّ المناهج النقدية المعاصرة التي نعتقد أنه كان لها أثر واضح في تحليل الأعمال الأدبية؛ ونودّ أن نستعرض جانباً منها في هذه الورقة البحثية هي:‏

البنيوية والسيميائية والموضوعاتية وما ظهر ضمن توجّهات ما بعد البنيوية مثل التفكيكية أو التقويضية ونظرية التلقي ونظرية النصّ والنظرية التداولية، بالإضافة إلى مقترح مشروع منهج في القراءة النصانية وقد أطلقنا عليه مصطلح المنهج اللسانياتي النظمي.‏

1 ـ المنهج البنيوي (Sructural): تعني البنيوية في معناه الواسع تشكل الظواهر الكونية والموجودات المختلفة في بنية من الأجزاء والعناصر المترابطة بحكم نظام متكامل من العلاقات لأداء وظائفها الدلالية؛ ويشمل هذا التحديد دراسة كل الظواهر الإنسانية من وجهة معرفية كاللغة والإنسان والمجتمع والأجهزة وغيرها؛ واللسان أحد هذه الظواهر التي تخضع لنظام مخصوص. وتتكوّن مادة اللسان من جميع أشكال التعبير، وتظهر في بنية متكاملة، وعلى اللسانياتي أن بعمل على اكتشاف جزئيات وعناصر هذه البنية وحصرها وتتبّع العلاقات التي تربط بينها دلالياً، واستشفاف وظائفها وأسرارها(9)؛ من وجهة معارفية شمولية.‏

ويعرّف دي سوسير اللغة ـ من حيث هي بنية مترابطة الأجزاء ـ بأنها (نظام من الرموز التي ترتبط العناصر المشكلة له ببعضها على أساس الاتحاد والاختلاف)(10)، ويقوم هذا التحديد على أن هناك نظاماً (Systeme) تحكم بنيته (Structure) مجموعة من العلاقات الوظيفية التي تجمع بين الوحدات اللغوية الدالة من أصغر وحدة إلى أكبر وحدة؛ وهي أجزاء منتظمة مثل البناء أو وحدات الشطرنج، فلا تحتلّ صيتة (Phoneme) أو كلمة موقعاً إلا بسبب من الأخرى(11). وينطلق سوسير من العلامة بوصفها الوحدة الدالة في أي نظام من أنظمة التواصل اللغوية والسيميائية، وتتشكل هذه العلامة من صورة سمعية بصرية (النطق أو الكتابة)، وهي الدّال، ومفهوم وهو ما تدل عليه في الواقع الوجودي؛ أي مدلول. وترتبط العلامات فيما بينها بعلاقات وظيفية تشكل في مجموعها وحدة بنيوية ذات عناصر يكمّل أحدها الآخر، ولا يمكن أن تتحقق وظيفتها التواصلية خارج النظام الذي يحكمها. وتتجسد في مستويات: صوتية ومفرداتية وتركيبة وتداولية ودلالية.‏

وقد تبلورت البنيوية في منهج نقدي بعد الستينات من القرن العشرين، حين تراجعت كثير من المناهج النقدية السياقية كالظاهراتية والتاريخية والنفسية؛ فاخترقت البنيوية الساحة الأدبية مع رومان ياكوبسون (R. Jacobson) وإميل بنفست (E Benveniste) اعتماداً على أعمال فردينان دي سوسير. وكان لمقالات كلود ليف ستراوس (C. Levi - Strauss) الأثر الكبير في إبراز هذا التوجه(12).‏

يوجز بنفنست المنهج البنيوي في قوله: (إن اللسان يشكل نسقاً تتحدّ أجزاؤه ضمن علاقة من التضامّ والارتباط، ويقوم بتنظيم وحدات هي عبارة عن علامات متمفصلة تختلف عن بعضها وتحدد بعضها بالتناوب.. ويعلمنا المنهج البنيوي بأنّ النسق يسيطر على نظام العلامات، ويهدف إلى استخلاص البنية من خلال العلاقات القائمة بين العناصر)(13). ويركز التحليل البنيوي في النقد الأدبي على النص والنص وحده واستبعاد كل العناصر الفنية الأخرى كالناصّ والمتلقي والمرجعيات التي تشمل السياقات والملابسات التناصية.‏

وتقوم البنيوية في النقد الأدبي على جملة من المبادئ يأتي في مقدّمتها: اعتبار النص وحدة مستقلة بذاتها مكتفية بنفسها. وإغفال سياق النص والناص معاً وهو ما عرف لاحقاً بموت الكاتب؛ فهي تتعامل مع النص بوصفه مادّة مستقلة معزولة عن سياقها وعن الذات القارئة. كما تأخذ بمبدأ تقسيم النص إلى بنيات انطلاقاً من الصيتة (Phoneme) فالمفردة، وصولاً إلى الجملة بوصفها الوحدة الأساس للتحليل لدى البنيويين، ومحاولة قراءة النصّ في ضوء العلاقات التي تربط بين عناصر الجمل. ويعدّ تيار الشكلانيين الروس في ظل مدرسة براغ الوظيفية أول تطبيق علمي للتحليل البنيوي وبخاصة مع الناقد فلادمير بروب الذي سعى إلى تحليل وظائف القصة تحت مصطلح (مورفولوجيا الخرافة) بقوانين علمية تبعد الملابسات التاريخية والنفسية عن النصّ. وقد تعمّق هذا التوجه مع كل من ليفي ستراوس وغريماس.‏

وعلى الرغم من أن بعض النقاد ذهب إلى أن البنيوية قد انتهت إلا أن الواقع غير ذلك؛ فأكثر الأعمال المنتمية إلى ما بعد البنيوية لم تتمكن من الاستغناء عن مفاتيح التحليل البنيوي كما يتضح ذلك من أعمال رولان بارت في كتابه: س/ز (S/Z) حين نعتها باللاعلمية؛ وفي أعمال جاك دريدا الذي وصمها بالتجريد مكرّساً مبدأ الاختلاف. ولعلّ أكبر قصور اتسمت به البينوية هو انحسارها في نسق النص وإهمال السياق، وإبعاد المؤلف، والاكتفاء بالمنجز، واتخاذ الجملة وحدة للتحليل.‏

مناهج ما بعد البنيوية: يأتي مصطلح "ما بعد البنيوية" للدلالة على المناهج التي حاولت أن تتجاوز البنيوية، ثمّ أخذت في الظهور معتمدة بعض مبادئ البنيوية قبل انحسارها وانشطارها إلى عدد من المناهج.‏

وتمثل جلّ الأعمال التي ظهرت في حيز اللسانيات النصية، مرحلة ما بعد البنيوية للمدرسة الباريسية قبل أن تتميز بمنهج مستقل؛ حيث امتزجت فيها البنيوية بالمعطيات السيميائية والأبعاد التقويضية والتداولية. ومن بين الأسماء التي تبنت اللسانيات النصية، نجد الناقد رولان بارت (R. Barthes) صاحب كتاب مبادئ السيميولوجيا 1964م، وكتاب (س/ز/ S.Z) الصادر سنة 1970م. وقد عد ّبارت السيميائية فرعاً من اللسانيات على خلاف دي سوسير؛ لأن الوسيلة الأساسية في التعامل مع العلامة السيميائية ذاتها هي اللغة. كما حد النص بوصفه جملة طويلة فقال (إن سرداً معيناً هو جملة طويلة، كما أن كل جملة إثبات تكاد تكون بمثابة الخط العريض لسرد قصير)(14)، وميّز بين النص الكلاسيكي وعدّه نصّاً قروءاً، والنص الحداثي وعدّه نصاً كتوباً؛ أي قابلاً للكتابة، من منظور تداخل المعارف وتشابكها في النصّ الحديث. كما قدّم دراسة تطبيقية في كتابه الأخير لقصة (سارازين) للكاتب الفرنسي بلزاك، مستخدماً بعض الأدوات الإجرائية، متوسلاً في تحليله خمس شيفرات هي: الأفعال التي تحرّك الحدث، ويرمز لها بالاختصار (ACT)، والتأويلية (HER) والرمزية (SYM)، والتضمينية (SEM)، والمرجعية (REF)، ويقسم النصّ إلى خمس مئة وإحدى وستين وحدة قرائية، ويخضعها لاستنباط الشيفرات الخمس السابقة ليصل التحليل إلى (561×5) من الوحدات التي يطلق عليها مصطلح (Lexias)، ويخلص إلى أن النتائج المتوصل إليها هي التي تحدّد المعنى الكلي للنصّ ويمكن في ضوئها إعادة بناء النصّ أو القصة المحللة(15). ويبدو أن هذا التصنيف الذي وضعه بارت لتحليل النص لا يستند إلى أية معطيات لسانية معروفة لدى القارئ، بما في ذلك نظريات التحليل الدلالي ونظريات القراءة. ومهما يكن، فإن ما قام به بارت في تحليل نصّ قصّة بلزاك يظل محاولة ضمن المقاربات التي تسعى في سبيل الاقتراب من اللسانيات النصية.‏

ومن بين الأعمال الأخرى التي حاولت التنظير للسانيات النصيّة في هذه المدرسة، نجد اللغوي الفرنسي ميشال آدام (M. Adam)، الذي قدّم في كتابه مبادئ اللسانيات النصية‏

(Elements de linguistiqe Textuelle)؛ جملة من الفرضيات تقوم على أساس الممارسات الفعلية للخطاب في ظل التوجّه التداولي لتحليل النص(16)؛ تستند إلى الطبيعة النصية التي تتميز بالاتساق والانسجام والترابط، بفعل العلاقات التركيبية النحوية والدلالية السيميائية.‏

2 ـ المنهج السيميائي (Semiologie): ويعني دراسة حياة العلامات اللغوية وغير اللغوية في النصّ دراسة منتظمة، وينطلق من التركيز على العلاقة بين الدّال والمدلول، وهو من هذه الوجهة لا يكاد يختلف عن المنهج البنيوي سوى في أنه يهتمّ بالإشارات غير اللغوية التي تحيل على ما هو خارج النصّ بما في ذلك الدال والمدلول والمرجع. ومن هنا فالسيميائية تولي أهمية لدراسة الرموز والإشارات وأنظمتها حتى ما كان منها خارج اللغة التي تشكل الحيّز الداخلي للخطاب، أو بمعنى آخر فإن التحليل السيميائي ينطلق من حيث ينتهي التحليل اللسانياتي؛ ولذلك عدّوا السيمياء جزءاً من اللسانيات على خلاف دي سوسير 1957 ـ 1913م (De Saussure)، فوجدت الدراسة مصداقيتها في النقد الأدبي ابتداء من مقولة رولان بارت (R/Barthes- 1915/1980): (يجب منذ الآن قلب الأطروحة السوسيرية؛ لأنّ اللسانيات ليست جزءاً من علم العلامات، بل السيميائية هي التي تشكل فرعاً من اللسانيات)(17)؛ وبذلك جعلوا التحليل البنيوي منطلقاً للتحليل السيميائي.‏

ولم يظهر الاتجاه السيميائي بوصفه منهجاً نقدياً إلا مع الستينات من القرن العشرين؛ وذلك بعدما أخذت البنيوية في الانحسار نتيجة انغلاقها على النصّ، وإلغائها لكل الملابسات والسياقات المتصلة بفضائه الخارجي. وقد ساعد على بروزه عدّة عوامل كان أهمّها ظهور جماعة "كما هو" (Tel.. quel) التي تأسست في باريس سنة 1960م على يد الباحث فليب سولرز (F/Sollers)، وتمثلت في منطلقها الاتجاه الماركسي ثمّ انتهت إلى التصوف والتفكير الديني. كما تبلورت مع ظهور "الجمعية الأدبية للسيمياء" سنة 1969م، حين أصدرت مجلتها الدورية "سيمياء" بباريس، واستقطبت نخبة من الباحثين أمثال جوليا كريستيفا (J/Kristeva) من فرنسا، وأمبرتو إيكو (Umberto Eco) من إيطاليا، ويوري ليتمان (Y. Lotman) من روسيا، وسيبوك (sybock) من أمريكا وغيرهم.‏

ومن الجدير بالذكر أن استثمار التوجه السيميائي في تفسير مكونات النصّ ليس بجديد؛ إذ تنبّه قدماء اليونان والعرب إلى أهمية الإشارة غير اللغوية في أنظمة التواصل وعدوا الإشارة ذات وظيفة أساسية في قراءة النصّ وتأويل دلالاته المسكوت عنها بل عدوها ثاني أنواع البيان من حيث تلقي المعاني الخفية وشريكاً للفظ. يقول الجاحظ (والإشارة واللفظ شريكان ونعم العون هي له والترجمان هي عنه، وأكثر ما تنوب عن اللفظ وتغني عن الخط)(18). كما اعتنى بها في بداية القرن الثامن عشر الفيلسوف جون ليك (J. Lacke- 1932 - 1704)، إلا أنهما لم يخصّا هذا التوجّه بالبحث اللسانياتي على خلاف دي سوسير ومن تبعه من الدارسين.‏

وقد وجدت السيميائية من الوجهة التطبيقية في الممارسات النقدية عدّة اتجاهات(19): ذهب بعضها إلى أنّ دراسة الأنظمة الدالة تكون من خلال الظواهر الاجتماعية والثقافية الملابسة للنصّ، فحبّذ هذا الاتجاه أكثر الدارسين مثل رولان بارت وبيير جيرو وغريماس وكورتيس ومحمد عزام ورشيد بن مالك وعبد الكبير الخطيبي وغيرهم. وقد ركز هؤلاء في أعمالهم النقدية على تطبيق مفاهيم اللسانيات في شكلها البنيوي ووجهتها الدلالية الموصولة بالحياة الاجتماعية للأفراد والجماعات؛ حيث يرى بارت أن النص الأدبي ليس نتاجاً بل هو إشارة إلى شيء يقع وراءه، لتصبح مهمّة الناقد هي تفسير هذه الإشارة وتأويلها(20)؛ ومن الأمثلة التي يسوقها بارت، صورة الجندي الزنجي الذي يحيي العلم الفرنسي، ويقدّم للصورة قراءتين: القراءة الأولى هي جندي فرنسي يؤدّي تحية علم بلده، والثانية؛ فرنسا إمبراطورية عظيمة يخدمها أبناؤها بغض النظر عن الجنس واللون ويقدّمون لها الولاء من أجل رفعتها، والقراءة الثالثة؛ إنها دولة استعمارية توسعية تبني مجدها على اضطهاد الأقليات. فالدال (الجندي الزنجي يحيي العلم الفرنسي) والمدلول (الانتماء العسكري الفرنسي)، والدلالة (الجندي الفرنسي)(21).‏

وهذه الإشارات كلها تحيل إلى علاقات بين الشخوص المشكلة لفاعلية النص والفاعل والموضوع من جهة وبين المساعد والمعارض من جهة أخرى، ولذلك وجدنا غريماس(22) يذهب في تحديد أقطاب الصراع في ضوء مخطط سباعيّ الأقطاب لتجسيد عناصر فاعلية الخطاب.‏



كما سعى إلى تفسير الدرامي في النصّ عن طريق المربّع السيميائي في ظل الثنائيات الضدية للطباق والمقابلة:‏



وذهب فريق آخر إلى أنها دراسة لأنظمة الاتصال عامة اللغوية وغير اللغوية، ومن رواد هذا الاتجاه جورج مونان (G. mounin) الذي يرى أن بارت حينما عمل على دراسة أنظمة اللباس والغذاء فإنه نظر إليها بوصفها أنظمة دالة مقدّراً أن مشكلة الرسالة بين المرسل والمتلقي قد حلت في حين أن المشكلة بالذات هي التي كان سوسير قد أثارها. وبذلك يكون بارت قد أغفل المشكلة الأساسية المرتبطة بانطلاقه من الدلالة الاجتماعية(23)، ويعنى بذلك أن الإشارة هي الأصل الذي يجب أن تفسرالظاهرة في ظله قبل اللفظ.‏

وأما الاتجاه الثالث فحاول أن يوفق بين الاتجاهين السابقين؛ أي بين الرمز اللغوي والرمز غير اللغوي بوصفهما عنصرين يتكاملان مع اللسانيات، على أساس أنّ دلالة الاتصال قائمة على نظرية إنتاج العلامة، والعلامة لا يمكن فصلها عن نظرية الشفرات (Code) التي هي أساس الدلالة. ومن أنصار هذا الاتجاه جوليا كريستفا (J. Kristeva) وأمبرتو إيكو (U. Eco) ومحمد مفتاح وغيرهم. تقول جوليا كريسستيفا (إنّ النص ليس نظاماً لغوياً كما يزعم البنيويون، أو كما يرغب الشكليون الروس، وإنما هو عدسة مقعّرة لمعان ودلالات متغايرة ومتباينة ومعقدة في إطار أنظمة اجتماعية ودينية وسياسية سائدة)(24). ويفهم من النصّ أن مرجعية هذا الاتجاه لا نهائية: لسانية، فلسفية، اجتماعية، دينية، نفسية.. ترتبط بمحيط الفكر المعاصر. وعلى الرغم من اعتبارها للنصّ كياناً مغلقاً نجدها تتصل بنظرية التلقي حين يصبح المرسل أو المتلقي ضمن شخوص فاعلية الحدث. ومع ذلك لم تتمكن السيميائية من تشكيل منهج متسق ومتكامل نظراً لاعتمادها بالدرجة الأولى على المعطيات الإجرائية للبنيوية، بالإضافة إلى تشعّب آراء منظّريها.‏

3 ـ المنهج الموضوعاتي (Thematique): يقوم هذا المنهج في مجال النقد الأدبي على أسس بنيوية من وجهة إحصائية تترصد حقول الموضوعات الطاغية في نصّ أو لدى كاتب ما، ولا يكاد يختلف هذا التوجّه عن التحليل البنيوي سوى في أنه يركز على تحديد الموضوع أو عدد الموضوعات التي يعالجها الكاتب في نص ما.‏

والموضوع (Theme) بوصفه الفكرة النواة أو المعنى الطاغي في نصّ أو عدد من النصوص هو الهدف الذي يسعى الناقد الموضوعاتي إلى تحديده وإبرازه. ويمثل الموضوع أحد العناصر الفنية للنص، وتعدّ نظرية الحقول الدلالية من أهمّ المبادئ التي يستند إليها في حصر المفردات المطردة وتصنيفها إلى موضوعات طاغية تحدّد مقصدية النص(25). وقد يكون الموضوع هو الفكرة العامة للنصّ أو الحقل الدلالي، أو كما ويرى عبد الكريم حسن أنّ (العائلة اللغوية هي حدّ الموضوع)(26) من وجهة معجمية.‏

ومن أبرز الدارسين الذين تبنوا هذا المنهج في مجال النقد الأدبي جون بول ويبر(J P Weber)، وجون بيار رشارد (J. P. Richard) من فرنسا وعبد الكريم حسن من الوطن العربي.‏

وقد حاول أنصار هذا التوجه جعله منهجاً مستقلاً بذاته إلا أنهم لم يتمكنوا من تقديم نظرية متكاملة سواء على مستوى التأسيس النظري أم على مستوى الإجراء التطبيقي. وأعتقد أن ذلك يرجع إلى قضية التصنيف الموضوعاتي لا تعدو أن تكون عملية إحصائية لعنصر واحد من عناصر النصّ الفنية المتعدّدة. ومن هنا ظل هذا التوجه جزءاً أو مستوى من مستويات التحليل البنيوي أو النصاني لا يتجاوز الشكل التصنيفي لنظرية الحقول الدلالية.‏

4 ـ نظرية النص (Textuel): يعدّ ظهور المنهج النصّاني أو (منهج نظرية النص (Textuel)) مع أوائل السبعينات من القرن العشرين في الدراسات النقدية الأوروبية، من أكبر المحفزات الداعية إلى إعادة النظر في معطيات المدارس اللسانية الغربية المختلفة التي وقفت بالنصّ عند عتبة الجملة، وعجزت عن الربط بين أبعاد الظاهرة اللغوية؛ سواء في ذلك التوجهات البنيوية نتيجة اتخاذها البنية التركيبية للجملة المنجزة وحدة أساسية للتحليل الدلالي، مبعدة بذلك كلاً من القدرة الإنتاجية للغة، وسياق النص وملابساته والظواهر الكلامية ومقاماتها، أم بالنسبة إلى التوجهات التوليدية التحويلية التي اتخذت الجملة المولدة ميكانيكياً وحدة أساسية للتحليل؛ وأبعدت السياق التداولي واكتفت بالمتكلم المثالي والبنية العميقة، وهما عنصران متحوّلان لا وجود لهما سوى في حدس الدارسين. وكان هذا القصور كافياً لتنتقل اللسانيات الحديثة من النسق إلى السياق، ومن البنية المنجزة إلى التداول والاستعمال، ومن الجملة إلى النص(27).‏

ويقصد بالنصانية (Textologie) أو علم النص: اتخاذ النص وسياقاته التداولية وحدة أساسية للدراسة بصورة مشتركة بين عدة مناهج ونظريات إجرائية. ومن المحاولات الأولى التي سعت إلى وضع نظرية لسانياتية لقراءة النصّ الباحث فان ديك (Van. dik) الذي استبدل البنية العميقة بمصطلح البنية الكبرى خلال سنوات 1972 ـ 1977م ابتداء من دراسته المركزة (النص بناه ووظائفه مقدمة أولية لعلم النص)(28). ثم ظهرت أعمال اللغوي الألماني روك هانس (Rucks. H) الذي أشار إلى أن النصانية تختلف عن كلّ من البنيوية والتوليدية في أنها تجعل النص وحدة دراسية بدل الجملة؛ يقول: (أخذت اللسانيات النصية بصفتها العلم الذي يهتم ببنية النصوص اللغوية وكيفية جريانها في الاستعمال شيئاً فشيئاً مكانة هامة في النقاش العلمي للسنوات الأخيرة، لا يمكن اليوم أن نعدّها مكملاً ضرورياً للأوصاف اللغوية التي اعتادت أن تقف عند الجملة معتبرة إياها أكبر وحدة دراسية بدل الجملة؛ يقول:‏

أخذت اللسانيات النصية بصفتها العلم الذي يهتم ببنية النصوص اللغوية وكيفية جريانها في الاستعمال شيئاً فشيئاً مكانة هامة في النقاش العلمي للسنوات الأخيرة، لا يمكن اليوم أن نعدّها مكملاً ضرورياً للأوصاف اللغوية التي اعتادت أن تقف عند الجملة معتبرة إياها أكبر وحدة للتحليل، بل تحاول اللسانيات النصية أن تعيد تأسيس الدراسة اللسانية على قاعدة أخرى هي النص ليس غير)(29). كما قدّم اللغوي الفرنسي جان ميشال آدام (Adam) جملة من المبادئ(30)، أوضح فيها أسس التحليل في اللسانيات النصية. وذهب بعض الدارسين العرب مثل صلاح فضل إلى ربط النصانية بالدراسات البلاغية القديمة(31).‏

(1) انظر: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص 69، 68 وما بعدهما.‏

(2) المرجع السابق، ص 18.‏

(3) الغربال، ص 18.‏

(4) توفيق الحكيم مفكراً وفناناً، ص 9.‏

(5) مناهج البحث الأدبي، ص 20.‏

(6) أسرار البلاغة، ص 110.‏

(7) المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، ص 38.‏

(8) انظر: دراسات في ضوء المنهج الواقعي، ص 61 وما بعدها.‏

(9) دروس في الألسنية العامة، دي سوسير، ت/ صالح القرمادي، ص 24. وانظر: بؤس البنيوية، ص 43 وما بعدها.‏

(10) Cours de Linguistique generale. Op. cit p 24

(11) انظر/ دلائل ص 40، وأسرار ص 200 ودلائل ص 50.‏

(12) النقد الأدبي في القرن العشرين، جان إيف تادييه، ت/ قاسم المقداد، ص 267.‏

(13) النقد الأدبي في القرن العشرين، ص 268.‏

(14) بؤس البنيوية، ص 223.‏

(15) S.Z.Bxthes R.P

(16) Elements de linguistiqe Textuelle. P45

(17) Qusstion de poetique

(18) البيان والتبيين، ج1/ص 78.‏

(19) انظر: المنهج السيميائي وتحليل البنية العميقة للنص، ص 45 وما بعدها.‏

(20) انظر: النقد والدلالة نحو تحليل سيميائي للأدب، ص 2.‏

(21) انظر/ دليل الناقد الأدبي، ص 183. من أمثلة ذلك محاولة تحليل الرموز الوطنية وألوان أعلام الدول.‏

(22) انظر: النقد الأدبي في القرن العشرين، ص 312.‏

(23) مقدمة للسيمولوجيا، ص 196.‏

(24) حوار مع جوليا كريستيفا، مجلة الفكر العربي، ع 18/ص 122.‏

(25) انظر: Dictionnaire de linguistiqu. P 1003

(26) المنهج الموضوعاتي، ص 185.‏

(27) انظر في هذا: La pargmatique linguistique. P 10- 12

(28) انظر: النص بناه ووظائفه، مقدمة أولية لعلم النص.‏

(29) Linguistique Textuelle et enseignment du francais. P18

(30) انظر كتابه: Elements de linguistique Textuelle.‏

(31) بلاغة الخطاب وعلم النص. ص 319.‏

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26-07-2009, 01:33 AM   #37
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

الحفريات اللغوية السريانية في شمال الأردن

المؤلف : جهاد علي محمود علاونه


الحفريات اللغوية السريانية في شمال الأردن

جهاد علاونه



هذه الحفريات اللغوية لا تعني أن بعض الكلمات العربية الكح ليست سريانية هنالك كلمات مشتركة سامية مشتركة وهنالك غير ذلك , والحفريات اللغوية في شمال الأردن تدل على عمق تاريخي كبير في منطقتنا وبعداً إستراتيجياً لغوياً كبيرا .
أم من سرق من؟ أو من سطى على من ؟
, فهذا من باب تداخل الحضارات والثقافات , حتى أن كلمة بلط , لربما إشتق منها في الإنكليزية الباليت بمعنى الطبلية والبلاط الأرضي.

إن الحضارات تتشابك وتتداخل وليس من المعقول أن يصل العرب هكذا فجئة إلى قواعد نحوية يكتب بها عنترة العبسي معلقته!!!!!! وإمرأ القيس وبنفس الوقت لا يملكون أدواة الكتابة والخط إلا النادر واليسير , من المحتمل أن العرب أخذوا لغتهم ودينهم عن غيرهم وهذا ما زال قيد البحث .

وغير ذلك وهم لا يقرأون ولا يكتبون ومع ذلك يكتبونها بدقة لغوية , إن هذا يعني أننا جميعنا شاركنا في الإنتاج الحضاري والفكري واللغوي وليس من المعقول أن تكون العربية أقدس اللغات بل هي آخر السلالات اللغوية السامية أو الآرامية .
لقد تطورت العربية أخيراً عن النبطية والأنباط وأصبحت حروفها أكثر إستقامة .

bahar.بحر.


bhas.بخش.

bhan.بخن.


etbarat.إتبرطع.

bat.إنبجد.

buap.بفه.

blas.بلشه


blat:بلط, بلطه .

gam: جَمّ: جمت شعرها قصته..

hazap: حزق وتقال حرق بالراء بدل حرف الزين, أي غضب.

hannen.حنن , وتقال للخشب حنن.



خايس, وتقال يا خايسه , في حالة الحيرة والتحبب والتودد للمنادى به سواء أكان ذكراً أم أنثى .


هتيجه: وتلفظ بالجاء المرخمة , وتعني أهبل أو بليد . أو عبيط , وكذلك تعني كلمة بليد .

طعج: أي أثنى , وأحنى , ويقال طعجتُ قضيب الحديد بمعنى أثنيته .

جعط: أي أخرج صوتاً كبيراً بعد حبس أنفاسه في صدره , والصوت بدون كلمات , وتقال في حالة التمخيط وإخراج اللعاب .

إخنان ,: أو إخنانه , تعني أيضاً اللعاب .

طرقع : بمعنى شرب الماء دفعة واحدة .

عقطته : في حالة أن تكون ضربته برجلك من الخلف , وتستعمل للحمار والحيوانات التي تعقط من الخلف.

فشر : تعبيراً عن الخيبة , ومنها كلمة فشار , بتشديد الشين وإستعمالها كصيغة مبالغة .

عجقه : أي أزمه وكركبة وفوضى , يقال مثلاً : كانت الحفلة فيها ناس إكثير عجقه كبيره .

جلق : إذا فتح الباب على إتساعه فنقول جلق الباب أو الشباك, ومنها جلق ثمه , أي أعوجه إذا ما عجبه شيء .


جقم : وكمان هذه الكلمة جقم بمعنى أعوج , وجقم ثمه أو إحناكه , إذا ما عجبهوش شيء .

طبر: هو نفس الفأس .

فش: أو فش الطابه أو الفطبول إذا أخرج الهواء الذي بها , وفش كرشه : أي عاد بدون أو أصبح بدون كرش منتفخ.

معطوب : أي خربان ومتنهية مدته .

مرغ : أي تقلب على الأرض فنقول للطفل الذي يبكي ويتقلب على الأرض : مالك إبتمرغ بالأرض؟
لطم : ضرب وصفع على وجهه .

ملط : أي خرج من الشيء , ونقول : مش قادر أملط أي مش قادر أستمر .

مطجه : مكتله , وتقال للإنسان المظلوم : مطجه , وتقال للولد الذي دائماً ما يضربونه أولاد الحارة : مطجه .

بز: هو ثدي المرأة , وإبتز لا تعني نفس المعنى , وهي تستعمل عندنا في العامية .

عمّش: بتشديد العين صيغة مبالغة , وهي رديف كلمة عمّص : أي بطل يشوف .

بطّل : بالتشديد معناها توقف, ونقول بطلت أروح على السوق , يعني لا أريد الذهاب ,وعلى هذا الشيء قس .


عشبشوش: أعتقد أنها مركبة من كلمتين وهما : عث +بوش, والبوش كما قلنا الفارغ والنتهي والفاضي من غير فائدة , وعث هو الوسخ فنقول هذا : عث , وتستعمل هذه الكلمة لبيت العنكبوت الذي يعشش في زوايا المنزل فنقول له : عبش بوش, ومن الناس من يكتبها متصلة وهذا خاطىء لأن أصل الكلمة مركب من كلمتين .

رشوط: رشط , ورشوط على ثيابي أي سال الطعام أو الماء أو أي شيء على ثيابي , أو على الأرض.

خام : يعني مش كويس غير جيد , وفلان خام يعني أخلاقه سيئة .

خمع: سكت .

داخ : أي فتل دخت : أي نظري زاغ .

مح : إنتهى وتستعمل أحياناً شيئاً مجهولاً وأحياناً : للحلوى , فنقول للطفل تعال معي مح أو محه .

رطن : تكلم , وبرطن أي بتكلم .

لخه : خلطه , ولخمه العديم الفهم .

لعلع: بتكلم كثير بدون فائدة أو من غير ما يفهم الناس كلامه .

براطم : هي الشفايف , وبراطمه أي شفايفه وشفاهه.

بجق : للدلال تقال مثلاً بجقت الولد أي دللته أو دلعته , وبجق الباب أي فتح الباب على وسعه , وإستعملها الناس للإشارة لدلال الأطفال نظرأ لأن الطفل يلوي ويفتح فمه كثيراً أمام أبيه في حالة أن طلب الولد من أبيه وأهله شيئاً وهو بذلك يفتح فمه كما يبجق الباب ولهذا تقول الناس : هذا ولد مبجوق يعني مدلل .

شنص: حظ.
تاع , : أو تاعتي أي : لي : فنقول هذه تاعتي وهذا تاعي , ويستخدمها المصريون أكثر ..
بزّم: أي كشّر , وبزّم فمه أي : لواه غضباً وزعلاً .

برم : أي لف , وتقال برم فمه أي لفه .

سرمح : أي ذهب ساعياً : ونقول وين باقي تتسرمح أي وين كنتَ طوال النهار فإذا غاب الشخص .

مراقع فقس: اي بتمرقع

مصخره:

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26-07-2009, 01:36 AM   #38
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

لهجة القبائل العربية في المدن المصرية

المؤلف : جهاد علي محمود علاونه


لهجة القبائل العربية في المدن المصرية



حين دخل الإسلام إلى مصر , كان قادة المسلمين قد سكنوا المواقع الخصبة من السهول المصرية , وكان هؤلاء القادة من العرب الأقحاف , من قريش ومن طيء ومن القبائل اليمنية ومن مُضر ومن خثعم ومن تميم وغيرهما الكثير الكثير ...إلخ .

فهؤلاء الأقوام كانت أراضيهم غير خصبة وعبارة عن صحراء قاحلة وحين دخلوا مصر ورأوا ما رأوا من نعيم البلاد وسحر المكان قرروا أن يسكنوا في المواقع المصرية الخصبة مثل : بني سويف ..والدقهلية ..وبعض مدن الصعيد ..وسكنوا أيضاً بَحري في المدن البحرية وسكنوا قِبلي في المدن القبلية .

وما زالت اللهجة المصرية العامية شاهد عيان على توغل القبائل العربية في المدن المصرية وما زالت بعض المدن لهجتها شبيهة بتلك اللهجات العربية المتعددة .
فهذه اللهجات ليست مصرية أي أنها ليست فرعونية ولا قبطية , وإنما هي لهجات العرب الأقحاف الذين إستعمروا مصر وفتحوها عسكرياً وثقافياً , وقد تأثرت تلك الأقوام بتلك اللهجات ونطقوا بها واليوم يستطيع المصري أن يكتشف عرقه المغشوش غير المصري الكح , فالمصريون الذين يدعون أنهم أقحاف لربما أنهم ليسوا أقحاف والشاهد على ذلك لهجاتهم العامية والتي سأورد منها عدة أمثلة .

مسؤل .: مسعول.
إجعر: إجأر.
إسعل: إسأل.
عنت: أنت.
وهذه اللهجة ساريةالمفعول في الصحارى المصرية , وبدو الأردن المحاذين للعقبة سيناء من بدو الحويطات ومعان والكرك الأقحاف.
إمبارح: إمبارح.
أمهواء: الهواء.

إمعلم: المعلم.
وتعود هذه اللهجة أصلاً للقبائل (حُمير) وهذه اللهجة ما زالت عندنا وأنا كاتب هذه السطور أتحدثُ بها في شمال الأردن ووسطه , ما عدى بدو الجنوب الذين نادرأ ما يتكلمونها.

وكذلك تبدل الكاف شيناً في اليمن , فيقولون شذب بدل قولهم كذب :
وكذلك أهل شرويدة والزنكلون في محافظة الشرقية يقولون :
شذب: كذب.

شلب: كلب .
شيف؟: كيف؟
وهذه أيضاً مستخدمة في بلاد الشام وخصوصاً في سهول حوران والتي ينتمي إليها كاتب هذه السطور حيث يتحدث أهلي قاطبة هذه اللهجة مع زيادة أخرى وهي أن الشين إنقلبت مع مرور الزمن إلى حرف ج ويلفظ بالجيم المرخمة يعني كما يضعون تحت الجيم ثلاث نقاط وليس نقطة واحدة .

النات: الناس.
التلج: الثلج.
التعلب: الثعلب.
ومن المعروف أن السين والثاء متقاربتان وتجري عليهما عوامل الإبدال, وهذه لهجة يتحدثها معظم سكان مصر وهي بالأصل ليست قرشية بل يمنية كُح.

ومن المعروف علمياً أن المغلوب يقلد النتصر أو يحاول تقليده حتى بالأخطاء والعثرات , ولمّا كانت القبائل العرية منتصرة , أخذت القبائل المصرية بتقليدهم , وكلٌ حسب المنطقة التي سكنوا بها , حتى طغت بنهاية الأمر اللهجات العربية المتعددة على القبطية والفرعونية .

وكذلك أهل الدقهلية وديروط يقولون :
بكانك: مكانك.
التمن: اتبن .
وكذلك تأثر بهذه اللهجة أهل الغربية .

ومن المعروف أن قبيلة طيء هي القبيلة التي تبدل التاء هاء نخو قولهم :
البناه: البنات, وقرى شربين وبقاس وكفر الشيخ يقولون يابه: يابنت.

وقبيلة طيء يقلبون الألف المقصورة إلى ألف ممدودة بسبب إشباعهم للفتح الظاهر على آخر كل كلمة مثل:
رضى: رِضا.
وهذا النوع من الإعلال اللغوي شائع الإستعمال في الدقهلية .

وبعض المهتمين في اللغة العامية والنحو يخطؤون في قولهم من أن قريشاً يقولون :
فأساً و رأساً , بالهمزة وهذا إعتقاد خاطىء لأن قريش أصلاً لا يهمزون في اللغة إطلاقاً , ولكن من المحتمل أنهم تأثروا بعد ذلك بالقبائل العربية التي أرادوا أن يأسلموها فإنتسب الناس لدينهم وأخذوا هم من لغة الأقوام الأخرى , وهذه أصلاً من لهجة تميم , وقد عاب يوماً العرب ُ على آخر الشعراء العرب الذين يستشهد بشعرهم وهو قريشي فقيل له :
إن قريشاً لا تهمز , فقال تالله لآتين بقصيدة كلها همزة فقال :
إن سليمى والله يكلأها

قد ضنت بأمر ما كان يرزأها .
وقد سقتُ الشاهد هنا للتدليل على صحة كلامي .

أهل دمياط والمنصورة أو بعض أهل المنصورة حسب ستطلاعاتي من خلال المصريين الذين يقيمون في الأردن , نعم أغلب هؤلاء يضيفون حرف الشين لضمير المخاطب فيقولون :
ما شافكش.
ما سافرتش؟
ما طلعتش .
وهذه اللغة أو اللهجة أتحدث بها أنا كاتب هذه السطور فيقولون عندنا في شمال الأردن :
ما رحتش :
ما طلعتش :
ما جبتش.
ما شفتش:
ما عرفتش.
وأغلبها بعد ما النفي .
وهذه من لهجة مضر وربيعة .
طبعاً أمي زنساء الحارة وكذلك المصريات لم يتخرجن في الأزهر أو في أعتى الجامعا ولم يتعلمن لغة الإعلال حتى لديهن هذه القدرة على التحدث بلغعة مضر وربيعة , ولكن هذا شاهد على عمق الإستعمار البدوي أو قوة التداخل الثقافي , فنحن هنا لسنا بحاجة إلى أحافير إنثربولوجية , ولكننا بحاجة للأحافير اللغوية التي إن دلت على شيء فإنما تدل على أسماء القبائل العربية التي سكنت المحافظات المصرية والشامية والتي تظهر من خلا لغة ولهجة كل واحدة منها .

وكذلك في مسألة إبدال أداة التعريف بحرف الميم فأنا كاتب هذه السطور أتحدث بها مثل :
إمبارح .
وإن قبيلة الأزد يقفون بالسكون التام على أواخر الكلمات وهو شائع في كافة اللهجات العامية في مصر والأردن وسوريا والخليج العربي .

ونحن في شمال الأردن نقول مثلأ:
طلعت عالسيارة , وطلعت عالشجرة , وهنا حذف حرف اللام من على , وهي في الأصل لهجة بلحرث

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26-07-2009, 01:38 AM   #39
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

متى تحظى لغتنا الحديثة بنحو حديث




متى تحظى لغتنا الحديثة بنحو حديث ؟!
بقلم : بروفسور سليمان جبران

تتطوّر اللغة الحيّة بتطوّر الناطقين بها، وتتغيّربتغيّر أحوالهم؛ من عصر إلى عصر، ومن مستوى حضاري فكري ثقافي إلى آخر. هذا ما حدث للغتنا العربية أيضا: تطوّرت تطوّرا هائلا في العصور الوسطى بتطوّر الناطقين بها، من مجتمع صحراوي قبلي إلى إمبروطورية عظمى ورثت الحضارات القديمة كلّها، حتى غدت تبعا لذلك أرقى اللغات آنذاك؛ وتراجعت في ظلّ الدولة العثمانية حتى بلغت الحضيض، وتهدّدها الضياع والانقراض .
في عصرنا هذا أيضا واجهت لغتنا حضارة أرقى منها وأوسع، فكان لا بدّ لها من التطوّر معجما ونحوا، وبسرعة أيضا، لتتمكّن من اللحاق باللغات الوافدة. على هذا النحو تطوّرت لغتنا المعاصرة تطوّرا كبيرا بجهود آلاف المترجمين والصحافيين والمبدعين، أكثر ممّا تطوّرت بجهود مؤسّسات رسمية لم تكن أساسا في المراحل الأولى، حتى غدت اليوم مختلفة اختلافا بيّنا عن لغة الأقدمين. لعلّنا لا نلحظ بوضوح كل التغيير الذي طرأ على اللغة في عصرنا هذا، لقربها منّا، واعتيادها في قراءاتنا وكتاباتنا. لكن لو طالع سيبويه ومعاصروه نصّا من لغتنا اليوم لأنكروه تماما، ولم يفهموا منه إلا القليل القليل!
يتمثّل تطوّر لغتنا الحديثة في مجالين أساسيين: الأوّل هو استحداث ألفاظ ومصطلحات جديدة، بالابتكار والاشتقاق والنحت والتعريب، وبذلك انضافت إلى لغتنا العربية آلاف الألفاظ والتراكيب والتعابير الجديدة، بعضها واضح نعرفه، وبعضها يتردّد على ألسنتنا وأقلامنا ، حتى المحافظين منّا، دونما إدراك لأصله الأجنبي في أحيان كثيرة.
المجال الثاني هو التطوّر والتجديد في مبنى الجملة، أو في النحو ذاته، وهو تطوّر لا تلحظه العين دائما، لأنّ القارئ يمرّ بهذه الأساليب الجديدة فيألفها حتى يظنّها من الأساليب الكلاسيكية التي يجيزها النحو والنحاة. ثمّ إنّ إصرار رجال اللغة والقائمين على المؤسّسات التعليمية، على تفسير كلّ التجديدات المبنوية بأحكام النحو الكلاسيكي، بالمنطق حينا وبالقسر أحيانا، قد يوهم القرّاء، والمثقّفين أحيانا، أنّ لغتنا المعاصرة ما زالت محكومة بنحو سيبويه والكسائي، لاتشذّ عنه أو تخرج عليه. وإلا فما معنى محاولات " النحاة " الجدد فرض القوالب النحوية الكلاسيكية على كلّ المباني الحديثة، المستقاة في معظمها من اللغات الأجنبية واللغات المحكية، وبالعنت والقسر غالبا؟ لا أظنّنا نغالي إذا قلنا إنّ نحو لغتنا الحديثة قد تغيّر وتطوّر بحيث باتت الحاجّة ماسّة إلى وضع نحو حديث للغتنا الحديثة، تماما كما وضع أجدادنا نحوا للغتهم التي تداولوها في تلك الأيّام. هل يُعقل أن يحكم لغتنا اليوم نحو وضعوه قبل اثني عشر قرنا وأكثر، هل في اللغات المعاصرة كلّها لغة تعاني ما تعاني لغتنا حين تُفرض عليها، في عصرنا هذا، أحكام العصور الوسطى وأعرافها؟
واضح أنّ نحو اللغة المعاصرة يتأثر في تطوّره، كما ألمحنا، بعاملين حاسمين: العامل الأوّل هو الترجمة من اللغات الأخرى، ولا أظنّ اللغة العربية عرفت عهدا ازدهرت فيه الترجمة من اللغات الأخرى ، كما ونوعا ، كما نشهد في هذه الأيّام. وكم من مترجم يتبنى خلال عمله المضني مبنى الجملة الأجنبية، واعيا أو دون وعي، فيلاقي هذا المبنى الجديد قبولا لدى القراء والكتّاب، ولا يلبث أن يشيع على الأقلام والألسنة، فيكتسب بذلك رواجه السريع وشرعيته . العامل الثاني طبعا هو لغتنا المحكيّة، اللغة الطبيعية في حديثنا وتفكيرنا أيضا. ففي عصرنا هذا لم يعد المبدعون يتهيّبون " حماة الفصاحة " في نقل الأبنية المحكية إلى اللغة المعيارية، شعرا ونثرا، لتشيع هذه الأبنية دونما حرج، وتغدو جزءأ لا يتجزّأ من لغتنا الحديثة.
بل إن هذه الأبنية المستقاة من المحكيّة غالبا ما تضفي على النصّ مذاقا طازجا يلاقي هوى في نفوس قرائه، فيكفل له الشيوع والانتشار الواسع. لعلّ نزار قباني، في هذا المجال، هو أكثر من استفاد من نحو المحكية وصياغاتها، في شعره السياسي بوجه خاصّ، فكان ذلك عاملا بارزا من عوامل انتشار شعره في كل مكان وعلى كل لسان!
لسنا هنا في مجال تعداد كلّ الأبنية الحديثة التي " خرجت " عن النحو الكلاسيكي، وسوّغها شيوعها في النصوص الحديثة ، حتى غدت "شرعية" لا اعتراض عليها ولا استنكار، فذلك يحتاج إلى دراسات مستفيضة ينجزها رجال اللغة المتخصّصون وفي إطار أوسع مدى. أردنا فقط لفت الأنظار إلى هذه القضيّة الهامّة في لغتنا، وإلى حاجة لغتنا الحديثة إلى نحو حدبث، أسوة بجميع اللغات الحيّة المعاصرة. لذا فإننا نكتفي بأيراد أمثلة معدودة وقعنا عليها عرضا، محاولين تفسيرها كما هي، دونما " تخريج " نحوي لها، أو "إعرابها" ، كما هو دأب " الغيورين " !
• عودة الضمير على ما بعده
يعود الضمير في النحو الكلاسيكي على ما قبله، دون استثناء. نقول : عاد الرجل إلى بيته مساء، وضمير الغائب، الهاء، يعود على الاسم قبله – الرجل. هذا هو المبنى الكلاسيكي طبعا. إلا أن الأساليب الحديثة يعود فيها الضمير على ما بعده أيضا، إما بتأثير اللغات الأجنبية التي نترجم منها، أو لسبب بلاغي يستدعي تقديم جزء من الجملة على آخر. على هذا النحو نقرأ ونسمع مباني كثيرة مثل : بعد هبوطه في المطار صرّح وزير الخارجية بأن ... ، إنه مبنى شائع سائغ، ولم يعد يلقى المعارضة أيضا !
• مضافان أو أكثر لمضاف إليه واحد
وهو مبنى شائع، رغم خروجه عن الأسلوب الكلاسيكي، بحيث لم يعد يعترض عليه أو يلتفت إليه حتى غلاة المحافظين. فكما نقول: كتب التلميذ ودفاتره، شاع وتشرعن في لغتنا الحديثة أن نقول أيضا: كتب ودفاتر التلميذ، فلا اللغة العربية تضعضعت ولا نحوها استغاث طالبا النجدة !
• كلَّ عام وأنتم بخير
وهو مبنى مستقى ، في رأينا، من اللغة المحكية،عرضنا له بكثير من التفصيل في مقالة سابقة لنا، مبيّنين طريقة " الغيورين " في تخريجه، أو تطبيق النحو الكلاسيكي عليه قسرا، فلا حاجة إلى تكرار ذلك ثانية.
• ذات وكافّة للتوكيد المعنوي
من المعروف أن التوكيد المعنوي يقتصر على ألفاظ معدودة هي: كلّ، جميع، كلا، كلتا، نفس، عين، كقولنا : قابلتُ المدير نفسَه / عينَه. إلا أننا في لغتنا الحديثة نقول أيضا: قرأت الكتاب ذاتَه، بمعنى نفسه، وشارك الأصدقاء كافّتهم، بمعنى كلّهم.
• الكاف في غير التشبيه
تعتبر كتب النحو الكاف حرف جرّ، وتفيد التشبيه، كقولنا : وجهك كالبدر. بل يعتبرونها أحيانا اسما مضافا لما بعده إذا كانت الجملة قبلها غير مكتملة نحويا، كما في بيت المتنبي : وما قتل الأحرارَ كالعفو عنهم... من حيث معناها لا تذكر المراجع الكلاسيكية سوى التشبيه ، أما في اللغة الحديثة فكثيرا ما تستخدم استخداما جديدا، بمعنى بصفة أو باعتبار، كقولنا : نحن كمعلمين ( بصفتنا/ باعتبارنا معلمين) يجب أن نرفع من شأن اللغة العربية بين تلاميذنا. المحافظون لا يقبلون طبعا مثل هذا الاستعمال للكاف، إلا أنه من الشيوع بحيث يفرض شرعيته.
• الجملة الاستفهامية مضافا إليه
أدوات الاستفهام ، سواء كانت حرفا أو اسما، لها حقّ الصدارة، بأسلوب النحاة، فلا ترد إلا في أوّل الجملة. لذا فإنّ الجملة الاستفهامية لا تشكّل عادة جزءا من جملة كبيرة فيكون لها محلّ
من الإعراب. إلا أنّ اللغة الحديثة أخذت شيئا فشيئا في استخدام الجملة الاستفهامية مفعولا به، ومضافا إليه أيضا . الحالة الأولى منتشرة تماما ، بتأثير نحو المحكية ربما، حتى غدت مقبولة سائغة يأخذ بها معظم الكتّاب دونما حرج. ما أكثر ما نكتب ونقرأ ، في الصحافة والأدب، جملا مثل: لا أحد يعرف متى وقع الحادث، لم تعلن اللجنة من الفائزفي المسابقة. أما أن تقع الجملة الاستفهامية مضافا إليه فذلك أقلّ شيوعا، وأغلب الظنّ أنه بتأثير الترجمة من اللغات الأجنبية. ما المانع، مع ذلك من استخدام المبنى المذكور، كما هو في الجمل التالية التي عثرنا عليها في نصوص حديثة مختلفة :
ـ كان من المهمّ معرفة كيف تمّ تلقّي نظريته في مصر.
ـ ... تجعل مسألة هل نحن إزاء لغة واحدة أم إزاء لغات متباينة، مسألة ذات مغزى.
ـ من الصعب أن نتوصّل إلى فهم مسألة ما هي الوقائع التي يستند إليها هذا الخوف.
ـ ... لفحص هل يلائم النصّ أهداف القراءة، وهل يستحقّ الاستمرار في قراءته.
• بعضهم البعض
إذا كان تلاميذ الصفّ يساعد أحدهم الآخر فكيف نصوغ ذلك باستخدام الاسم بعض؟ في المباني الكلاسيكية هناك طريقتان للتعبير عن ذلك :
ـ يساعد التلاميذ بعضُهم بعضا، كما في الآية القرآبية : " ... وآتيناهم كتابا فهم على بيّنة منه
بل إنْ يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا" ( فاطر 35/ 40) . في هذه الحالة تعتبربعض
الأولى بدلا، والثانية مفعولا به، وهو مبنى جائز وشائع طبعا، سواء كان المبدل منه اسما
ظاهرا أو ضميرا متّصلا.
ـ التلاميذ يساعد بعضُهم بعضا، كما في الآية القرآنية : "... ورفعنا بعضهم فوق بعض
درجات ليتّخذ بعضُهم بعضا سخريّا " ( الزخرف 43/ 32) . وهذا المبنى أبسط في تركيبه من سابقه، فهو من فعل وفاعل ومفعول به طبعا.
ـ يساعد التلاميذ بعضهم البعض / التلاميذ يساعدون بعضهم البعض . في هذين المبنيين تأثير واضح لنحو اللغة المحكية، لذا من الطبيعي أن لا نجدهما في النصوص الكلاسيكية ، وعليه فلا "تخريج" أو إعراب لهما أيضا، بل إن " الغيورين " يعتبرون ذلك خطأ فاحشا لا بدّ من "تصويبه "، رغم شيوعه في الصحافة، وفي الأدب أيضا !
• أفعل التفضيل، هل تظلّ المطابقة فيه مطلقة ؟
من الأحكام المعروفة أنّ أفعل التفضيل " إذا كان معرّفا بال فلا بدّ فيه من المطابقة" ، نحو: البنت الكبرى، الرجلان الأفضلان. بكلمة أخرى، إذا كان أفعل التفضيل صفة معرّفة بال ، وهذا ما يهمّنا هنا، فحكمها أن تتبع ما قبلها، الموصوف، في الجنس، أي في التذكير والتأنيث، فإذا قلنا البنت الأكبر كان ذلك خطأ. بناء على هذه القاعدة، علينا أن نقول: القرية الجملى( مؤنث أجمل)، الساحة الوسعى( مؤنث أوسع)، النتيجة الروعى( مؤنث أروع) ! إذا استثنينا ألفاظا معدودة متداولة في اللغة (مثل: كبرى، صغرى، عظمى، سفلى، عليا، دنيا، قصوى، طولى...) نجد أن اللغة الحديثة لا تأخذ بهذا الحكم، بل تجعل أفعل التفضيل مذكّرا مفردا دائما؛ على حالة واحدة " جامدة " لا تتغيّر. فكثيرا ما نقرأ اليوم تراكيب مثل: القصة الأروع، الطبيعة الأجمل، الدولة الأقوى وهكذا!
لعلّ الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل كان أوّل من أجاز لنفسه، حين كان محرّرا لصحيفة الأهرام قبل سنوات طويلة، أن يتجاهل الحكم المذكور. فكم من مرّة سمعناه وقرأناه يردّد تركيب " الدولتان الأعظم " ، أي الولايات المتّحدة والاتّحاد السوﭭييتي، يوم كانت العلاقات بين هاتين الدولتين شغل العالم الشاغل. قد يكون هيكل تأثّر بالصياغة في اللغات الأجنبية وقد يكون استثقل " الدولتان العظميان " ، لكنّه بذلك أوّل من شرعن هذه الصياغة، ربّما، فلم تعد تنفر الأذن منها، وغدت اليوم صياغة يمرّ عليها "الغيورون" في صمت، دونما اعتراض أو احتجاج. لا يستطيع كلّ الكتّاب، ولا الأذن تستسيغ كل الأمثلة " الغريبة" المذكورة أعلاه في سبيل المطابقة. من واجبنا إذن القبول ببقاء أفعل التفضيل على حالة واحدة لا تتغيّر، مفرد مذكّر، باستثناء ألفاظ معدودة تداولتها لغتنا الحديثة. وسواء شرعنّا هذه الصياغة أو استنكرناها ، فالصحفيون والكتّاب لن يعودوا إلى أحكامنا كلّما جلسوا إلى الكتابة، والحياة كفيلة بشرعنة كلّ ما تراه هي معقولا وسائغا!
• حتى في سياقات حديثة
إذا كان الفرّاء مات وفي قلبه شيء من حتى ، فلغتنا الحديتة أضافت إلى حتى استعمالات لا يعرفها الفرّاء ورفاقه في العصور الوسطى. رغم ما نالته حتى من سمعة سيئة، عند النحاة والتلاميذ، إلا أنها على الغالب من نوعين:
1) حتى الجارّة، بمعنى إلى، والاسم بعدها يرد محرورا، بلغة النحاة، فنقول: انتظرتُ حتى نهايةِ الدرس، أو المثال المألوف لدى النحاة: أكلتُ السمكة حتى رأسِها. وهي حتى نفسها طبعا التي يرد بعدها المضارع منصوبا بأن مضمرة، مثل: لا تأكل حتى تجوعَ ( إلى أن تجوعَ).
2) حتى العاطفة، بمعنى وأيضا، نحو: فرّ الجميع حتى القائدُ ( وأيضا القائد )، أو أكلتُ السمكةَ حتى رأسَها. لكنّ اللغة الحديثة، كما ذكرنا ، أضافت استعمالات جديدة إلى حتى لا يجوز فيها اعتبارها جارّة، ويصعب القول إنها عاطفة لعدم ورود معطوف عليه قبلها. إنها صياغات جديدة تأثّرت فيما يبدو بنحو لغتنا المحكيّة أو بالأساليب الأجنبية. للتمثيل لا للحصر:
ـ يعترف بذلك حتى المعارضون.
ـ لم يقبل المعارضون حتى الصمت.
ـ حتى أنت تنكر كلّ ما حدث ؟
• هو الآخر، هي الأخرى
هذا التركيب من تراكيب لغتنا الحديثة، ويعني : هو أيضا، هي أيضا. أغلب الظنّ أن هذا التركيب مصدره المجكية المصرية،( هوّ لاخر / راخر)، " تسلّل " إلى النصوص القصصية
أوّل الأمر، ثمّ شاع على أقلام الكتّاب المصريين، وغير المصريين أيضا.
• صياغات "انفعل" جديدة في لغتنا المعاصرة
كلّ من يتأمل لغتنا الحديثة يلاحظ بوضوح تزايد الوزن انفعل ومشتقاته في صياغات جديدة لم تعرفها لغتنا الكلاسيكية. هناك أفعال كثيرة في المصادر القديمة، من الثلاثي المجرّد بوجه خاصّ، لا يُشتقّ منها وزن انفعل، وإنما تبنى للمجهول بدلا من هذا الوزن. فنحن مثلا نقول كُتِبَ ولا نقول انكتب ، رغم أنه "مطاوع " كَتَبَ، أو" المجهول" منه في دلالته لا شكله.
إلا أن لغتنا الحديثة، في منحاها التبسيطي، تميل إلى انفعل بالذات لسببين: الأوّل أن هذا الفعل لا يحتاج إلى تشكيل، كما في المبنيّ للمجهول، ولذا فإن استخدامه أسهل وأوضح طبعا، خصوصا في النصوص غير المشكولة. السبب الثاني هو أن لغتنا المحكية في جميع لهجاتها لا تعرف صيغة المبنيّ للمجهول عادة، تماما كما في العبرية التي يقوم فيها وزن نِفْعال، الموازي لوزن انفعل العربي،بديلا للمجهول دائما. وبتأثير المحكية أخذت "تتسلّل" إلى اللغة المعيارية أفعال كثيرة بوزن انفعل لم تعرفها اللغة الكلاسيكية، أو هي "خروج" عن الأبنية الكلاسيكية في نظر المتشددين. هكذا بدأت تتخلّل لغتنا المعاصرة أفعال مثل: انبنى، انقاس، انغلق، انجرح، انطرح، انضاف، انسمع، انضرب، انقتل، انداس، انخلط ... بعضها شاع حتى ألفته الآذان، وبعضها ما زالت الآذان تنكره، لكن لا أحد يستطيع إلغاءه. في هذا السياق، لا بدّ أيضا، كما نردّد دائما، من تأليف قاموس معاصر شامل "يشرعن" مثل هذه الاشتقاقات الجديدة، وآلاف الألفاظ والمصطلحات المبتكرة والمعرّبة، ليثري بذلك لغتنا العربية ويوحّدها في هذه الحقبة الحرجة من تاريخها.
هذا قليل من كثير من " نحو اللغة الحديثة " ، أوردناه للتمثيل لا أكثر. فغايتنا هنا التنبيه إلى ضرورة تأليف نحو جديد، يتقصّى ويشرعن الظواهر النحوية والصرفية الجديدة كلها في لغتنا الحديثة، لا تأليف هذا النحو، فهو يحتاج إلى جهود كبيرة، وسنين عديدة أيضا.

* بروفسور سليمان جبران – ناقد وباحث ادبي معروف ، أشغل منصب استاذ الادب العربي الحديث في جامعة تل أبيب ، وكان رئيسا لقسم اللغة العربية وأدابها في الجامعة بين ( 1998 – 2002 )
sulaiman jubran

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-07-2009, 06:40 PM   #40
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

الأسلوبية عند ميشال ريفاتير


الدكتور طارق البكري

تمهيد:
الأسلوب في اللغة والأصطلاح :
يقول ابن منظور في اللسان: ( يقال للسطر من النخيل وكل طريق ممتد فهو أسلوب، فالأسلوب هو الطريق والوجه والمذهب، ويقال أنتم في أسلوب سوء... ويقال أخذ فلان في أساليب من القول أي أفانين منه).
ويعرف ابن خلدون الأسلوب في المقدمة فيقول: ( إنه عبارة عن المنوال الذي تنسج فيه التراكيب أو القالب الذي يفرغ فيه ولا يرجع إلى الكلام باعتبار فادته كمال المعنى من خواص التركيب الذى هو وظيفة الإعراب ولا باعتبار افادته كمال المعنى من خواص التركيب الذي وظيفته البلاغة والبيان ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب) ويخلص للقول إن الأسلوب هو(الصورة التي ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب الصحيحة باعتبارالإعراب والبيان فيرصها فيه رصاً).
وفي اللاتينية كلمة(stilus) تعني ريشة ثم تطورت لتصل إلى الأعمال الأدبية .
وأشهر تعريف للمصطلح الحديث المعاصر نجده عند الكونت بوفون بقوله:
( الأسلوب هو الإنسان نفسه ولا يمكن أن يزول ولا ينتقل ولا يتغير) .



مقدمة :
يعتبر ميشال ريفاتير من أبرز الباحثين في الدراسات الأسلوبية الحديثة، فقد قدم العديد من الأفكار والمبادئ التي تفاعلت بمجملها مع أفكار غيره المصنفين في دائرة الأسلوبية البنيوية وسواهم من الضالعين في سبر أغوار الأسلوبية وسبك بنائها المتماسك من نواحيه.
وبالفعل، فقد وضع ريفاتير مجموعة قيمة من الأسس استطاعت أن تشقً طريقها وتثبت ذاتها، وتقدم للباحثين أضواء ساطعة كاشفة .
ركز ريفاتير على جملة من القضايا الهامة، وتكلم على عدد من الظواهر الأسلوبية البارزة في النص، ولفت إلى الجمل التي تستوقفنا كقراء وتلفت انتباهنا، معتبراً أن الأسلوب يعد إبداعا من المنشيء وإرجاعا من المتلقي ، فالمبدع يسعى للفت انتباه المخاطب والوسيلة هي شيفرات تستوجب كشفاً من القارىء.
ويعتبر ريفاتير من أبرز الأسلوبيين، وقد عمل في جامعة كولومبيا منذ مطلع العقد الخامس من القرن الماضي وله دراسات عديدة منها 'إنتاج النص' و ' دراسات في


ريفاتير والأسلوب:
يصنف ريفاتير مع الأسلوبية البنيوية ومن الذين يقولون بأن الأدب شكل راق من أشكال الإيصال وأن النص الابداعي ما أن يتم خلقا ويكتمل نصا حتى ينقطع عن مرسله لتبقى العلاقة بين الرسالة والمستقبل زمنا لا يتنتهي دوامه. وهو بذلك خالف ياكبسون الذي يهتم بالمرسل والمرسل إليه وينصب اهتمامه بالدرجة الأولى على القارئ دون أن ننسى الوظيفة الشعرية.
ويعتبر ريفاتير من المجددين في التنظير الأسلوبي بمقالاته التي نشرها في بداية الستينات ثم جمعت واستكملت في أوائل السبعينيات من القرن الماضي في كتابه مقالات في الأسلوبية البنيوية (Essais de stylistique structurale).
ويعرف ريفاتير الأسلوب بأنه: ( إظهار عناصر المتوالية الكلامية على اهتمام القارئ ) وتظهر من كتابات ريفاتير أن الأسلوبية ما هي( سوى هذا التأثير المفاجئ الذي يحدثه اللامتوقع في عنصر من السلسلة الكلامية بالنسبة إلى عنصر سابق).ويستشهد ريفاتير ببيت شعر لكوريني: (هذه عتمة مضيئة تسقط نجوما) ويقول : هذه مفارقة غير متوقعة.
ولا شك أن ريفاتير أحسن كثيرا بالاستشهاد بهذا النص الفريد، فمن حيث التباين الظاهر يقع القارئ في حيرة بين الضوء والعتمة والاستعارة غير المتوافرة في تكتيك شعري فريد ينقل المتلقي من حيثيات الكلمات المعتادة إلى أفق جديد غير متوقع ، وهذه الصدمة المفاجئة التي تحدث لدى المتلقي هي المقصودة من فعل التغيير المنطقي للكلمات المتتالية في السياق، ويرى البعض أن هذه الطريقة هي بنية ثنائية متباينة منتظمة في زمن التكون التتابعي للنص .
ويقدم ريفاتير في كتابه أسلوبية البنيوية تعريفاً محدداً للأسلوب يتولى بعد ذلك شرحه والتعليق عليه، فيقول :
يفهم من الأسلوب الأدبي كل شكل مكتوب فردي ذي قصد أدبي أي أسلوب مؤلف ما أو بالأحرى أسلوب عمل أدبي محدد يمكن أن نطلق عليه الشعر أو النص وحتى أسلوب مشهد واحد.. ويعلق المؤلف نفسه على تعريفه هذا بقوله: إن هذا التعريف محدود للغاية وكان من الأفضل أن نقول بدلا من (شكل مكتوب) كل شكل دائم ، حتى يشمل الآداب الشفاهية التى لا تستمر نتيجة للحفاظ المادي عليها كشكل نصي متكامل فحسب، بل بوجود خواص شكلية فيها تجعل من الميسور فك شفراتها، مثل : الافتتاحية الموسيقية بطريقة منظمة ومستمرة ، وقابلة لأن نتعرف عليها بالرغم من أي تنويعات أو أخطار في طريقة عزفها أو تفسيرها من مختلف القراء.
أما قوله ذو قصد أدبي) فلا يشير في هذه الحالة إلى ما أراد المؤلف أن يقوله ولا يهدف إلى التمييز بين الأدب الجيد والردئ ولكنه يعني أن خواص النص المحدد تدل على أنه ينبغي اعتباره عملاً فنياً وليس مجرد تعاقب كلمات.
من هذه الخواص شكل الطباعة وشكل الوزن وعلامات الأجناس الأدبية والعناوين الفرعية مثل رواية أو قصة أو حتى ظهوره في الوقت الحاضر في مجموعات معينة قصصية أو مسرحية أو شعرية .
ويبدو أنه من الأسهل لنا في ريفاتير أن نطلق كلمة الأدب على كل كتاب ذات طابع أثري أي كل كتابة تجذب انتباهنا بصياغتها وشكلها.
ثم يعود إلى تعريفه للأسلوب قائلا :
وهنا نفهم من الأسلوب كل إبراز وتأكيد سواء أكان تعبيريا أو عاطفيا أو جماليا يضاف إلى المعلومات التي تنقلها البنية اللغوية دون التأثير على معناها. ويشرح كلماته فيما بعد مشيرا على أن هذا التعريف لا يتميز بالمهارة اللازمة لأنه يبدو كما لو كان يفترض معنى أساسياً لوناً من ألوان درجة الصفر- على حد تعبير بارت-
تقاس عليه عملية التكثيف التي نسعى لتقييمها ولا يمكن أن نصل إلى هذا المعنى الأساسي إلا عن طريق نوع من الترجمة أي عن طريق تحطيم النص كشيء أو نقص القصد منه أي استبعاد النص المكتوب وإحلال فرض يدور حول المؤلف حوله. ثم يضيف: ( لكنني كنت أفكر في نوع من الكثافة التي يمكن أن تقاس عند كل نقطة من القول في المحور التركيبي طبقا للمحور الاستبدالي حيث تعد الكلمة الماثلة في النص (أقوى) بشكل أو بآخر من نظيراتها أو مترادفاتها الممكنة دون أن يؤدي هذا إلى خلل في المعنى، لكن هذا المعنى - مهما كان المستوى اللغوي الذي ننظر إليه من خلاله- لا بد أن يختلف بما يسبقه وما يلحقه). ويردف قائلا: (وربما كان من الأوضح والأدق أن نقول أن الأسلوب هو البروز الذي تفرضه بعض لحظات تعاقب الكلمات في الجمل على انتباه القارئ بشكل لا يمكن حذفه دون تشويه النص ولا يمكن فك شفرته دون أن يتضح أنه دال ومميز مما يجعلنا نفسر ذلك بالتعرف فيه على شكل أدبي أو شخصية المؤلف أو ما عدا ذلك. وباخصار فإن اللغة تعبر والأسلوب يبرز).


الأشكال الفردية:
الأشكال الفردية عند ريفاتير بالنسبة للأسلوب كالكلام بالنسبة للغة، فدراستها تسمح بالحصول على البيانات اللازمة لإقامة النظام وعندما يستخدم المؤلف عناصر اللغة الأدبية لإحداث تأثير خاص تتحول إلى عناصر أسلوبية وميزتها تكمن في هذا التنفيذ الخاص لقيمتها لا في قيمتها المحتملة في نظام موحد. ولولم تستخدم لإحداث تأثير محدد فإن أقصى ما يقال حينئذ إنها تمثل خلفية سياقية متخصصة بالنسبة للأسلوب الفردي أكثر من القول العادي.على أن الأساليب الفردية في الكلام يصعب في أحسن الحالات وصفها ويسهل وضعها في أنماط عامة، مما يجعلها أقل تخالفاً فيما بينها وأقرب إلى اللغة العامة من الأساليب الكتابية، أما الأساليب الأدبية فهي معقدة متشابكة، ولهذا فهي ذات ملامح يمكن تمييزها بوضوح .


وعي المؤلف:
ويرى ريفاتير أنه إذا كانت مهمة عالم اللغة تنحصر في الإمساك بجميع ملامح القول دون استثناء فإن دارس الأسلوب ينبغي له أن يعتد فحسب بتلك الملامح التي تنقل المقاصد الواعية للمؤلف، مما لا يعني أن وعي المؤلف يشمل كل ملامح القول. وغالبا ما يستحيل التعرف على هذه المقاصد دون تحليل الرسالة مما يمكن أن يؤدي إلى حلقة مفرغة لولا أن هذه المقاصد ربما تتضح بإجراءات أخرى، مثل التحليل الفيلولوجي أو تصريح المؤلف بها وغير ذلك من الإشارات.
كما يرى أن هذا التمييز بين الاختيارات الواعية واللا شعورية لا يفيد إلا في حالة دراسة كيفية توليد الأسلوب، إما في دراسة ظاهرة الأسلوب نفسها وتأثيرا على توجه إليه، فإن جدواه ضئيلة للغاية، إذ لا يمكن الوصول فيه حينئذ إلى نتائج حاسمة


الفرادة في العمل الأدبي :
يذهب ريفاتير في كتابه ( إنتاج النص) باحثا عن سمة الفرادة في العمل الأدبي ومن أجل الوقوف على هذه السمة يقترح مقاربة شكلية ويذكر أن التحليل الذي يعتزم إجراءه لا علاقة له بالأسلوبية المعيارية القديمة أو البلاغة، وإذا كان ريفاتير للبلاغة مفارقا فإنه أيضا من النقد الأدبي نفور.
وليس ذلك منه إلا لأنه لا يريد أن يجعل من التحليل مطية تعلوها أحكام القيمة، وما هذا الموقف بدعا، فمنهجه في التحليل يقف عند الظاهرة ويتحقق من وجودها، وأما النقد فيأتي بعد ذلك أي بعد هذه الخطوة فيتبنى الظاهرة التى وقف عليها وتحقق من وجودها.ولكن ريفاتير عندما عمد إلى دراسة سلوك الكلمة في العمل الأدبي، لاحظ أن سمة قرابة تجمع بين دراسته التحليلية والدرس اللساني، غير أنه أكد أم السمات الخاصة بالعمل الأدبي تتطلب أن يبقى التحليل النصي واللسانيات مختلفين ضمن هذا التقارب نفسه .
ولتعليل هذا الأمر يرى أنه لا يكفي أن نلجأ إلى اللسانيات فقط لدراسة الأدب، ذلك لأن العمل الفني يطرح على اللسانيات قضية غير لسانية، ألا وهي الأدبية.
ويلاحظ ريفاتير أن ثمة محاولة قامت لحل هذه القضية وذلك بتعميم الوقائع التي تم الكشف عنها في النصوص من جهة وباستخلاص القواعد الخاصة باللغة الشعرية من جهة أخرى .
وقد كانت غاية هذه المحاولة - كما يرى ريفاتير- تكمن في وضع التعبير الأدبي في إطار نظرية عامة للإشارات، غير أنه لم يلبث أن وجد في هذه المحاولة مطعنا جعله يعرض عنها، ويمكن أن نستدل على هذا الأمر بقوله: ( إن هذا البحث الذي هو ميدان الشعرية، لا يستطيع أن يكشف عن السمة الخاصة بالرسالة الأدبية)، وهويرى( أن الشعرية تعمم هي الأخرى على حين أن طبيعة الرسالة هي النص).
ويؤكد ريفاتير أننا لا نستطيع أن نعرف حقاً هذا النوع من الرسائل إلا بالنصوص، خاتماً نقده لهذه المحاولة بقوله: ( إن القواعد المستخلصة من النص حتى ولو كانت لا تنتج إلا جملا منحرفة وموازية لجمل النص فإنها لا تنتج مع ذلك نصا أدبيا جديداً).
ثم يتدرج ريفاتير منهجا وطريقة في بحثه إلى أن ينتهي إلى تقرير أمور ثلاثة:
1- الأدبية وفرادة النص .
2- الفرادة هي الأسلوب.
3- النص والأسلوب .

وسنحاول فيما يلي تقديم تعريف مختصر لكل من هذه الأمور الثلاثة :

أولاً: الأدبية وفرادة النص :
يقول ريفاتير: ( النص فريد دائما في جنسه، وهذه الفرادة هي التعريف الأكثر بساطة، وهو الذى يمكن أن نعطيه عن الأدبية، ويمكننا أن نمتحن هذا التعريف فورا إذا فكرنا أن الخصوصية في التجربة الأدبية تكمن في كونها تغريبا وتمرينا استلابياً وقلبا لأفكارنا ولمدركاتنا ولتعبيراتنا المعتادة) .

ثانياً: الفرادة هي الأسلوب:
يقول ريفاتير إن النص يعمل كما يعمل برنامج الحاسوب، وذلك لكي يجعلنا نقوم بتنفيذ تجربة الفرادة .. الفرادة التي نعطيها اسم الأسلوب، والتي تم خلطها ردحا طويلاً مع الفرد المفترض المسمى الكاتب).

ثالثا: النص والأسلوب :
في نهاية المطاف يعلن ريفاتير مقرراً الأسلوب في الواقع هو النص).

وأشار هنا بعض الباحثين إلى ملاحظتين:

الأولى : أن الأسلوب يخرج من كونه بصمة من بصمات الشخص ليصبح شيئا من أشياء النص، او بمعنى أدق ليصبح هو النص نفسه وليس الشخص أو الرجل كما ذهب بيفون إلى ذلك.

الثانية : أن هذا الأمر عند ريفاتير بمنزلة الشيء الذي يدور على نفسه، إذ إن مفهوم النص عنده يرتبط بأدبيته والأدبية ترتبط بالفرادة والفرادة أسلوب والأسلوب هو النص، وبما أن الأدبية لا تقوم إلا ضمن هذا الأخير فإن خلو أي نص من الأدبية يرفع عن صفته كنص.

ويستنتج الباحثون من هاتين النقطتين السابقتين ما يلي :
إن دل هذا الأمر على شيء فإنما يدل على أن حاجة النص الأدبي إلى أسلوبه حاجة واكدة، بها يصير إلى وجوده، وهذا يعني أنه لا وجود لنص إلا في أسلوبه ولا وجود لأسلوب إلا في فرادته.
وهكذا ترتبط الفرادة والأدبية بالنص كما يرتبط النص بالأسلوب، ويدور الأمر على نفسه حتى لا إنفكاك.


ريفاتير وموقفه من القاريء:
يرى ريفاتير في كتابه دراسات في الأسلوبية البنيوية (أن القاريء يجلي الأسلوب بفعل الأثر الذي يتركه، فالأسلوب يستأثر بانتباه القاريء واهتمامه عبر ما يفضيه في سلسلة الكلام ، والقارئ يستجيب بدوره للأسلوب فيضيف إليه من نفسه عن طريق رد الفعل الذي الذي يحدثه فيه)، وهذا يشير إلى خلاصة مفادها أننا نقول ما نقول، أي نعبر في استعمالنا للكلام،ولكن الأسلوب هو يجعل لما نقول ميزة ويعطيه فرادته ، وريفاتير يقول:
( إن االلغة تعبر والأسلوب يجعل لهذا التعبير قيمة).
ويرى ريفاتير ( أن إطالة الأثر الأسلوبي زمنا والإحساس بالشعر في أي لحظة من اللحظات إنما هو أمر يتعلق كلية بالقارئ. ثم يخلص للقول: ( إن هذا التداخل بين الطريقة الأسلوبية والإحساس بها، إنما هو من صلب القضية) ولذا يقترح أن نتبنى هذا الإحساس ( لتعيين الوقائع الأسلوبية في الخطاب الأدبي).
ويعلق عبد السلام المسدي عل موقف ريفاتير هذا فيقول: ( ويفضي هذا التقدير بريفاتير إلى اعتبار أنً البحث الموضوعي يقتضي ألا ينطلق المحلل من النص مباشرة، وإنما ينطلق من الأحكام التي يبديها القارئ حوله .
وفي كتابه إنتاج النص يتضح منظوره بشكل أكبر فيما يخص القارئ حيث يرى أن ( الظاهرة الأدبية ليست هي النص فقط ولكنها القارئ أيضاً بالإضافة إلى مجموع ردود فعله إزاء النص) .
من هنا نستطيع أن نستنتج أن ريفاتير يولي الأهمية الكبرى لأمر خارج حدود النص نفسه، فهو لا ينسب الفضل للمؤلف ولا للسياق الأسلوبي أو التعبير النسقي في الكلام ولكنه يميل صراحة إلى الاعتراف بدور القارئ باعتباره المنتج الأول للنص حيث تتحدد قيمة النص عبره وحده.
وهذا الاعتبار الذي يقودنا إليه ريفاتير يقدم للقارئ فضاءات واسعة ويجعلة حاكماً وحكماً ومنفذاً للحكم، وبذلك يكون القارئ هو صاحب السلطة والسلطان والقدرة على التحكم بالنص برفعه أو بخفضه.
وهو يقول بشكل أو بآخر ( إن النص في وجوده مدين لمباشرة القارئ له، أو بكلمة أخرى وجود غير محقق لا يتم ظهوره وتنفيذه إلا بقراءة القارئ له ). وبهذا نستطيع أن نفهم معنى قوله ( إن الظاهرة الأدبية ليست هي النص فقط ولكنها القارئ أيضاً بالإضافة إلى مجموع ردود فعله إزاء النص) .
ويطلق ريفاتير اسم (القارئ النموذج) ويدفع الباحث عن نفسه تهمة إحلال القارئ ورد فعله محل المؤلف ونفسيته، ملاحظا أن المؤلف لا يبقى منه سوى النص، أما القارئ فالبرغم من أن عملية تلقيه إنما هي نفسية، إلا أنه وباستخدام القارئ النموذجي فإننا نصفي العناصر الشخصية من المتلقي بحيث لا يبقى منها سوى ما يتصل بالمثيرات الموضوعية، وإقامة التفسير بعد ذلك على أساس الوقائع نفسها لا على أساس النص الذي استصفته شخصية القارئ أو حصرته فيما يذكره به بما يتوافق مع ذوقه أو فلسفته أو ما يظن أنه ذوق وفلسفة المؤلف المدروس.
ويؤكد ريفاتير أهمية الزمن كعامل مغير في الدلالة الأسلوبية، فاستجابة القارئ النموذجي لا تصلح إلا بالنسبة لحالة اللغة التي يفهمها، إذ إن وعيه اللغوي الذي يتحكم في ردود فعله يتصل فحسب بفترة زمنية وجيزة في تطور اللغة.

النص والمستقبل :
وهنا يعالج ريفاتير القضية بما لها من صلة من نظرية الإيصال، بحيث يصل إلى نتيجة يفترق فيها الإيصال الأدبي عن العادي فالإيصال الأدبي لا يحتوي إلا عنصرين لهما تمثيل مادي فيه وهما: النص والقارئ، أما العناصر الأخرى التى يقوم عليها الإيصال العادي فأشياء بديلة عن النص.
ويعلق على الشرح الذي يستهدف القارئ بقوله: ( إن الشرح يقتضي إظهار الأثر الأدبي الذي تحمله العبارة في مظانها فهي توجه القارئ نحو بعض التأويلات وتزوده بشفرات لفك شيفرات النص). وهنا يؤكد مجددا على دور القارئ وعلى مكانته الأولى بالنص مهما كان هذا النص باعتبار أنه رسالة موجهة إليه ولولاه لما كان هنالك رسالة والرسالة نفسها لا تنفتح على مغاليقها إلا من خلال قارئ يفك رموزها.


طاعة واعية للنص:
لكنه من جانب آخر يؤكد أن الوحدات الأسلوبية تفرض نفسها على القارئ وهو يرى وجود شرطين للتحقق من وجودها:
أولا : يجب أن يقوم التحليل على طاعة مطلقة للنص.
ثانيا: أن تكون الطاعة القاعدة الأصولية للشرح.
لكن تجدر ملاحظة قضية هامة وهي أن الطاعة للنص عند ريفاتير ليست مطلقة، ولا تعني مجرد أن يبتعد القارئ تماما عن التدخل في النص لتصحيحه أو لاستكماله، ولكنها تعني أيضا أن يكون الشرح قائما على عناصر ذات قابلية إدراكية إجبارية، وهو يؤكد ( أن الشرح يختلف بهذا التحديد عن التأويل البنيوي العادي الذي يبحث أن يضم كل شيء إلى نظامه ولكنه لا ينجح إلا في ضم النص باعتباره مادة لسانية وليس باعتبار النص نصا ً).


الوحدة الأسلوبية :
ويقدم ريفاتير تعريفا قيما للوحدة الأسلوبية بأنها: ( ثنائية لقطبين لا يفترقان، الأول منهما يبدع الاحتمال والثاني يلغيه) ويعتبر أن الأثر الأسلوبي ينتج عن التضاد الحاصل بينهما).ولا يمكن لهذه الوحدة الأسلوبية برأيه أن تختلط مع التقطيع الطبيعي، أي مع الكلمة والجملة ذلك لأنها ( لا تستطيع أن تكون سوى مجموعة من الكلمات أو الجمل المرتبطة بطريقة أخرى غير المقطعية ).
وقد دفع هذا الموقف بريفاتير إلى الإعراض عن شرح الكلمة معزولة لأن ذلك يؤدي إلى إنكار الحدث الأسلوبي ( ومن أراد الشرح عليه أن يذهب إلى ما وراء الكلمة ). ويقترب ريفاتير هنا تماما مع رأي عبد القاهر الجرجاني بأن الكلمة المفردة وحدها ليست هي الأسلوب بل طريقة نظم الكلم .


السياق الأصغر والسياق الأكبر:
الطريقة الأسلوبية ليست عند ريفاتير هي الأسلوب، فما هي سوى مظهره المنتظم، إن أسلوب نص أو عمل أو كاتب ليس مجموع طرائقه الأسلوبية،بل هو علاقاتها التركيببية المحتملة. وأول خطوة على طريق توسيع المنظورات يميز ريفاتير إلى جانب السياق الذي يسميه بالسياق الأصغر (Microcontexte) الذي يسهم في إنتاج الأسلوبية، ويميز ما يطلق عليه السياق الأوسع (Macrocaontexte)، وهو بالتحليل الأولي خارجي ومتقدم على هذه الطريقة الأسلوبية ولكنه ذات مدى متبدل سواء في البداية أو النهاية وقابل للائتلاف مع سابقه،
أو لإعادة التشكيل في نهايته، والتحديد من خلال اللامتوقع في العناصر التي تكونه.


الانحراف والسياق:
الانحراف عند ريفاتير حيلة مقصودة لجذب انتباه القارئ، وكان الاعتقاد السائد أن النمط العادي يحدده الاستعمال، غير أن مفهوم الاستعمال نسبي، ولا يمكن الدارس من مقياس موضوعي صحيح، فيقترح ريفاتير تقويض مفهوم لاستعمال بماهو يسميه ( السياق لأسلوبي ).
ومفهوم الانزياح والانحراف عند ريفاتير ( انزياح عن النمط التعبيري المتواضع عليه، وهو خرق للقواعد حينا ولجوء إلى ما ندر من الصيغ حينا آخر).
وقد استقر ريفاتير عند فكرة الانحراف الداخلي بعد أن تبين له أن طريقة القارئ العمدة -الذي سنتعرض له لاحقاً- تكفي لاكتشاف الانحراف، ويحدد ريفاتير معيار الانحراف بالسياق الخارجي ويسمي وحدته الأساسية السياق الأصغر فهما مع الانحراف أو المخالفة يكونان معا ما يسميه مسلكا أسلوبيا نحو وصف الشيء بما لا يعد من صفاته، كأن يقال: شمس سوداء أو ضوء خجول، فالاسم الأول من العبارتين سياق أصغر والوصف مخالفة أو انحراف، ويضع ريفاتير المعادلة التالية:

سياق أصغر + مخالفة = مسلك أسلوبي

لكن لا بد ملاحظة أن السياق الأصغر لا يقتصر على هذا النوع فقط .
وعموماً يمكن للسياق الأصغر أن يدخل في سياق أكبر، ليشكل سلسلة لغوية ممتدة يكون السياق جزئا منها، ولا تنحصر داخل حدود الجملة النحوية أو عدد معين من الجمل، وإنما تتحدد نهايتها بشعور القارئ كما تتحدد بدايتها بقدرته على التذكر.ويعين ريفاتير شكلين أساسيين للسياق الأكبر:

سياق + مسلك أسلوبي + سياق
سياق + مسلك أسلوبي يبتدئ سياقاً أسلوبياً جديدا + مسلك أسلوبي

فكأن السياق الأكبر في كلتا الحالتين يتحدد بالعبارات التي تحيط بالسياق الأصغر، وإن كان من الجائز أن تمتد المخالفة حتى تصبح هي نفسها سياقاً.
ولتوضيح ما يقصده، نورد هذا المثال الذي قدمه للنوع الأول وهو قول لبرنارد شو:
إنهم يصورون المسكين على أنه مجرم، مع أنه لم يكن إلا رجلاً إنكليزياً صميماً ذا عيال.
فالعبارة الأخيرة تكون مع العبارة التي تسبقها مباشرة مسلكاً أسلوبياً، وهي في هذه الحالة تعد سياقاً أصغر، والعبارة ليست في النهاية إلا جزءا من السياق الأكبر الذي يبدأ مع بداية الجملة حتى نهايتها.


التشبع عند ريفاتير:
التشبع مصطلح يستخدم بالكيمياء عادة، ويعني أن المادة المنحلة في السائل - كالسكر في الماء - قد بلغت كميتها حداً لم يعد لكمية السائل معه القدرة عل الامتصاص.
أما ريفاتير فقد استعمل هذا المصطلح مجازا للدلالة على أن الخاصية الأسلوبية هي بمثابة المادة المنحلة، والنص بمثابة السائل، فإذا تكررت السمة الأسلوبية باطراد تشبع النص فلم يعد يطيق إبرزها كعلامة مميزة.
ومثال ذلك أن ينبني نص على ظاهرة السجع فإذا تراوحت مواطنها ظلت محتفظة بطاقتها التأثيرية، وإن اطردت اختفي تأثيرها بل لعل عدول صاحب النص عن ظاهرة السجع يصبح هو نفسه خاصية أسلوبية.
ويمكن تلخيص هذه الفكرة بأن الاستخدام المتكرر لظاهرة أسلوبية معينة لدى كاتب ما أو عدة كتاب يجعل الظاهرة أمراً عادياً ولا يعود لها أي مزية أسلوبية، وهذا الأمر يستدعي من الكاتب أن يبتكر دائماً ولا يعتز بظاهرة معينة ويواظب على استخدامها، فمع استخدامها المتكرر تفقد بريقها ولا تعود لها قيمة لدى القارئ .


القارئ العمدة (architecteur):
لكن من هو القارئ الذي لديه القدرة على تمييز النص واكتناهه وسبر محتواه؟
الأثر الأسلوبي كما ذكرنا سابقاً يتعلق بالقارئ، لذا فإن النص نفسه سيتعدد دائما بتعدد القراء له ، لذلك أراد ريفاتير أن يحل العقدة فرأى تعيين الانحراف بمعونة عدد من القراء، وبمجموع القراءات يصل إلى ما يسميه بالقارئ العمدة.
فريفاتير يعين مواضع الانحراف بمعونة عدد من القراء المدربين على هذا النوع من القراءة، كما يفعل علماء اللغة في الفروع الأخرى لهذا العلم، فيعتمدون على أخبار الرواة من أهل اللغة عن كيفية النطق ومعاني الكلمات...، ويسمى مجموع هذه الأخبار على سبيل التجريد ' القارئ العمدة'.
وعيب على هذا الاقتراح الأخير أنه يجرد العملية التذوقية من محتواها الشخصي باسم الموضوعية.
والقارئ العمدة بتعبيره هو محصلة ردود أفعال عدد من الخبراء اللغويين تجاه النص بضمنهم نقاد ومترجمون وعلماء وشعراء وغيرهم، فالقارئ العمدة ليس قارئا بعينه إنما هو مجموعة الاستجابات للنص التي يحصل عليها المحلل من عدد من القراء الخبراء.
ويحدد ريفاتير القارئ العمدة بقوله: ( هو مجموع الرواة الذين يستخدمون لكل مثير أو متواليه أسلوبية كاملة... إنه وسيلة لاستخراج مثيرات النص لا أكثر ولا أقل) لكنه يستدرك قائلا من الضروري أن نستبعد تصنيفات القراء حتى لا نتورط في تصنيفات جاهزة).
وهنا لا بد من الاشارة إلى أن قضي القارئ العمدة تحتاج إلى دراسة قائمة مستقلة تتناول هذا الجانب بالبحث والتحليل نظرا لأن ريفاتير أولى هذه المسألة جانبا مهما من أبحاثه وهي تحتاج إلى تعمق أكبر ومجال أوسع للبحث .


الأسلوبية البنيوية:
مع ميشال ريفاتير بدأت الأسلوبية البنيوية مساراً مهماً في تناول الأسلوب في النص الأدبي، وقد افرد كتابا خاصاً لهذا الغرض وسماه (محاولات في الأسلوبية البنيوية) صدر عام 1976. وتمثلت غاية الكاتب في أن الأسلوبية البنيوية تقوم على تحليل الخطاب الأدبي لأن الأسلوب يكمن في اللغة وووظائفها ولذلك ليس ثمة اسلوب أدبي إلا في النص.وقد عرف ريفاتير الأسلوب الأدبي بأنه كل شيء مكتوب وفردي قصد به أن يكون أدباً.
ويرى ريفاتير في مقال له ( لا يمكن فهم الوقائع إلا في اللغة، لأن اللغة هي أداتها، ومن ناحية أخرى يجب أن تكون للوقائع الأسلوبية خاصة مميزة، وإلا لم نستطع أن نميزها عن الوقائع اللغوية).



التواصل :
يركز ريفاتير على فكرة التواصل التى تحمل طابع شخصية المتكلم في سعيه إلى لفت نظر المخاطب، ولهذا اعتنى عناية كبيرة بالمنشيء الذي هو يشفر (Encode) تجربته الذاتية، وبالمخاطب الذي يفك شيفرة (decode) .
هذا التعبير، وهو بذلك يؤكد تجاوز ما جاء به جاكبسون الذي كانت نظريته لا تنظر إلى الرسالة الشعرية بوصفها تكيفاً لمتطلبات التواصل، وبدلا من ذلك ينظر إلى إسقاط مبدأ التماثل على الرسالة بكيفية ما، بوصفه يحررها من المقام الأول ويجعلها غامضة وغير تداولية، وبذلك يتجاوز ما يطرحه جاكبسون في أن الرسالة قائمة بذاتها، ولا يظهر من ذلك أن هذه الرسالة تحقق تواصلا مع المخاطب، أما ريفاتير فإنه يرى أن الرسالة لا يمكن أن توجد بذاتها، وإنما هناك علاقة يجب أن تنشأ بين الرسالة والمخاطب، فالعلاقة التي تقوم بينهما عنصر مهم من عناصر الأسس التي أقام عليها ريفاتير أسلوبه ، وهي رؤية تتجاوز كون الأسلوبية تحليلا ألسنيا يميز عناصر الأسلوبية في رسالة ما، وإنما يكون للقارئ دور في تمييز هذه العناصر، ولذلك يقوم القارئ في أسلوبية ريفاتير بدور مهم جدا(كما أشرنا سابقاً) وهو دور يقوم على الوعي والإدراك لما تمثله العناصر الأسلوبية من وظائف داخل النص الأدبي.
ويصبح طرفا الإخبار عند ريفاتير المرسل والمتلقي، ويتضح ذلك من القول: ( فإذا كانت عملية الباث في عملية الإبلاغ العادي أن يصل بالمتقبل إلى مجرد تفكيك الرسالة اللغوية لإدراكها، فإن الغاية من الباث في عملية الإبلاغ الأدبي تتمثل في توجيه المتقبل توجها يقوده إلى تفكيك الرسالة اللغوية على وجه معين مخصوص، فيعمد الباث عندئذ إلى شحن تعبيره بخصائص أسلوبية تضمن له هذا الضرب من الرقابة المستمرة على المتقبل في تفكيكه للمضمون اللغوي).
وهذه الأفكار الخطيرة التي يطرحها ريفاتير بجرأة تفصل ما بين نوعين من التواصل البشري، الأول التواصل العادي المجرد من الأسلوب الأدبي البليغ، والتواصل القائم على الحاجات والتبادل والخدمات، أما الجانب الأدبي وهو الجانب المتمثل بالشعور فغير ذلك تماماً، فالنص الذي يشحنه الشاعر أو الأديب بنصه يحتاج برأي ريفاتير إلى رقابة مستمرة ليس على نفسه فقط بل وأيضا على المستقبل في عملية التمحيص والتفكيك وإعادة التشكيل، ولكن من حيث الاجمال فإن ذلك يبدو مستحيلا من الناحية العملية، وربما يكون القصد غير ذلك حيث على الباث أن يكون مهيئاً ليستوعب قدرة المتقبل على تفكيك النص واستشعاره، وهو أقرب إلى الظن لأن الباث بطبيعة الحال يستحيل له مراقبة كل المستقبلين وخصوصاً مع مرور الزمن واستمرارية النص بعد سنين من زوال صاحبه .

عنصر المفاجأة:
وهنك عنصر مهم جدا أشار إليه ريفاتير أهميته ليست دون أهمية ما سبق، وهو عنصر المفاجأة من خلال المثير والمنبه الأسلوبي، حتى إنه رد الميزة بالنص إلى هذا العنصر، فقال: ( تنتج القوة الأسلوبية من إدخال عنصر غير متوقع إلى نموذج، فالسياق الأسلوبي يتكون من نموذج لغوي يكسره بغتة عنصر لا يتنبأ به).
ويرتبط مفهوم الأسلوب عنده بعنصر المفاجأة التي تصدم المستقبل وتحدث صدمة في نفسه، فكلما كانت السمة الأسلوبية متضمنة للمفاجأة فإنها تحدث خلخلة وهزة في إدراك القارئ ووعيه.
وقد ساق ريفاتير مثلا هو قول كورني ( عتمة مضيئة تسقط نجوما) فجمع العتمة مع الضوء، وبهذا أحدثت المقابلة منبها أسلوبيا لا بد له أن يحدث استجابة ما لدى المستقبل، فكل واقعة أسلوبية تنشأ من سياق ومن تعارض ولذلك على الدارس الأسلوبي أن يمنح التعارض عنايته، لأنه يشكل الأجراء الأسلوبي في النص المدروس.
ومما لا شك فيه أن عنصر المفاجأة عند ريفاتير هو بنفسه تجسيد للانحراف( الذي تحدثنا عنه سابقا)، فقد عرف الأسلوب على أنه انحراف عن المعيار، كما وصف الانحراف بالانزياح، والمقصود انزياح أو انحراف الأسلوب عن الاستخدام العادي للغة، مما يجعل اللغة تستخدم استخداما غير مألوف.
وقد لقي مفهوم الانحراف عند ريفاتير تطورا جذريا استخلص منه مقولة ( التضاد البنيوي ) وحدد ما يترتب عليها من إجراءات أسلوبية أي من عمليات التكوين الأسلوبي حسب مصطلحه، وهي إجراءات تعتمد على القارئ أساسا لأنه هدف الكاتب الموجه إليه الرسالة.
ولا شك أن الكتابة الفنية تتطلب من الكاتب أن يفاجئ قارئه من حين لآخر بعبارة تثير انتباهه حتى لا تفتر حماسته بمتابعة القراءة أو يفوته معنى يحرص الكاتب على إبلاغه إياه. وفي هذا تختلف الكتابة الفنية عن الاستعمال العادي للغة فالإنسان في حديثه العادي يستطيع أن يلجأ إلى وسائل كثيرة مصاحبة للكلام كي ينبه سامعه إلى فحوى الرسالة: من استخدام النبر والتعبير بحركات الوجه أو الإشارة باليدين إلى هز ذراع السامع إذا كان المتكلم في حالة انفعالية تدفعه إلى ذلك، وأما إذا تأملنا الكتابة الفنية وجدنا في تعابير اللغة أحيانا ما يشبه هز الذراع وربما الإمساك بالتلابيب، وإذا كانت هذه الحركات والنبرات في لغة الحديث لا تفعل فعلها إلا لكونها خارجة عن المألوف، فكذلك وسائل اللغة التي يراد بها جذب الانتباه إنما تحدث ذلك بفضل ما فيها من المفاجأة أو الخروج على سياق الكلام العادي ، أي بفضل ما فيها من الانحراف.





السياق الأسلوبي :
بما أن التقوية الأسلوبية تنتج من إدخال عنصر غير متوقع في نسق، فهي تفترض إشعارا بالانقطاع الذي يغير السياق، وهنا فرق جوهري - كما يقول ريفاتير- بين المفهوم الشائع لكلمة السياق وبين السياق الأسلوبي.
فليس السياق الأسلوبي ترابطيا، بمعنى أنه ليس السياق اللفظي الذي يقلل تأثير لمشترك اللفظي أو يضيف إيحاءات إلى لفظة ما، فالسياق الأسلوبي كما يقول ريفاتير: ( نسق لغوي يقطعه عنصر غير متوقع- مفاجئ كما أشرنا في الفقرة السابقة- والتقابل الذي ينشأ عن هذا الاقتحام هو المثير الأسلوبي) ويوضح ريفاتير أنه يجب أن يفهم أن هذا الانقطاع ليس من باب الفصل، فقيمة المقابلة الأسلوبية ترجع إلى نظام العلاقات الذي تقيمه بين العنصرين المتصادمين، وما كانت لتحدث أي تأثير بدون وصلهما في متتابعة.
إن صنع النسق الذي تتوقف عليه 'المفاجأة' يرجعه ريفاتير بالضرورة إلى سير المتواليات، والسياق يبتع القارئ مارا بكل متواليات الحدث.
ويرى ريفاتير أن السياق لا ينفصل عن الإجراء الأسلوبي ويتمايز بالخواص التالية :
1- التلاؤم اللازم مما لا يحدث بالنسبة للقاعدة.
2- قابليته الفورية للتحديد وإمكانية الإمساك به على التو فليس غامضا ولا مبهما ولا ذاتيا.
3- التنوع، إذ إنه يشكل مجموعة من مظاهر التضاد مع الإجراءات الأسلوبية المتوالية، وهذا التنوع هو الذي يوضح لنا السبب في أن وحدة لغوية ما تكتسب تأثيرها الأسلوبي أو تعدله أو تفقده نظرا لوضعها، كما أنه هو الذي يوضح السبب في عدم اعتبار اطراد القاعدة واقعة أسلوبية بالضرورة بمثل ما أن التأثير الأسلوبي لا يتوقف دائما على الشذوذ عن القاعدة.

الانصباب:
وهناك ظاهرة تتصل بالسياق الأسلوبي يطلق عليها ريفاتير اسم الانصباب، فقد تتجمع العناصر الناجمة عن الإجراءات الأسلوبية مما يجعل تأثيرها يعتمد على التوافق بين الجوانب الدلالية والصوتية وتتراكم حتى تصل إلى نقطة محددة، بحيث يكون كل إجراء أسلوبي منها- على استقلاله في ظاهر الأمر- جزءا من بنية أكبر تمثل القوة التعبيرية التي تصب فيها جميع الإجراءات المستخدمة.
وهذا الانصباب ذو طبيعة تراكمية ويمثل السياق الدلالي الذي يحد من تعدد معاني النص ويوضح مقاصد المؤلف، كما أن هذا الانصباب هو الإحراء الوحيد الذي يمكن أن يوصف بأنه يتم بطريقة واعية إذ إنه حتى لو كان قد نبت في النص بشكل لا شعوري من المؤلف فإنه لا يلبث أن يدركه على التو عند قراءة ما كتب ولو اقتصر على الاحتفاظ به أو اجتهد في تكوينه، فإنه يصبح مثلا للوعي الواضح في استخدام اللغة.
ويعد الانصباب أقوى وأعقد أشكال الإجراءات الأسلوبية، ومن المسلم به أنه معيار خصب للتحليل فلو فرض أن القارئ النموذجي قد لاحظ وجود إجراء أسلوبي ما لكنه لا يمثل تضادا موسوما مع السياق السابق فبوسع الدارس أن يبحث حينئذ عن الانصباب كواقع أسلوبي.
وكثيرا ما ينجم عن خطأ حذف لإجراءات الأسلوبية ألا يستطيع قارئ اليوم استجلاء البروز الأسلوبي للنصوص القديمة وبوسعه حينئذ أن يعتمد على الانصباب ليكتشف هذا البروز بتحليل اتجاه الإجراءات الأسلوبية الأخرى، وتوقع أن تكون الإجراءات المندثرة مساوقة للتيار نفسه مما يساعده في نهاية الأمر على اكتشافها وتحديدها وجبر حذفها. فالانصباب في الواقع هو العامل الأسلوبي الذي يضمن استمرار نظام التشفير في النص، ولو كانت هناك أجيال من القراء لم تعد تتبين اتجاه بعض الإجراءات الأسلوبية لأنها فقدت قدرتها على التضاد في النظام اللغوي الجديد، كأن تكون المصطلحات الجديدة أو المستعارة قد فقدت جدتها وطرافتها وصارت من اللغة الأدبية المشتركة فمن الممكن أن تظل بعض هذه العناصر محتفظة بفاعليتها كمثير أسلوبي للتعبير يمس مجموعة الإجراءات التي وضعها المؤلف، ويصبح الانصباب هو وسيلتنا للتعرف على بقيتها.

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-07-2009, 10:59 AM   #41
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

شارلز فيرجسون والدرس اللساني ـ الاجتماعي للغة العربية

من المعروف جيداً أن دراسة اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية ليست أمراً مستحدثاً، سواء لدى أصحاب العلوم الاجتماعية، أم لدى اللسانيين· وفي إشارة سريعة يدلل شارلز فيرجسون على هذه الحقيقة فيقول: >منذ وقت بعيد أكد رواد علم النفس الاجتماعي ـ مثل >جورج هربرت ميد< على أهمية اللغة في التفاعل الاجتماعي· وفي مطلع هذا القرن حاول لسانيون مبرزون ـ مثل أنطوان مييه ـ أن يضعوا اللغة في مكانتها الاجتماعية، وأن يجمعوا بين التحليل الاجتماعي وبحث التغير اللغوي· وبشكل تقليدي ظل للسانيات مكانها داخل البحث الأنثروبولوجي<·

ولعل من أكثر المسائل بروزاً في هذا العلم تركيزه على >الكلام< parole ؛ أي على الكلام الفعلي بكل أبعاده الاجتماعية·

فبإمكاننا في هذا السياق الوجيز أن نقول إن الخط الأساسي الذي يسلكه علم اللغة الاجتماعي يتمثل في التركيز تاريخياً ووصفياً على هذا السؤال: من يتكلم؟ وبأي لغة؟ وفي أي مناسبة؟

ومن هنا فإن الموضوعات الأساسية التي يعالجها العلماء الذين يعملون داخل هذا الإطار هي موضوعات من قبيل: الأقليات اللغوية، والازدواجية اللغوية، والصراعات اللغوية، والتخطيط اللغوي·

كذلك يمكن أن تميز في سياق علم اللغة الاجتماعي ـ وفق التصور الذي قدمه فيشمان ثلاثة علوم فرعية هي:

أولاً: علم اللغة الاجتماعي الوصفي : وهو موجه لدراسة النماذج العامة للاستخدام اللغوي في كلام المجتمع· والحقيقة أن هذا الفرع يعد ـ من بين الفروع الثلاثة ـ المهمة الأساسية لعلم اللغة الاجتماعي· وهو يمثل ما يمكن أن نسميه مرحلة جمع المادة فيما يتعلق بالنماذج القائمة فعلاً في التنظيم الاجتماعي للاستعمال اللغوي، وكذلك فيما يتعلق بنماذج السلوك المتبع تجاه هذا الاستعمال·

ثانياً: علم اللغة الاجتماعي الحراكي : وهو يركز على نماذج التغير وأسبابه في نظام الاستخدام اللغوي·


وفي هذا السياق يشير >فيشمان< إلى نموذجين من الذخيرة اللغوية: الذخيرة المتحركة، ومن بين أمثلتها المهاجرون إلى الولايات المتحدة من مختلف بلدان العالم ذات اللغات المختلفة، حيث يتحولون إلى استخدام الإنجليزية في كل مجالات العمل والحياة حتى ينتهي الأمر عند الجيل الثالث من أبناء هؤلاء المهاجرين ليكونوا أحادي اللغة؛ أي لا يتكلمون إلا اللغة الإنجليزية·

النوع الثاني فهو الذخيرة الثابتة· ومن بين أمثلتها سكان مقاطعة كوبيك الكندية الذين يتحدثون الفرنسية، والذين ظلوا محافظين عليها، على الرغم من ضغط بقية المجتمع الكندي الإنجليزي· ويبدو هنا أن عامل الإحساس بالانتماء إلى الثقافة الفرنسية لدى مواطني كويبك كان له أثر قوي في تمسكهم بلغته· وهذا يؤكد أهمية >الميول اللغوية< وأثرها في السلوك الاجتماعي·

ثالثاً: علم اللغة الاجتماعي التطبيقي: وهو يهتم بعدد واسع من الموضوعات التي تتدرج بدءاً من تعليم اللغة، ووضع الرموز الكتابية أو تنقيح أنظمة الكتابة القائمة، وانتهاء بالتحديدات السياسية والاجتماعية للغة، مثل اختيار اللغة الرسمية، ولغة التعليم·وهي موضوعات تجمع بين علم الاجتماع التطبيقي وعلم اللغة التطبيقي·

وبعد هذه العجالة السريعة فإن السؤال الذي ينهض الآن هو: وما نصيب العربية من دراسات هذا العلم ؟ وبطبيعة الحال فإن سياقنا الحالي لا يسمح باستقصاء مدقق حول هذا السؤال· وقد يكون كافياً أن نشير فقط إلى أعمال أحد المبرزين في علم اللغة الاجتماعي، وهو تشارلز فيرجسون الذي قدم عدداً من الدراسات المختصة بالعربية، والذي أشرف على كثير من رسائل الطلاب العرب المبتعثين إلى الولايات المتحدة·

وفي بحثه عن الازدواجية اللغوية diglossia الذي يعد من كلاسيكيات اللسانيات الاجتماعية يقدم فيرجسون دراسة مقارنة لهذه الظاهرة في أربع من لغات العالم الحية : العربية، واليونانية الحديثة، والألمانية السويسرية، والكرييولية الهاييتية ( لغة جمهورية هاييتي الواقعة بأمريكا اللاتينية)· ومصطلح الازدواجية اللغوية >هو ترجمة للمصطلح الأوربي diglossia وهو المصطلح الذي كان لفيرجسون ـ فضل السبق في استخدامـه سنة 1959م· ومنذ ذلك التاريخ انتشر هذا المصطلح لدى علماء الاجتماع اللغوي·

ويشير فيرجسون إلى أن الازدواجية اللغوية قد تستمر قروناً طويلة، وأن الشواهد ـ في بعض الأحيان ـ تظهر أنها يمكن أن تبقى أكثر من ألف عام، وأن مشكلات الاتصال التي تصاحب الازدواجية اللغوية ـ ربما تحل عن طريق استخدام أشكال لغوية وسيطة ومتغيرة·

ويسمى هذا الشكل الوسيط في العربية >اللغة الوسطى< ويتسم هذا الشكل بالاقتراض المتكرر من مفردات المتغاير الأعلى إلى المتغاير الأدنى· وفي العربية ـ كما يشير فيرجسون ـ كثيراً ما يستخدم نوع من العربية المنطوقة في بعض المواقف نصف الرسمية، أو بعض مواقف التفاعل اللهجي ويتميز هذا النوع من العربية المنطوقة بمفرداته الكلاسيكية العالية مع قليل من الالتزام بالإعراب أو بدونه· وكذلك يتميز بملامح معينة من التركيب الكلاسيكي ولكن مع أساس عامي في صيغ الكلمات وتركيبها· كما يتميز بامتزاج وافر من المفردات العامية·

أما فيما يتعلق بـ>النحو< فإن فيرجسون يذكر أن أحد الاختلافات اللافتة للنظر بين المتغاير الأعلى والمتغاير الأدنى هو الاختلاف في التركيب النحوي ففي المتغاير الأعلى أقسام نحوية لا تظهر في المتغاير الأدنى، كما أن في المتغاير الأعلى نظاماً تصريفياً للأسماء والأفعال ليس موجوداً كلية، أو أصبح مختزلاً، في المتغاير الأدنى·

ويخلص فيرجسون إلى فرضية ماتزال بحاجة إلى اختيارها في ضوء الدراسات التي تتم حول اللهجات العربية المعاصرة· وهذه الفرضية مؤداها أن التركيب النحوي لأي متغاير أدنى أبسط من تركيب النحو في المتغاير الأعلى المقابل له·

ولكن الملمح البارز في الازدواجية اللغوية هو وجود العديد من أزدواج المفردات المشتركة في المتغاير الأعلى والمتغاير الأدنى· وهي المفردات التي تشير إلى مفاهيم شائعة بشكل واضح ومستخدمة بشكل متكرر في كل من المتغايرين، حيث إن مجال المعنى لكل المفردين متماثل تقريباً، وحيث إن استخدام إحداهما أو الأخرى يميز المجرى النطقي أو الكتابي إما على أنه من المتغاير الأعلى أو من المتغاير الأدنى·


وعلى سبيل المثال فإن كلمة >رأى< تنتمي إلى المتغاير الأعلى، ويقابلها كلمة >شاف< في المتغاير الأدنى، وكلمة >رأى< لا تأتي إطلاقاً في الحديث العادي، وكلمة >شاف< لا تأتي في العربية المكتوبة القياسية·

ثم يقدم فيرجسون مايسميه بـ > التكهن غير الحاسم< بالنسبة للازدواجية اللغوية العربية خلال القرنين القادمين (أي حوالي سنة 2150 ميلادية)· وهذا التكهن يقوم على أن الازدواجية اللغوية العربية ستتطور بشكل بطيء نحو ظهور عدد من اللغات النموذجية، التي تعتمد كل منها على متغاير أدنى ممتزج بشدة بمفردات المتغاير الأعلى· ويرشح فيرجسون ثلاث لغات هي: المغربية: ويعتمد على لهجة الرباط أو تونس، المصرية : وتعتمد على لهجة القاهرة، الشرقية : وتعتمد على لهجة بغداد·

كما يشير إلى أنه ربما وقعت تطورات سياسية واقتصادية يمكن أن تضيف إلى هذه اللغات : اللغة السورية التي تعتمد على لهجة دمشق، واللغة السودانية التي تعتمد على لهجة أم درمان ـ الخرطوم، وكذلك لغات أخرى·

في نهاية مقالته يقدم فيرجسون نقداً للمنهج الوصفي الذي ركز اهتمامه على وصف التركيب الداخلي للغة متجاهلاً الوضع الاجتماعي والثقافي الذي تعمل اللغة من خلاله· كما يشير فيرجسون إلى أن الوصفين قد فضلوا الوصف التفصيلي للهجات واللغات النموذجية والصافيةpure بدلاً من الدراسة المعمقة للأشكال الوسيط والخليط· ويقول فيرجسون إن دراسة موضوعات مثل موضوع الازدواجية اللغوية لها أهمية واضحة في فهم عمليات التغير اللغوي، كما أنها تقدم تحديات طريفة لبعض مزاعم علم اللغة الوصفي (السنكروني)·

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-08-2009, 12:52 AM   #42
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات - د.مازن الوعر


مدخل: الحديث عن صلة التراث اللغوي العربي باللسانيات ذو شجون، ونحن نعلم أن البحث عن هذه الصلة يشغل اللغويين العرب، ويكاد يكون برهاناً على رؤيتهم المعاصرة للسانيات العربية.‏


ولكن ماهي طبيعة هذه الصلة؟ ثم كيف ننظر إليها؟‏


الواقع أحب أن أجيب عن هذين السؤالين في إطار أشمل وأوسع ليكون حديثنا أكثر دقة وموضوعية ذلك أنني أعتقد أن التراث اللغوي العربي ليس ملكاً للعرب وحدهم، ولكنه ملك حضارة الإنسان المعاصر. والإنسان دائماً وأبداً خارج عن نطاق الجنس والعرق والتاريخ. ومن ثم يمكنني أن أجيب عن هذين السؤالين في إطار ما يلي:‏


1-ماذا نعني بالتراث اللغوي العالمي؟‏


2-أين يقع التراث اللغوي العربي في خارطة التراث اللغوي العالمي؟‏


3-ماذا نعني باللسانيات الحديثة؟‏


4-أين تقع البحوث اللغوية العربية القديمة في خارطة اللسانيات الحديثة؟‏


5-وأخيراً، هل هناك صلة بين ما فعله العرب في مجال الدراسات اللغوية القديمة وبين هذا العلم الجديد المسمى "اللسانيات"؟ ثم ما طبيعة هذه العلاقة؟‏


1-التراث اللغوي العالمي:‏


من يطلع على الكتاب القيم الذي كتبه الباحث اللساني الإنكليزي ر.روبنز (R. Robins) والمسمى "التاريخ الوجيز للسانيات (A short History of linguistics) سيكتشف أن تاريخ الأمم السالفة حافل وغني بالدراسات اللغوية التي تبحث في الظاهرة اللغوية من الوجهة الصوتية والتركيبية والدلالية، ثم علاقة هذه المكونات اللغوية بالعالم الذي يحيط بالإنسان. فقد لفتت الظاهرة اللغوية انتباه الإنسان منذ قديم الأزل، وجعلته يطرح الأسئلة تلو الأسئلة حولها. وسواء أقاده حدسه الطبيعي إلى الجواب الصحيح أم تجاربه العلمية المتوافرة آنذاك، فإنه قد توصل إلى حقائق عدة حول اللغة بشكل عام.‏


فالحضارة الهندية القديمة بحثت في الظاهرة اللغوية بحثاً مستفيضاً ولاسيما في وجهها الصوتي (Phonetic) والحق يقال: يُعدّ الباحث الهندي الكبير بانيني (Panini) أبا الصوتيات في العالم. فمن رجع إلى بحوث هذا الرجل منذ حوالي أربعة آلاف سنة فإنه سيدهش من الدراسة الصوتية العميقة التي قام بها سواء أكانت هذه الدراسة مبنية على اللغات الهندية أم على لغات بشرية أخرى.‏


وقد فعل اليونانيون في الحضارة الإغريقية الشيء نفسه، إذ استفادوا من البحوث اللغوية التي سبقتهم وبنوا على تلك الدراسات ثم طلعوا بنظرات جديدة حول الظاهرة اللغوية. وما البحوث اللغوية التي قدمها أفلاطون وأرسطو والمدرسة الرواقية إلا دليل واضح على اهتمام الحضارة الإغريقية بالظاهرة اللغوية.‏


وإذا كانت الحضارة الرومانية قد تبنت كل الحقائق اللغوية التي أتت بها الحضارة الإغريقية فإنها قد ساهمت قليلاً في تطوير الدراسات اللغوية ولاسيما في وجهها الدلالي والبلاغي. أضف إلى ذلك أن هناك دراسات لغوية قيّمة ونافعة قامت بها الحضارات الشرقية القديمة وبالتحديد اليابان والصين وغيرهما، تلك الدراسات التي لم تصل إلينا نحن –العرب- لنتعرفها ونأخذ بها. ومن يطلع على كتاب ر.روبنز الآنف الذكر يكتشف أن هناك حقائق كثيرة أتت بها الدراسات الشرقية حول الظاهرة اللغوية.‏


والخلاصة: لا يمكن لظاهرة من الظواهر الإنسانية أو الفيزيائية أن تكون طفرة في تاريخ الجنس البشري وإنما هي تحول من ظاهرة إلى ظاهرة أخرى متعاقبة. وهكذا فإن السابق هو نتاج اللاحق. اللغة ظاهرة فيزيولوجية –إنسانية لاحظها الإنسان منذ أن خُلق على وجه الأرض، وقد حاول وما يزال يحاول سبرها. وهكذا فإن تاريخ الإنسان (بغض النظر عن جنسه وعرقه وأصله وفصله) مليء بالدراسات التي تناولت الظاهرة اللغوية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما مدى صحة هذه الدراسات اللغوية التراثية العالمية وشرعيتها؟ الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى رواية ودراية لا تقل مدتها عن عشر سنوات من البحث والاستقصاء العلمييْن.‏


2-التراث اللغوي العربي في خارطة التراث اللغوي العالمي:‏


لا أريد أن أقول –لأنني عربي- إن التراث اللغوي يُعد تحولاً كبيراً في مسيرة التراث اللغوي العالمي، ولكنني أقول هذا لأن الحقائق العلمية حول هذا الموضوع مثبتة تاريخياً. وأكرر ما كنت قد ذكرته في مقالات عديدة أنه لو التفت الغرب المعاصر إلى التأريخ اللغوي التراثي العربي لكان علم اللسانيات الحديث في مرحلة متقدمة عن الزمن الذي هو فيه. هذه الحقيقة شاركني فيها عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي خلال حوار كنت أجريته معه 1982. وقد نشرت ما قاله تشومسكي حول هذا الموضوع في مجلة اللسانيات الصادرة عن معهد العلوم الإنسانية والصوتية التابع لجامعة الجزائر (المجلد 6-1984). ولكن ماذا نعني بالتراث اللغوي العربي؟ الواقع أن الذي فعله النحاة العرب حول اللغة العربية يُعد جزءاً من التراث اللغوي العربي وليس كله. ذلك أن التراث اللغوي العربي هو أشمل وأوسع مما قدمه النحاة العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وابن يعيش وغيرهم. فهذا التراث هو كل عمل عربي وضعه العرب القدماء من أجل تفسير النص القرآني. وهذا يعني أننا إذا أردنا إعادة تركيب التراث اللغوي العربي فإنه ينبغي أن نبحث في المصادر التالية:‏


-كتب النحو والشروح التي تناولته (نحويات أو علم التراكيب).‏


-كتب التجويد وفق قراءة القرآن الكريم (صوتيات أو علم الصوت).‏


-كتب البلاغة والفلسفة والمنطق (دلاليات أو علم المعنى).‏


-كتب التفاسير القرآنية والنبوية.‏


-دواوين العرب الشعرية والنثرية والشروح التي تناولتها.‏


-كتب الموسوعات المعرفية المختلفة التي كتبها عظماء الكتّاب العرب، أمثال الجاحظ وابن عبد ربه وابن حزم الأندلسي وغيرهم.‏


-كتب المعاجم واللغة كما هي الحال عند ابن منظور وابن فارس والأصمعي والقالي وغيرهم.‏


-كتب التاريخ كما هي الحال عند الطبري وياقوت الحموي وغيرهما.‏


وبكلمة أخرى؛ إن ما نعنيه بالتراث اللغوي العربي هو كل هذا الركام المعرفي المتناثر في تاريخ الفكر العربي والذي وجد من أجل خدمة النص القرآني. ونحن لا نستطيع معرفة النظرية اللغوية العربية بأبعادها الكاملة إلا إذا أعدنا تركيب هذا الفكر اللغوي العربي المتناثر بعد سبر دقيق وعميق لكل ما قاله العرب حول المسألة اللغوية.‏


إن الشرعية العلمية التي تدفعنا إلى تنفيذ هذا العمل ليست نابعة من تجميع ركام معرفي لا يربطه رابط معين، وإنما هو ركام معرفي انطلق من مبدأ فلسفي متماسك واضح من أجل تفسير الكون والحياة. فالنظرة الفلسفية الإسلامية أرادت أن تفسر مشكلة الإنسان على الأرض، ولأن اللغة مكوّن جوهري من مكونات الإنسان فإنها أرادت معرفة هذه اللغة وسبرها وتفسيرها وربطها بالنظرة الفلسفية الكونية.‏


صحيح أن تاريخ العالم وحضارته مملوء بالنظرات اللغوية التي تناولت اللغة درساً وتمحيصاً، إلا أن معظمها لم ينطلق من منطلق فلسفي شامل وعام. من هنا فإن تجميع الركام المعرفي اللغوي انطلاقاً من هذه الحقيقة وفي إطار يفقد صفته العلمية.‏


إن شرعية إعادة بناء الركام اللغوي العربي القديم تأتي من حقيقة أن العرب القدماء أرادوا تفسير الظاهرة اللغوية، كما فسروا بقية الظواهر الإنسانية والطبيعية، من أجل خدمة النص القرآني. وبمعنى أدق من أجل خدمة المنطلق الفلسفي الإسلامي.‏


3-اللسانيات الحديثة:‏


اللسانيات هي الدراسة العلمية للغات البشرية كافة من خلال الألسنة الخاصة بكل قوم من الأقوام. هذه الدراسة تشمل ما يلي: الأصوات اللغوية –التراكيب النحوية- الدلالات والمعاني اللغوية- علاقة اللغات البشرية بالعالم الفيزيائي الذي يحيط بالإنسان.‏


ونعني بالدراسة العلمية البحث الذي يستخدم الأسلوب العلمي المعتمد على المقاييس التالية: ملاحظة الظواهر اللغوية –التجريب والاستقراء المستمر- بناء نظريات لسانية كلية من خلال وضع نماذج لسانية قابلة للتطوير- ضبط النظريات اللسانية الكلية ثم ضبط الظواهر اللغوية التي تعمل عليها- استعمال النماذج والعلائق الرياضية الحديثة- التحليل الرياضي الحديث للغة- الموضوعية المطلقة. وبما أن اللغات البشرية لها ارتباطاتها الإنسانية والطبيعية المتفرعة، كذلك فإن لعلم اللسانيات فروعاً متعددة يختص كل منها بناحية جزئية من هذا الكل الذي اسمه "اللغات".‏


آ-فاللسانيات النظرية (العامة) تبحث بالنظريات اللغوية ونماذجها المتفرعة عنها وكيفية معالجتها للبنية اللغوية سواء أكانت تلك النظريات اللغوية في الماضي أم الحاضر. ومن العلوم المتفرعة عن اللسانيات النظرية ما يلي:‏


1-الصوتيات التي تتفرع بدورها إلى: الصوتيات الفيزيولوجية النطقية- الصوتيات الفيزيائية –الصوتيات السمعية الدماغية.‏


2-النحويات أو علم التراكيب الذي يتفرع بدوره إلى: علم بناء الجملة –علم بناء الكلمة- علم التقديم والتأخير في العناصر اللغوية- علم القواعد اللغوية العالمية- علم القواعد اللغوية الخاصة- علم الضوابط العامة والخاصة المفروضة على القواعد.‏


3-الدلاليات أو علم المعنى الذي يتفرع بدوره إلى: علم المعنى الخاص وعلم المعنى العام- علم بنية الدلالة في الدماغ البشري- علم التعرف على اللغة (عندما تخزن في الدماغ دون معرفتها) –علم فهم اللغة (عندما تخزن في الدماغ مع فهمها)- علم المشترك والترادف- علم تقطيع اللغات للواقع وتسميته- علم أنواع الدلالة والمعنى.‏


ب-واللسانيات التطبيقية تبحث في التطبيقات الوظيفية التربوية للغة من أجل تعليمها وتعلمها للناطقين ولغير الناطقين بها، وتبحث أيضاً في الوسائل البيداغوجية المنهجية لتقنيات تعليم اللغات البشرية وتعلمها (أصول التدريس –مناهج التدريس- وضع النصوص اللغوية وانسجامها مع المتعلمين- وضع الامتحان- امتحان الامتحان- علاقة التعلم والتعليم بالبيئة الاجتماعية).‏


ج-واللسانيات الأنثروبولوجية تبحث بالصلة التي تربط اللغة بأصل الإنسان. فاللغة عضو بيولوجي كبقية الأعضاء البيولوجية الأخرى عند الإنسان، ولكن، على الرغم من ذلك فإن اللغات البشرية متفاوتة من حيث الرقي الحضاري ومن حيث أنظمتها الداخلية وقدرتها على تقطيع العالم الذي يحيط بالإنسان.‏


د-واللسانيات الاجتماعية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والمجتمع. ذلك لأن اللغة لها صلة بالمجتمع الذي ينظمها ويؤطرها على نحو يجعلها مختلفة عن اللغات الأخرى نظاماً وعادة وسلوكاً. فاللغة ظاهرة اجتماعية تتفق عليها الجماعات البشرية، وهي تعكس كل ما يموج فيها من عادات وتقاليد وثقافة ودين وتنوعات جغرافية وإقليمية. إن من مهمة اللسانيات الاجتماعية البحث في التالي: اللغة واللهجة –الأطلس اللغوي الجغرافي- العلاقات الاجتماعية والثقافية في المجتمع الواحد وأثر ذلك في تعليم اللغة القومية وتعلمها- الفروق القائمة بين لغة النساء ولغة الرجال- المستويات الكلامية اللغوية حسب سياقاتها الاجتماعية- اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة.‏


هـ-واللسانيات الأدبية تبحث بالعلاقات القائمة بين اللسانيات والأدب والنقد والسيميائيات والأسلوبيات. ماهي أفضل التقنيات اللسانية التي يمكن للأديب والكاتب أن يستخدمها ليكون عمله أكثر تأثيراً وفهماً في المجتمع؟ كيف يستطيع الأدب أن يقدم عينات وشرائح أدبية متنوعة للسانيات من أجل أن تدرسها وتبني عليها فرضيات يمكن أن تساهم في بناء صيغة علمية دقيقة للنقد الأدبي الحديث؟.‏


و-واللسانيات البيولوجية تبحث في العلاقة القائمة بين اللغة والدماغ. إن مهمة هذا العلم معرفة البنية اللغوية الدماغية عند الإنسان ومقارنتها بالبنية الإدراكية عند الحيوان. أضف إلى ذلك أن هذا العلم يريد معرفة التطور اللغوي البيولوجي عند الأطفال وكيف يمكن أن ينشأ المرض اللغوي عندهم؟.‏


ز-واللسانيات الرياضية تنظر إلى اللغة على أنها ظاهرة حسابية مركبة صوتاً وتركيباً ودلالة، ومنظمة على نحو متشابك من أجل تطويعها ووضعها في أطر وصيغ رياضية من أجل معرفتها معرفة دقيقة جداً لإثبات الفرضية التي وضعها تشومسكي من أن اللغة عبارة عن آلة مولدة ذات أدوات محددة قادرة على توليد ما لا نهاية له من الرموز اللغوية من خلال طرق محددة.‏


ح-واللسانيات الحاسوبية –المعلوماتية (الكومبيوترية) تبحث عن وضع اللغات البشرية في صيغ وأطر رياضية وذلك لمعالجتها في الحاسبات الإلكترونية من أجل السرعة والدقة العلميتين في البحوث اللغوية ومن أجل ترجمة النصوص اللغوية ترجمة آلية فورية.‏


والواقع أن تاريخ اللسانيات يبدأ بالمحاضرات اللسانية التي كان يلقيها عالم لساني سويسري يدعى فرديناند دي سوسور الذي يعتبر الأب الحقيقي للسانيات. وقد نشرت هذه المحاضرات اللسانية بعد مماته (1919) في كتاب اسمه "محاضرات في اللسانيات العامة" إن جوهر هذه المحاضرات يدور حول طرح منهج لساني علمي جديد لدراسة اللغات يدعى باللسانيات السنكروفية الآنية التي تدرس اللغات البشرية كما هي الآن. وقد كان هذا المنهج ردة فعل علمية على المناهج اللغوية الماضية التي كان يستخدمها العلماء في الهند لمقارنة اللغات الهندية باللغات الأوربية الأمر الذي دعاهم لدراسة تاريخ هذه اللغات ومقارنتها مع بعضها بعضاً طبقاً لمنهج لغوي دعوه بالمنهج الدياكروني التطوري (التاريخي).‏


وقد انتقل منهج دي سوسور اللساني إلى الولايات المتحدة وطُوّر تطويراً يختلف عما كان عليه في أوربة. من هنا نشأت "البنيوية" اللسانية (Structuralism) على يد عالم أمريكي هو بلومفيلد في كتابه "اللغة" (Language) وقد طورت النظرية البنيوية من خلال نماذج عديدة جداً استمرت في التطور حتى عام 1957 حيث جاء عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي الذي كان انعطافاً وحدثاً عظيماً في تاريخ العلوم الإنسانية والطبيعية في العالم. فقد استطاع هذا العالم أن يقلب المفاهيم الطبيعية والإنسانية رأساً على عقب كالمفاهيم المطروحة في علم النفس والمنطق والفلسفة وعلم الأنثروبولوجيا والرياضيات وعلم البيولوجيا وعلم الحاسبات الإلكترونية وعلم الفيزياء. ومن أراد التفصيل فلينظر في دائرة المعارف البريطانية ليرى ماذا فعل هذا العالم في تاريخ العلم الحديث والمعاصر. لقد قلب كثيراً من المفاهيم في هذه العلوم من خلال الثورة اللسانية التي قام بها عام 1957 عندما نشر كتابه الأول المسمى "المباني التركيبية" والذي يدور حول طرح نظرية جديدة تدعى "نظرية القواعد التوليدية والتحويلية" وما زال هذا العالم يطور في نظريته هذه حتى الآن وذلك من خلال تطبيقها على لغات بشرية عديدة. ولكن هذا لم يمنع من ظهور اتجاهات ومدارس لسانية أخرى في الولايات المتحدة وأوربة رافقت النظرية التوليدية والتحويلية كمدرسة "الدلاليات التوليدية" لمكولي ومدرسة "الدلاليات العلامية" لغيلمور ومدرسة "تحليل الخطاب" لـ لابوف وجمبرز وجودي، ولكن إذا أردنا فعلاً معرفة جوهر اللسانيات فإننا نستطيع القول إن هوية هذا العلم تتسم بصفتين اثنتين: الأولى هي العلمية (تطبيق المقاييس العلمية على اللغات) والثانية هي الاستقلالية (أصبح لهذا العلم قوانينه وأنظمته الخاصة به). هاتان السمتان اكتملتا بظهور علماء لسانيين في القرن العشرين أمثال دي سوسور وبلومفيلد وسابير ومارتينه وتشومسكي وغيرهم كثير.‏


4-موقع البحوث اللغوية العربية القديمة في اللسانيات الحديثة:‏


لاشك في أن كل أمة من الأمم عندما تفرز حضارة ما فإن هذه الحضارة ستكون مكتملة الجوانب ومتعددة الظواهر غالباً. فالحضارة العربية الإسلامية هي حضارة تتسم بسمة الكلية (Universal) هذه السمة الكلية التي كانت جوهر الدعوة الإسلامية دفعت العرب والمسلمين في كل مكان وزمان للبحث عن جوهر الإنسان ضمن بوتقة الكون والحياة. من هنا لم يكن من همِّ الأيديولوجية الإسلامية أن تجعل الإسلام يعتقد بالإسلام فقط وإنما كان همها إضافة إلى ذلك البحث والاستقصاء عن الإنسان أولاً (الانطلاق من معرفة الإنسان) وعن الكون الذي يحيط بالإنسان ثانياً (الانطلاق من المحيط الخارجي للإنسان). لذلك نرى القرآن الكريم يركز على قضية الاكتشاف عندما يقول "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". وكذلك الحديث النبوي الذي حث على هذا الاكتشاف عندما قال الرسول الكريم: "اطلبوا العلم ولو في الصين". وانطلاقاً من هذا المفهوم الفلسفي الإسلامي كان الرسول الكريم يفك أسر كافر إذا علَّم عشرة صبية من المسلمين.‏


نستطيع أن نقول إذن بأن الحضارة العربية الإسلامية لم تكن استمراراً لتطور حضاري سابق على الرغم من أنها كانت قد تأثرت بالخط العام لمسيرة الحضارات السابقة، وإنما كانت "طفرة" أو "انعطافاً" أو "حدثاً ثورياً" في تاريخ الحضارات الإنسانية. من هنا فإن ما توصلت إليه هذه الحضارات من خلال دراسة الظواهر الإنسانية والطبيعية إنما يستحق الروية والدراية والتأمل والعمق.‏


ومن الظواهر التي وقفت عندها الفلسفة العربية الإسلامية ظاهرة "اللغة". وعندما نقول "اللغة" لا نعني اللغة العربية فقط وإنما "اللغة" التي ينبغي أن تكون كونية، كلية، شاملة، صالحة لكل زمان ومكان حسب المفهوم الفلسفي العربي الإسلامي. إنها "اللغة" التي هي ركن أساسي من أركان الحضارة العربية الإسلامية. من هنا فإن خدمة العرب والمسلمين لهذه "اللغة" لم تنطلق من المفهوم القومي للغة وإنما انطلقت من المفهوم الإسلامي الكلي والإنساني والشمولي. فكما أن الإسلام هو الحل الوحيد لمشكلة الإنسان على هذه الأرض حسب المفهوم العربي الإسلامي فإن اللغة العربية هي اللغة التي يجب أن تحمل كل المعارف التي حصل عليها الإنسان ويريد أن يحصل عليها، وذلك من أجل حل مشكلاته في هذا الكون. إذن المفهوم العربي الإسلامي اعتبر "اللغة" ظاهرة عربية كونية كلية. لذلك أقدم العرب والمسلمون على دراستها انطلاقاً من هاتين السمتين: السمة القومية والسمة العالمية أو الكلية. وما بحثه العرب في "اللغة" كثير جداً ومتعب جداً، ولكن يمكن حصره بما يلي:‏


أ-أصوات اللغة العربية:‏


1-الفيزيولوجية –النطقية (النحاة والأطباء العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وابن سينا في كتابه أسباب حدوث الحروف).‏


2-الفيزيائية (علماء الرياضيات العرب أمثال الحسن بن الهيثم والخوارزمي).‏


3-السمعية –الدماغية (علماء التجويد أمثال الشاطبي ومكي بن أبي طالب القيسي وعلماء الموسيقى أمثال زرياب وإبراهيم الموصلي).‏


فقد درس العرب والمسلمون الظاهرة الصوتية دراسة نطقية –فيزيولوجية ودراسة فيزيائية ثم دراسة سمعية دماغية، ولكن معلوماتهم حول هذه الظاهرة جاءت مبعثرة لا يجمعها منهج أو نموذج واحد متماسك.‏


ب-تراكيب اللغة العربية:‏


وهذا كثير عند النحاة العرب أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه والكسائي والفراء والشراح الذين فصلوا ما أتى به هؤلاء المتقدمون أمثال ابن يعيش وغيره. ويُعد كتاب سيبويه "الكتاب" منطلق التحليل النحوي العربي في تاريخ الدراسات النحوية التركيبية. وفي اعتقادي أنه لو استطاع العرب فهم كتاب سيبويه فهم رواية ودراية وعمق لنبشوا حقائق نحوية من هذا الكتاب لا تقل أهمية عن الحقائق النحوية التي أتى بها عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي ولكن هذا يحتاج إلى جهد كبير جداً ليس هناك مؤشرات لحوافزه، في مناخ الدراسات اللغوية العربية المعاصرة.‏


ج-دلالات اللغة العربية ومعانيها:‏


ونجد هذه الدراسات في أعمال البلاغيين العرب الذين كانوا يتحدثون عن معاني اللغة العربية ودلالاتها في إطار البلاغة "الممنطقة" أمثال الجرجاني والسكاكي والقزويني وغيرهم. ولعلنا نجد بعض النظرات الدلالية العميقة في أعمال النحاة العرب عندما كانوا يتحدثون عن تراكيب اللغة العربية ونحوها. وهذا كثير عند ابن يعيش في كتابه "شرح المفصل". ثم إن دلالات اللغة العربية ومعانيها أخذت حظاً كبيراً من الدراسة على أيدي الفلاسفة وعلماء المنطق العرب والمسلمين أمثال الفارابي وابن سينا والتوحيدي وابن حزم الأندلسي وابن رشد وغيرهم، حتى أن هناك نظرات دلالية عميقة جداً مبعثرة هنا وهناك ولاسيما في أعمال المفسرين العرب والمسلمين الذين تناولوا القرآن الكريم والأحاديث النبوية تفسيراً وشرحاً.‏


د-ارتباط اللغة بالمجتمع:‏


ونجد مثل هذه الدراسات عند الجاحظ في مؤلفاته جميعها ولاسيما "البيان والتبيين" و"الحيوان" وكذلك نجد بعض هذه الدراسات حول العلاقة بين اللغة والمجتمع عند بعض الشعراء في نثرهم أمثال أبي العلاء المعري في "رسالة الغفران"، وكذلك نجد هذه الأعمال عند من بحثوا في قضية اللغة العربية واللهجات المتفرعة عنها وأنظمة التفرع وضوابطه.‏


هـ-ارتباط اللغة بفيزيولوجية الإنسان وبيولوجيته:‏


وهذا نراه عند المؤلفين العرب الذين بحثوا في قضية الأمراض اللغوية والتطور اللغوي عند الإنسان ولاسيما عند الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين".‏


و-نشأة اللغة واللغات:‏


وهذا الموضوع تناوله المؤلفون العرب إجمالاً لأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأصل الإنسان عندما خلقه الله تعالى ليكون خليفته في الأرض. ومن المؤلفين العرب الذين تناولوا هذا الموضوع ابن جني في "الخصائص" وابن فارس في "المجمل" و "المقاييس"، ثم نراه عند بعض الفرق الفلسفية كالمعتزلة مثلاً. ولكن هذه الدراسات اللغوية التي قام بها العرب والمسلمون إنما هي دراسات إنسانية مستطردة لم تبن على نماذج معينة تخضع لنظريات علمية تجريبية مثبتة اللهم إلا في مجال الصوتيات والنحويات والدلاليات وحتى هذه تحتاج إلى غربلة "علمية" صارمة.‏


5-الصلة بين التراث اللغوي العربي واللسانيات:‏


لا أجد حرجاً في أن أكرر، هنا، شيئاً كنتُ قلته، وسأبقى أقوله، هو أن صلة القربى ليست فقط بين التراث اللغوي العربي واللسانيات، وإنما هي موجودة أصلاً بين التراث اللغوي العالمي واللسانيات. هذه الحقيقة هي قانون علمي للظواهر الحضارية، ذلك لأن اللسانيات لم تنشأ في فراغ لتخدم في فراغ، وإنما هي شيء لاحق لشيء سابق. فعملية التأثير والتأثر موجودة، ليس بين اللسانيات وبين الدراسات التي سبقتها، وإنما بين الظواهر الحضارية كلها.‏


ولكن السر في تقدم الظواهر الحضارية بعضها على بعض إنما يكمن في حقيقة مفادها أن الشيء اللاحق يجب أن يكتشف جديداً لم يكن في السابق. هذا هو سر تقدم العلوم الإنسانية والطبيعية، وسر تقدم الحضارات في تاريخ الإنسان.‏


اللسانيات، بصفتها علماً، جاءت من أجل تبني صيغة علمية بمفهوم العلم الفيزيائي، وذلك من أجل معرفة كيفية عمل اللغات البشرية بدقة وضبط وموضوعية مطلقة، وذلك للاستفادة من نتائج هذه المعرفة اللغوية وتوظيفها في مجال الحضارة والتكنولوجيا المعاصرة. ولكي تستطيع اللسانيات أن تكون علماً قائماً برأسه مستقلاً عن بقية العلوم الإنسانية والطبيعية الأخرى، فلابد لها من أن تستفيد من المعارف والنظرات اللغوية والتراثية سواء أكانت عربية أم غير عربية.‏


وهكذا فإن المعارف اللغوية الموجودة في التراث الهندي والبابلي والإغريقي والروماني والعربي ثم جهود الباحثين في القرن الثامن والتاسع عشر إنما كانت معارف لغوية مهمة جداً للسانيات.‏


ولكن فضيلة التراث اللغوي العربي تأتي من حقيقة أن الأيديولوجية الحضارية العربية الإسلامية كانت أعلى في الوتيرة الفكرية وأنفذ في الرؤية المستقبلية. لذلك كانت استفادة اللسانيات من التراث اللغوي العربي أكثر من غيره على الرغم من أن بعض الباحثين اللسانيين الغربيين لا يعترفون بهذه الحقيقية، ذلك لأن حجتهم هي أن التراث اللغوي العربي إنما هو انعكاس وحفظ للتراث اللغوي الإغريقي إلا في بعض فرضياته الدلالية الجديدة.‏


على أية حال، لقد أثبت باحثون لسانيون غربيون معتدلون ومنصفون (أمثال روبنز وتشومسكي وكوك) تأثر اللسانيات الحديثة بالتراث اللغوي العربي وذلك عن طريق وسائل مختلفة سواء أكانت مباشرة (الاطلاع على التراث اللغوي العربي باللغة العربية) أم غير مباشرة (عن طريق ترجمة أعمال النحاة واللغويين والبلاغيين العرب إلى لغات أجنبية كثيرة وخاصة اللغة الألمانية).‏


إن الفكرة الرئيسية في قانون البحث العلمي هي أنه لا سابق دون لاحق ولا لاحق دون سابق، وكل من ينكر هذا القانون العلمي إنما نظرته إلى الظواهر هي نظرة شخصية وليست نظرة موضوعية. لنأخذ على سبيل المثال عالم اللسانيات الأمريكي نوم تشومسكي فسوف نجد برهاناً على ما نقول. فعلى الرغم من أن هذا العالم قد رفض كل شيء أتت به البنيوية، ولكنه في صميم أعماله التوليدية والتحويلية إنما هو بنيوي. إن ما فعله تشومسكي هو أنه قلب البنيوية رأساً على عقب وأتى بشيء جديد لم تلتفت إليه البنيوية وهو دراسة "اللغة" على أنها ظاهرة فيزيائية –رياضية- آلية- بيولوجية تعمل داخل الدماغ البشري. أنت ترى ظاهرة معينة منذ مدة وأنا أرى الظاهرة نفسها الآن، ولكن رؤيتي لهذه الظاهرة يمكن أن تكشف شيئاً جديداً لم يسترع انتباهك أنت. ولنقل ما نقول: أهي الوسائل البدائية التي استخدمتها ولم تجعلك تكتشف هذا الشيء الجديد أم أنه القصور في التحليل العلمي لهذه الظاهرة؟‏


المهم في الأمر هو "الاكتشاف الجديد"، هذا هو سر اللسانيات الحديثة التي اكتشفت في اللغات البشرية أشياء جديدة لم تستطع الدراسات اللغوية القديمة اكتشافها وذلك بسبب ظهور التكنولوجيا الحديثة والأساليب العلمية المذهلة. ما تفعله اللسانيات هو أنها تأتي إلى اللغات البشرية كافة، تفككها وتحللها قطعة قطعة لتكشف وظيفة كل قطعة لغوية وكيفية توزعها في النظام العام. وهكذا فإنها ستكشف أن هناك نظاماً معيناً فتسجله، ثم تنتقل إلى قطع لغوية أخرى لتدرس وظيفتها وتوزعها ضمن النظام العام، وهكذا دواليك. فمن خلال هذه الدراسة تتكون عند اللساني أنظمة كثيرة حول الظاهرة اللغوية. وهذه الأنظمة لابد لها من نظام معين من أجل ضبطها.‏


إن الفكرة الرئيسية هنا هي أن اللساني ينطلق من الجزء لينتهي بالكل. الجزء هو اللغات البشرية كلها. الكل هو أنظمة هذه اللغات البشرية وقوانينها. إن الجزء والكل هما اللذان يعطيان اللسانيات الحديثة شرعيتها لتكون علماً قائماً برأسه.‏


في التراث اللغوي القديم (عربياً كان أم غير عربي) لم تكن هناك وسائل علمية سريعة لفحص اللغات البشرية كلها وتحليلها ومعرفة سر حركيتها وعملها من أجل أن نستفيد منها تقنياً وتكنولوجياً، وإلا فكيف يمكننا الآن وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصمم آلات تكنولوجية (مخابر صوتية) أو حاسبات الكترونية (كومبيوتر) لتلائم مثلاً لغتين أو لغات عدة من أجل أن نقوم بعملية الترجمة الآلية كما هو الحال في مشروع لغات السوق الأوربية المشتركة؟ ثم كيف يمكننا وبفضل اللسانيات الحديثة أن نصوغ جميع اللغات البشرية صياغة رياضية صوتياً وتركيبياً ودلالياً؟. لم يكن هذا الأمر ممكناً في القديم ذلك لأن إمكانات فقه اللغة أو الدراسات اللغوية القديمة إمكانات بدائية تتلاءم مع العصر الذي أفرزها.‏


هذه الحقيقة العلمية تؤيد حقيقة أخرى فلسفية كان وضعها الفيلسوف اليوناني القديم هيرقليطس وهي "انك لا تستطيع أن تستحم بماء النهر مرتين". من هنا فإنه من الخطأ العلمي أن نحمّل التاريخ الحضاري وزراً فوق وزره. لندع التاريخ الحضاري يفرز حقائقه من الواقع والزمن الذي كان يعايشه دون أن نسقط عليه حقائق معاصرة لرغبة قومية أو نزعة دينية أو تحمس عاطفي.‏


والخلاصة أن الدراسات اللغوية القديمة هي دراسات إنسانية (علاقة اللغة بالإنسان الذي يتكلمها). وبهذا فإنها في الغالب دراسات شخصية (Subjective) شارحة كيف يمكن للصفات المهمة للغة أن تكون لها علاقة في أنا (كشخص). أما الدراسات اللغوية الحديثة أو اللسانيات فهي دراسات علمية (علاقة اللغة ببعضها بعضاً). وبهذا فإن هذه الدراسات أكثر موضوعية (Objective) شارحة كيف يمكن للصفات المهمة للغة أن تكون لها علاقة ببعضها بعضاً.‏


الدراسات اللغوية القديمة تبدو وكأنها تستخدم معيار السببية (لماذا مثلاً تحدث صفات نحوية معينة في اللغة؟ وكيف يجب على هذه الصفات النحوية أن تعمل؟). وبالمقابل فإن اللسانيات الحديثة تبدو وكأنها تستخدم معيار الماهية (فهي تسجل الحقائق الملحوظة للغة فقط دون محاولة شرحها. وإذا كان هناك شرح لساني فإنه عبارة عن الشرح الذي يتناول العلاقة بين الحقائق الملحوظة للغة وبين النظرية اللسانية العامة والتجريبية). الدراسات اللغوية القديمة خلطت بين مستويات التحليل اللغوي فهي لم تميز بشكل دقيق هذه المستويات وتفرزها عن بعضها بعضاً لكي يكون التحليل أكثر دقة وموضوعية. أما اللسانيات الحديثة فقد فصلت بين مستويات لسانية عديدة مكّنها من اكتشاف العملية اللغوية وكيفية عملها ووظيفتها.‏


إن حقيقة فهم الناس للدراسات اللغوية القديمة إنما يعود إلى التاريخ الثقافي الذي حمل التراث اللغوي القديم من جيل إلى جيل وعلى مدد زمنية طويلة وعريضة، ذلك التاريخ الذي صبغ الدراسات اللغوية القديمة بالتيارات الفلسفية والنفسية والدينية والبلاغية والنقدية والأدبية. ومن جهة أخرى فإن اللسانيات الحديثة هي وليدة العصر وليس لها تاريخ ثقافي طويل وعريض. أضف إلى ذلك أن اللسانيات حاولت جهدها أن تصرف النظر عن المناقشات الجدلية النفسية والمنطقية والميتافيزيقية العقيمة وأن تركز على الوصف والشرح اللغويين المبنيين على الوصف التجريبي للغة.‏


وبكلمة أخرى؛ إن اللسانيات الحديثة هي استمرار للخط الحضاري الحديث ذي الطابع العلمي التكنولوجي الذي يجعلها مرتبطة بالعلوم الطبيعية والتقنية الصارمة كالفيزياء والبيولوجيا والحاسبات الإلكترونية والرياضيات. أما الدراسات اللغوية القديمة فإنها استمرار للخط الحضاري القديم ذي الطابع الإنساني الذي يجعلها تدور في فلك العلوم الإنسانية كالأدب والنقد والفلسفة والتاريخ.‏


وهكذا فإن الفرق بين الدراسات اللغوية القديمة وبين الدراسات اللسانية الحديثة هو الفرق بين الهدف الإنساني والهدف العلمي.





مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 48 - السنة 12 - تموز "يوليو" 1992 - المحرم 1413

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-08-2009, 12:56 AM   #43
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

التمثل المعرفي اللغوي وإشكالية التقيس في الترجمة الآلية[1]



د.عز الدين غازي

المعهد الوطني للنباتات الطبية، جامعة محمد بن عبد الله ، فاس ، المغرب.

تقديم:

سأسعى في ورقتي هذه، إلى تقديم المقاربة الحاسوبية المعرفية الآلية دون غيرها من المقاربات التي تعالج الأشكال الرمزية والتمثلات المعرفية ، نظراً لارتباطها الوثيق بما تعرفه الهندسة المعلوماتية من تطور كبير . فهذه المقاربة قبل أن تكون وسيلة لمراقبة صحة الافتراضات التي طرحت حول طريقة اشتغال السيرورة المعرفية (processus cognitif)، فإنها تقوم أساساً على تقييس الدماغ البشري باعتباره جهازاً مادياً كما أنها تقوم على نمذجة جميع السيرورات الإدراكية العصبية المعرفية. غايتها بناء نظام آلي ذكي من مرتكزاتة الأساسية خوار زم الفهم الاصطناعي في مقابل الفهم الطبيعي، يحاكي النظام الصوري المزود بقدرات معرفية وأخرى لغوية، تعرف بالكفاية اللسانية، التي تعمل وفق سيرورة دما غية وذهنية. وذلك من خلال التركيز على تمثلات المعارف القابلة للحساب وعلى قواعد الحساب (التمثيل المنطقي).

إن الغاية المثلى من وراء عملية التقييس (simulation) هذه، هي وضع الحلول الممكنة لمسألة فهم العلامة وإدراكها ثم إنجازها على مستوى الآلة الذكية. وهذا ما اجتهد فيه العلماء وكرسته أبحاث المعلوميات الرمزية والذكاء الاصطناعي .حيث توصلت إلى اقتراح حلول جريئة بطرح الأساليب المتطورة في مجالات كثيرة وذات أهمية مثل معالجة اللغات الطبيعية وفهمها وخاصة ما يتعلق منها بميدان فهم النصوص وترجمتها آليا. وقد أدى هذا إلى وضع إطار صوري لبناء آلة مترجمة (Machine Translation) قادرة على نقل النصوص من لغة مصدر إلى أخرى هدف بقليل من المشاكل والمعوقات. وهذا ما جعل فهم النصوص في العملية الترجمية عمل من صميم السيرورة الإدراكية التواصلية المعقدة . فهي تعود إلى الوضعية الفردية العامة لحالة ذهن الذات المترجمة ( الكفاية النفسية) قائمة أساساً على الاستعدادات الإدراكية ( قدرات الذاكرة والتخزين والحفظ ودرجات التعامل مع النصوص من حيث درجة تعقد أنماط الخطابات ) وعلى الاتفاقات الثقافية والإستراتيجيات الاستدلالية والإستنتاجية للقراءة .ذلك ما يتيح إمكانية التأويل المضاعف للخصائص السيميائية لعناصر النص المنطقية والإحالية .

فإذن، تقوم فكرة التقييس على ما ذكرنا في النظام الصوري الطبيعي موظفة أساليب معلوماتية كتحليل عناصر النص المصدر إلى أجزاء صغرى أو وحدات للدلالة ( متواليات) يتعرف عليها النظام الآلي وهذا يعني استقبال النص الأصلي بتطبيق جميع مراحل الفهم الآلي للغة: بداية من المحلل الصرفي إلى المستويات اللسانية الأكثر تعقيداً ، كالمستوى الدلالي والتداولي. بعد ذلك يتم توليد النص الهدف جملة جملة ويحدد لكل جملة بنيتها، وفق تمثل بيني (interface ) يستطيع نقل التمثيل الصوري بحساباته المنطقية الخوارزمية إلى الآلة.

في هذا العرض سأركز على كيفية تمثل المعرفة ومحاولات تقييس السيرورة الإدراكية لدى الإنسان من جهة، ومن جهة ثانية سأعرج على التمثل الآلي للمعرفة اللغوية من خلال التطرق إلى جهازين صمما لهذا الغرض هما : جهاز (ATN ) وجهاز( SOAR) كانتا بمثابة بداية تجريبية للفهم وللترجمة الآليين . حاولا أن يلامسا خصائص التمثيل الدلالي لنص اللغة الطبيعية وذلك باستدعاء قواعد المعرفة كحل لتقبل الصيغ الصورية للمعارف والتمثيلات المنطقية في أنظمة الآلة المترجمة باعتبارها تعمل وفق الخبرة البشرية.

1 . تمثل المعرفة ومحاولة تقييس السيرورة الإدراكية والمعرفية:

مفهوم التمثل: مما لاشك فيه أن لهذا المفهوم حضور قوي في حقل علم المعرفية ، فهو إلى جانب تميزه بدرجة عالية من العمومية والتجريد فإنه يتصف بصيغه وأشكاله المختلفة موزعة على باقي فروع العلوم المعرفية . وهذا المفهوم يتقاسم اتجاهين رئيسيين: أحدهما الموقف القائل بالتمثلات المبنية أي تلك الموجودة على هيأة كيانات فيزيقية مبنية وعبارة عن بدائل جزئية محملة بقيم رمزية داخل مجموعات ثقافية تندرج ضمن سياقات تواصلية ودلالية (معارف في مجال المعلومات)، لأنها تقوم على إنجاز حسابات وإيجاد إجابات صادقة واقعياً(الإحالة) ومتماسكة داخلياً (البنية اللسانية). وثانيهما التمثلات الطبيعية القائمة على نظام بيولوجي ومحيطي ،وفي هذا إقرار بدور التمثل في ترميز المعلومات والاحتفاظ بها قصد استدعائها وتشغيلها عند الاقتضاء (د. الغالي أحرشاو ود.أحمد الزاهر(1999)). ويتخذ التمثل، شكلا وتنظيما، درجتين من التجريد: الأولى عالية وتتم بصورة أو هيأة وحيدة، والثانية تتحقق وفق أنماط مختلفة وظروف استعماليه متعددة. نشير هنا إلى أن سمة التمثلات تشكل الإطار الطبيعي لتقريب الباحثين في العلوم المعرفية ذلك أنها قابلة للتغير باعتبارها منفتحة على مفاهيم تقييسية للسيرورة المعرفية " المنفذ المعرفي" ككائن مادي قابل لامتلاك المعارف ومعالجتها ( LeNy 89) .

و بحسب مظاهره مفهوم التمثل المتعددة يمكن الجمع بين الأنظمة الطبيعية و الاصطناعية في آن معاً، ففي علم النفس المعرفي مثلا نجد نماذج التمثل الذهني ( الذي مهد، طبعا، لما بناه المهندسون من أنظمة خبيرة لمعالجة المعلومات بكيفية عقلانية ) قد تطورت لدى الفرد عبر تجربته وخبرته الخاصة فتكونت لديه أنماط داخلية مضمرة عن محيطه ومشاكله وأكدت الأبحاث التجريبية استخلاصها للخاصيات العامة للتمثلات كبنيات حافظة للمعلومات بشكل مجرد ومختصر ومن ثم إمكانية التعديل والتوجيه في كياناتها بحسب ما تقتضيه الذاكرة وهذا ما يجعل الذهن البشري قادرا على معالجة أشكال وأنظمة مختلفة للمعلومات عن طريق القياس أو التمثلات القضوية اللغوية ( الغالي أحر شاو 99 ) .أما في الذكاء الاصطناعي المتميز بتقنياته المعلوماتية المتطورة ( هندسة المعارف والمناهج الحدسية في البحث وتقنيات التمثيل ) فقد وظف التمثل كتقنية لتمثيل الكيانات المرمزة كالتعرف مثلا على الأصوات مجزأة إلى وحدات جد صغيرة ( متواليات الرموز الأصواتية ) وتقدم على النظام دون أن تفقد شيئاً من معلوماتها نفس الشيء بالنسبة للنصوص. هذا ما استدعى لبناء أنظمة الترجمة التزود بإجراءات تقنية كالصوت والصورة وقواعد بيانات معجمية والترجمة المنطقية وآلة الاستدلال (inférence) ونظام المراقبة (contrôle) إلى غير ذلك من أساليب المعلوميات الرمزية للذكاء الاصطناعي (عزالدين غازي(2007)) فكل تمثل هنا يخضع للتعبير التصريحي للمعارف ما دام مرتبطاً ، على الأقل في البداية ، بمجالات معينة ( الأنظمة الخبيرة في مجال الفضاء أو الطب مثلا ). وما يميز هذا التمثل القائم على المعرفة هو تشغيله للقوة الحسابية الكبيرة. ومما لاشك فيه ، أن أساليب الذكاء الاصطناعي هذه قد اعتمدت في بنائها على تقييس الشبكة العصابية الحيوانية المعقدة . إذ أن كل نشاط إدراكي حسب علم العصاب يستلزم تنشيط التمثلات المخزنة في الذاكرة ، كما تنشط هذه التمثلات بالموازاة مع النشاط الإدراكي الناتج عن المثير. وتعتبر الصلات بين وحدات الذاكرة أهم خاصية منظمة للشبكة الدلالية أقام عليها مهندسو الشبكة العصابية الاصطناعية نموذجهم حيث اعتبروا العقد المخفية خوارزمات تعالج المعلومات المدخلة عبر عقد الدخل وأخرى أقاموها للخرج قصد توليد المعارف.

إن توظيف هذا النموذج ساعد علماء اللسانيات والمهندسين على حد سواء في فهم كنه السيرورة اللغوية نفسها فاعتبروا محتوى التمثل بنية صورية حاملة لدلالة معينة ، أي كعلامة ما ، ولذلك حينما ينتج المتكلم جملة أو يؤولها دلاليا فإنها غالبا ما تتطلب مرحلة زمنية لتنشيط التمثلات الدلالية والوصول إلى تأويل البنية اللغوية .

إن عملية تفسير الخطاب اللغوي (مهما كانت الإجراءات المتخذة لمعالجته) يكتنفها الغموض واللبس الدلالي والتداولي. و استدراكاً لهذه المسألة صمم مهندسو المحللات الآلية للغة أنظمة خبيرة تعمل (تقييساً) وفق الخبرة الإنسانية . ورغم صعوبة عمل هذا الجهاز على الأقل في الوقت الراهن ، يلح الإختصاصيون دوماً، على تطوير مجموعة من النماذج التي تستطيع التعامل بذكاء مع المعطيات اللغوية المعقدة وأذكر منها جهازين هما :

ا- جهاز شبكة الانتقال المعززة( Augmented Transition Networks ) باعتباره نظاماً من البرامج المستعملة لتحليل وتفسير الجمل والنصوص بواسطة الحاسوب ، وباعتباره كذلك بنية صورية مكونة من مجموعة من السبل والطرق التي يسلكها معالج الحاسوب، في كل عملية، وتكون هذه البنية بشكل أدق ، من مجموع الحالات التي توجد عليها الآلة ومن مجموع الانتقالات التي تطابق التحولات بين هذه الحالات .

إن العملية الأساسية التي ينبني عليها هذا النظام ، هي توفره على معلومات مخزنة ومجزأة ومرتبة بشكل دقيق في ذاكرته ، تمكنه من فحص وتفسير المعلومات الداخلة إليه باعتبارها جملا ونصوصاً ، كما يستطيع هذا الجهاز وصف تنظيمها ووصف السيرورات التي تمت بواسطتها هذه العملية ( بنعيسى زغبوش ، عبد النبي.سفير، مططفى بوعناني (1997 )) .

وبما أن النظام متوفر على قاموس مخزن في الذاكرة وعلى برمجي متطور يستطيع التعرف بنسبة عالية على سلسلة الحروف وعلى مجموعة من القواعد ، إضافة إلى محلل صرافي وآخر نحوي ( على شكل شبكة تنطلق من معالجة البنية السطحية فقط) فإنه يقوم عند استقبال سلسلة من الكلمات بمجموعة من عمليات المقارنة ، فإذا قبل النظام هذه السلسلة فإنه يخلص إلى نتيجة معينة. أما إذا رفضها فإنه يخبر المستعمل بعدم صحة السلسلة المُدْخَلَة(input ). بيد أن الفهم الآلي للغة يتطلب عمليات أعقد لأنه نظام من الأنشطة النفسية ، تشكل الذاكرة أحد ثوابته الأساسية. وأثناء المعالجة يخلق النظام وحدات الذاكرة المختصة ويغيرها ويمسحها .وتستخلص المعلومات المخزنة في السجلات إما من النص بعد تحويلها بواسطة قوانين أو تبنى على شكل شروحات جزئية .وهذه العملية تقابل الذاكرة البعيدة المدى لدى الإنسان ، ومن هنا يستطيع النظام تكوين ميتا- معرفة (méta-connaissance ) يحفظها أيضا في سجلات معينة .وأهم ما يميزه أيضاً هو توظيفه للذاكرة كي يحتفظ معالجه بالنقطة التي خرج منها من الشبكة ليدخل إلى أخرى ، وبالنقطة التي فيها ،باختيار معين، من بين مجموعة من التعليمات الممكنة.

ب - نظام( SOAR) :وهو نظام لحل المشاكل طوره كل من نيوويل و لارد و روزنبلوم ليصبح برنامجاً حاسوبياً كان اقتراحاً لما ذهبوا إليه في نظريتهم المعرفية. ومفاد ذلك، أن كل معالجتنا المعرفية تتدخل في النهاية في بعض صيغ حل المشاكل .وتصميم هذا النظام ، هو في حقيقة الأمر، إجابة عن هذه الصيغ، بالقيام بالمهام المعرفية التي أنيطت به ، من خلال تطبيق مجموعة من قواعد حل المشاكل وذلك ببرمجته بقواعد منطقية مثل ( إذا ....إذن ) وباستعمال القواعد الحدسية المشتركة بين الأفراد . فإذا حصل أن واجه الحاسوب عائقاً معيناً فإنه يشكل أهدافاً فرعية لتجاوز هذا العائق عن طريق مراجعة كل القواعد واختيار الملائم منها .وعندما يصل إلى هدفه الفرعي يخزن الحل على شكل قاعدة ( إذا ... إذن ) جديدة .وهنا يتعلم هذا النظام بنفس الطريقة التي يتعلم بها الإنسان لحل المشاكل التي لم يصادفها من قبل .وإذا كان المشكل من قبيل ما واجهه فإنه يستخرج المعلومات المتوفرة لديه ولا يقوم بحل المشاكل من البداية بل من النقطة التي يراها ضرورية. ويبقى هذا المشروع محاولات عقود عديدة لتقييس العمليات الإنسانية بواسطة الحاسوب. (عزالدين غازي (1999) ).

ج- الترجمة الآلية : إن معالجة اللغات الطبيعية بواسطة الحاسوب ،كما يعتقد بعض المهتمين تستدعي توظيف مفهوم الخوار زم لتتم عملية وصف ميكانزمات اللغة التركيبية الشكلية ، وهذا ما يعني ضرورة تطوير أنحاء صورية قابلة للاستعمال على شكل خوارزمي يشبه إلى حد ما لغات البرمجة الاصطناعية . نجد في هذا المضمار جهود كل من الرياضيين واللسانيين و المناطقة مجتمعة ومتكاملة ، إذ استفادت منها أبحاث معالجة اللغات الطبيعية وتطبيقاتها، وظهرت إثر ذلك نماذج أكثر تعقيداً وأكثر تطوراً لتقييس اللغة ، فحينما صمم الحاسوب الرقمي خلال الأربعينات بدأت المحاولات الأولى للترجمة الآلية بإنشاء قاموس آلي ثنائي اللغة يساعد على إيجاد الكلمات والتراكيب النحوية المتكافئة من لغة إلى لغة أخرى .وقد أفضت هذه الأبحاث التي تناولت المتكافئات الزوجية بين اللغات ، أو بالأحرى إلى ما أطلق عليه " القواعد التقابلية " إلى الفشل النسبي الذي منيت به هذه الدراسات يرجع بكل تأكيد إلى أن الترجمة الآلية لم تستند إلى طريقة عمل الذهن البشري الذي لا يقوم بنقل الرموز فحسب وإنما يدرك المعنى ويعاود التعبير عنه .فلو استندت الأبحاث إلى السيرورة الذهنية للإنسان وإلى الطريقة التي ينتهجها في الترجمة ، لفقدت الطريقة التقابلية الكثير من أهميتها لصالح نظرية للترجمة تقوم على المعنى بالدرجة الأولى . (دانيكا سيليسكوفيتش (1993) ) .إذن ، فالمعنى أساس الترجمة لأنها وضع بين ثقافتين استدعاه التواصل الإنساني لفهم النص والتعبير عنه بإدراكه وتأويله ، وهذا هو شأن المترجم الذي يكون تارة قارئا يدرك وتارة كاتبا ينقل إرادة القائل الأساسية. وتكمن جمالية الترجمة، كما تقول سيليسكوفيتش، في أنها صلة وصل بين مقولة الكاتب وفهم القارئ .وفهم النص إنما يثير العمليات الإدراكية ذلك أن الإدراك الفردي لايتوقف عند الحدود السطحية للنص وإنما يتوغل إلى الأعماق الهرمنطيقية له حيث أن إنتاج عملية الفهم تصاحب السيرورة الإدراكية المعقدة ، وهذا يعود إلى حالة الفرد الذهنية والاستعدادات المعرفية والاتفاقات واستراتيجيات الإستدلال والقراءة بالإضافة إلى ما يندمج فيها من عناصر ثقافية واجتماعية وعاطفية ...(ز.ي.شميت (1995)).

2 . التمثيل الدلالي في الترجمة الآلية وأشكاله:

على الرغم من المجهودات القيمة ، التي قامت بها الترجمة الآلية في أول عهدها فإنها قد طرحت مجموعة من المشاكل اللغوية ذات طبيعة دلالية وتداولية وتأويليه ( كريستيان فلوهر (1996)) . ذلك أن المشكل الرئيسي الذي تواجهه أنظمة الترجمة الآلية هو مشكل الغموض الدلالي. و هذا مشكل مطروح في جميع اللغات وفي جميع المستويات وخاصة ما يتعلق بتحديد الدلالة وإسنادها الذي يلعب دوراً مهما في البحث النصي والترجمة الآلية . ولذلك أصبح من المؤكد بناء أنظمة الترجمة المتعددة اللغات (MLTS) يقوم بتحليل المادة اللغوية تحليلا معجمياً وتركيبياً ودلالياً مع معادلة هذا التحليل في اللغة الهدف . يستقبل الحاسوب عناصر المادة اللغوية ويحللها إلى أجزاء خطابية ( مكونات صرافية و/أو صوتية ومعجمية دلالية ) ثم تخضع للعمليات الخوارزمية بتطبيق القواعد المخزونة في ذاكرته وتوليدها في لغة هدف.

وإذا كانت ما بين المدخلات والمخرجات أشكال وسيطة عبارة عن " تمثيلات للمعنى" فإن المستوى الدلالي في الفهم الآلي سيطرح كمعيق أمام هذا التمثيل ، ولهذا حاولت أنظمة آلية بناء تصورات خاصة عن ماهية الدلالة ، يحدد بلاك هنا مظاهر مختلفة لها تتجلى في دلالة التمثيل (المعنى القضوي) ذات الارتباط العضوي مع بنية القضية المنطقية التي هي جملة دلالية ،فهي ذات طبيعة أساسية في نظرية المعنى والدلالة المرجعية التي تحدد هوية الوحدات اللسانية تداوليّاً ( التعريف والنكرة في اللغة) هذا علاوة على ما قد يطرحه الإطناب الذي عادة ما يقوم بتجديد المستوى التعبيري للقضية المنطقية الواحدة وبطرق مختلفة واضحة مما و يؤمن اللبس الذي يكتنف بعض البنيات اللسانية المعقدة مثل تلك المركبة والمتلازمة.وفي هذا تحديد للمعنى تحديداً دقيقاً يكون ملائماً للبنيات المعجمية والتركيبية، كما يدقق أيضا المعنى في السياق التداولي (.J Black (1988)) لما قد يطرحه من تواردات ومصاحبات لغوية.

إن استدعاء المستوى الدلالي في الفهم الآلي للنصوص عند الترجمة الآلية أو الُمسعَفة بالحاسوب أصبح أمراً لا مفر منه لامن لبس بنيات لغوية عسيرة على الفهم والإدراك الطبيعي قبل أن تكون في متناول الآلة. فما تروم إليه المقاربات الحاسوبية ولاسيما الدلاليات الحاسوبية هو بناء نموذج للدلالة يكون قادراً على الوصف الدقيق لعلاقة " العالم الواقعي" باللغة ومن ثم جعل الآلة تدرك هذا العالم وتتصوره وفق تمثيلات ذات أنماط وبنيات تركيبية (1996Clarck R.) مما يجب على المحلل التركيبي أن يقبلها بمرونة تامة، إذ لا يعقل أن تكون بنية لسانية ذات تمثيلين منطقيين متماثلين واضحة ، لذلك وجب كما ذكرنا أعلاه وصف أنماط للغموض الدلالي طبقا للمرجعية والجمل القضوية الحاملة للأسوار المنطقية وغموض معنى الكلمات. وفي هذا الصدد وظف ج. بلاك التوابع المفهومية باعتبارها شكلا لتمثيل الدلالة ( بواسطة رسم مؤلف من أربع مقولات تصف الوحدات هي : "مولد الصور" و"محول الصور" و"الأفعال المفهومية الأساسية" و"محولات الأفعال") .

إن الدلاليات الحاسوبية تضمن عمل خوار زم النظام الذي يجب أن يكون مزوداً بإطار قوي يجمع بين الشكل اللساني والمحتوى الدلالي والتمثيل المنطقي لهما ، وهنا يكمن دور التمثيل الرابط ين اللغة والتأويل .

و الترجمة الآلية كمعالجة النصوص في حاجة أكثر إلى التأويل الدلالي الذي يرتبط كذلك بالمكونات الصغيرة التي تساعد في البحث النصي كتقنية المصطلحية وتقنيات لسانية أخرى دقيقة تشكل قواعد لوقائع أساسية في بنية المعارف .إن تدخل المستوى التركيبي-المعجمي تقتضيه أنظمة الترجمة ذلك أنه يرفع الغموض عن بعض المركبات والتعابير المتسمة باللاتأليف وبالتعتيم الدلالي، وهذه لها دور كبير في الترجمة الآلية إن عولجت علاجًا وافيًا ( د.محمد الحناش (1992) ) .إن مسألة التعرف على الكلمة في السياق أو خارجه تتطلب التفريق للتدقيق في مستوياتٍ عديدة من التحليل (analyse)، وهذا يعني أن للبنيات المدخلة هنا أنواع مختلفة وجب تحديدها وتصنيفها بدقة، لهذا نجد مثلا، ما يتعلق منها بالعلاقات بين المركبات مثل : فعل+ اسم1 (ظرف+صفة..) +اسم 2( فظلة)، هذا إضافة إلى متغيرات كثيرة تكون ذات أهمية كبيرة في تحديد الدلالية. ..فكل مقولة أو صنف يفرض نوعا من المعالجة بحسب بنيتها وعلاقاتها ( فالقطعة قد تعني فاكهة أو نقداً أو أرضاً مثلا) .إن التصنيف يقتضي بحسب ما يعترض نجاح الترجمة تمثيلا صريحا لقواعد النظام اللغوي المعالج ، كأن نمثل بالكتابة ( نحو البنود المحددة ) أو بالطريقة الشجرية حيث يمكننا في كل عقدة أن نجري تعديلا ما على العناصر بغية النفاذ إلى المعنى المراد من البنية المعدة للترجمة.

لقد حاول مجموعة من مهندسي الأنظمة الخبيرة أن يضعوا نظاما للترجمة متعدد اللغات يشتغل بخوارزميات تتلاءم مع المعطيات والخصائص اللسانية،مراعاة لكل قضية دلالية وتركيبية.كما تساعد المعاجم الآلية والمتخصصة على اشتقاق وتوزيع المتواليات الصرفية بخاصة في اللغة المنطلق حيث تتقاطع مع اللغة التمثيلية العميقة للوصول إلى مرحلة التوليد.هذا وإن ظهور فعل معين في النص المصدر بحيلنا للتو إلى العناصر الصورية المؤلفة معه ويساعدنا على التعرف على البنية الملائمة في النص الهدف . إن رفع الغموض التركيبي والدلالي يحتاج إلى أدوات لسانية و تقنية دقيقة ومتقدمة ( كريستيان فلوهر) .

ا –التمثيل المنطقي منهج لتمثيل المعارف: إذا كان التمثيل هو ربط المحتوى اللساني الحامل للمعرفة بالصور المنطقية التي تسند إلى الإحالة والأبعاد النفسية ، فإن وظيفته أساسا تنحصر في العمل التقني ، لذلك ولأجل نقل المعرفة إلى الصور الرمزية المنطقية لابد من الاستعانة بالاستدلال وبالأساليب المنطقية ، كمنطق القضايا ومنطق المحمولات من الدرجة الأولى ... هذا وتنقسم صيغة تمثيل المعرفة إلى طبيعتين مختلفتين هما :

1 – بنية المعطيات لتمثيل المعلومات.وتتعلق أساسا بالمعرفة المراد تمثيلها.

2 – منهجية استغلال هذه المعلومات ، وتتجلى في ميكانزمات الإستدلال الذي يسمح بوصف ومعالجة معلومات ومعارف جديدة وهنا يكمن الفرق بين قواعد المعرفة وقواعد المعطيات التي تصنف المعلومات ظاهريا فقط .

ويعتبر دور تمثيل المعرفة هاما في بناء ما يسمى بالشبكات الدلالية باعتبارها رسما يمثل المفاهيم مما يترك للاستدلال المجال الواسع ببحث ميكانزمات التسلسلين الخلفي والأمامي والتعرف على القواعد انطلاقا من المقدمات إذ كل قاعدة منها جزء من المعرفة التي نريد تمثيلها. وتعرف هذه القواعد بقواعد الإنتاج، وتمثل عادة ببنية " إذا ...إذن" أو " إذا كان...عندئذ " وهي قواعد لتوصيف المعرفة وتمثيلها. ومن الإختبارات الرئيسية للتمثيل نقل الدلالات والعبارات ، وبما أن الترجمة ستضطلع بمهمة هذا النقل فعلى الآلة المترجمة أن تكون مجهزة بخوار زم هذا التمثيل .

إن دور التمثيل المنطقي هو دور منهجي أساسا لصورنة الدلاليات زمكانياً ومعجمياً وتداولياً و تمثيلا للمعارف . إنه عمليات حسابية صورية . ويمكن تلخيص أنواع الصيغ المنطقية في العملية الآلية كما يلي:

1 – البرهنة الآلية وهي تفعيل لعملية الاستدلال وقد ساهمت بكثير في تطوير تقنيات البرمجة المنطقية و منطق الجهة والمنطق الشرطي ..

2- منطق تمثيل المعارف والاستدلال : ويصلح عادة لتعيين بعض أنواع المعلومات و الاستدلال وكذلك الأنواع المختلفة للمعارف وصيغ الاستدلالات .

3- المنطق باعتباره وسيلة من وسائل الذكاء الاصطناعي ويتعلق الأمر بالمنطق المحلل للمتن و المساعد على نمذجة العمليات اللغوية أو حتى المساعدة على حل المشاكل .

يتبين انطلاقا من هذه المعطيات المنطقية أنه لا يوجد حل منطقي محدد ، ولذلك اهتدت الأبحاث في الذكاء الاصطناعي إلى اعتماد طريقة الحدس لحل المشاكل ، وهذا البحث أقل تكلفة وأكثر سرعةً واختصاراً . وهكذا ، إذن ، يتم اللجوء وفق هذا المنهج إلى قاعدة معرفة قصد حل المشاكل المطروحة تكون مبرمجةً بلغة من لغات البرمجة الاصطناعية وهذا ما يسمى بآلة الاستدلال .ويمكن تمثيل المعرفة بسهولة بواسطة لغة بر ولوج حيث لا تستخدم رموزاً رقمية بل تستخدم لغةً هيكليةً لجملة حقائق حول الموضوع المعالج مثال :

إذا كان الجو مستقراً
وكان الجو صحواً

إذن سيكون الجو جميلا

بعدد قليل من المعارف لايمكن لنظام كهذا أن يقدم على حل المشكل إلا في حالة ما إذا كان الجو مستقراً . وفي حالات أخرى تغيب فيها المعرفة الكاملة لا يستطيع النظام القيام بالاستنتاج .وأهم ما يميز برامج الذكاء الاصطناعي هو الفصل التام بين قاعدة المعرفة ونظام معالجة هذه المعارف ، ولذلك فإن نظامه يتكون من ثلاث مكونات رئيسية هي الاستنتاج والمراقبة والمعارف.

ب- أنظمة قواعد المعرفة أساس جودة برامج الترجمة الآلية : تعتبر قواعد المعارف حجر الزاوية بالنسبة للعديد من التطبيقات ، وتعتبر الترجمة الآلية إحدى هذه المجالات الأساسية التطبيقية . وإذا كانت الأنظمة الآلية للترجمة لم تستطع حل بعض المسائل فإنما اعتمدت على مورد وحيد هو المعلومات .فقد اثبتت التجارب أن قواعد البيانات الضخمة لم تحل كثيراً من المشاكل والمعوقات التي تطرح عادة كمثل تلك التي ذكرناها أعلاه. لذلك وجب الإقتداء بحكمة البشر وخبراتهم ومعارفهم في مواجهة المشاكل وطرح بدائل الحلول لها وتقويمها والتصرف أمام المواقف الطارئة .

لهذا الغرض ظهرت الأنظمة الخبيرة القائمة على قواعد المعرفة التي يتم اكتسابها عند بناء الأنظمة من مصادرها مباشرة وبصورة منهجية منطقية مُداوِمة التحديث وذات قدرة على التعلم الذاتي من خلال تفاعلها مع ما تتناوله من مشاكل وما تتلقاه من معلومات وخبرات. ولذلك فإن هذا الأسلوبَ فعالٌ في تحديث أنظمة الترجمة الآلية وتيسير تطبيقاتها .

وتمثل الخطاطة التالية تمثيل المعرفة في الترجمة الآلية وهي عبارة عن خوار زم يمثل العلاقات القائمة بين أصناف النصوص المماثلة بين اللغات الطبيعية كما يلي في هذه الترسيمة :




اللغة المصدر اللغة اللغة الهدف




التمثيل التحليلي المصدر الهدف التمثيل المولد

تمثيل المصدر التمثيل تمثيل الهدف

إن أنظمة الترجمة المتعددة اللغات قد عملت على تحقيق نسبة مهمة من النتائج رغم ما اعترضها من مشاكل ، ذلك أنها اعتمدت قواعد المعرفة لبناء أنظمتها .فهذا نظام (MMT) الياباني يوظف القاموس الآلي القائم على قاعدة المعرفة المتكونة من قواميس معجمية للغات وكذلك قاموس تمثيلي يصف المعارف المتعالقة والتصورات مع إيراد سلمية للتصورات. تستعمل الموسوعة التي تصون مجموع الخصائص الوراثية ببنية التمثلات لتجريد وصورنة المعارف في مستوى قاعدة المعارف .( تاكنوري مكينو(1996)). ففي هذا المشروع تم تطبيق إجراءات مكونة من خمس قوالب وهي : قواميس معجمية متضمنة لمعلومات صرافية وأقسام الكلم ومعلومات تركيبية ومعلومات تضم قواعد الصياغة بين المعجم والمعرفة وقاعدة المعارف التي تشمل المعلومات المعرفية المتعلقة بالإجراء الدلالي وتنجز القوالب الخمسة المذكورة تحليل وتوليد الجمل باستعمال مصادر لغوية معينة.

خاتمة :

لقد حاولت قدر المستطاع من خلال هذا العرض المقتضب عن إشكالية التقييس في الترجمة الآلية وتداعياتها التمثلية المعقدة أن أطرح المقاربة الحاسوبية التي تتجلى في أنظمتها الذكية المتطورة وكذا ما يطرحه التمثيل الدلالي في أنظمة الآلة المترجمة ، وخلصت إلى أن على الآلة أن تدخل في اعتباراتها الهندسية المسارات اللغوية المعقدة وخاصة الدلالي منها ومستويات المعارف الإنسانية والأنساق الثقافية حتى تتمكن من بناء تمثل قائم على المعرفة بغية إنشاء نظام يقوم بالتمثيل الدلالي للجمل في اللغات الطبيعية فاتحا المجال للأنظمة الآلية للترجمة وللتعبير بكيفية متطورة عن المعارف البشرية في سائر مستوياتها. وأن لا تقتصر الترجمة الآلية على نوع معين من النصوص بل يجب أن توسع دائرة اهتماماتها وتلف في حقلها اللغة المجازية المعقدة وكل مستويات التأويل والهرمونطيقا.

مراجع البحث :

v أحر شاو الغالي ، أحمد الزاهر. 1999 ." مفهوم التمثل في العلوم المعرفية " مجلة معرفية ، عدد مزدوج 2و3.صص : 3-18.

v الحناش محمد.1992. "المعجم الآلي للغة العربية (قواعد البيانات ) "،مجلة التواصل اللساني .المجلد الرابع العدد الأول مارس 92.صص75-108

v زغبوش بن عيسى ،عبد النبي سفير ،مصطفى بوعناني. 1997. "نماذج البحث المعرفي ونمذجة العمليات المعرفية "،مجلة معرفية عدد 1. صص:5-37.

v سيليسكوفيتش دانيكا ، لوديرير ماريان.2001 ." الترجمة ، نقل للعلامات اللغوية أم صياغة جديدة " ترجمة محمد النحاس الحمصي نبيل ، مجلة البيان ، ع: 372و373 يوليو –أغسطس 2001 ، الكويت .صص:7-26.

v -غازي عز الدين.1999.نظام قواعد معرفة صرافي- صواتي للغة العربية :مقاربة الفعل،.رسالة دبلوم الدراسات العليا في اللسانيات . كلية الآداب والعلوم الإنسانية 1. فاس.

v -غازي عز الدين.2007 ." الذكاء الاصطناعي ، هل هو تكنولوجيا رمزية؟" مجلة فكر للعلوم الاجتماعية والإنسانية العدد 6 يوليوز 2007. صص43 82.

v فلوهر كريستيان.1996 ." الترجمة الآلية والمساءلة المتعددة اللغات " مجلة التواصل اللساني ، ملحق سلسلة ندوات ، المجلد 3 .1996 .صص:31-36.

v مكينو تاكنوري .1996." الوضع الحالي للترجمة الآلية " مجلة التواصل اللساني .ملحق سلسلة ندوات ، المجلد 3.صص: 37-52.

v AFIA ( l’Association Française pour l’Intelligence Artificielle). 1999.2000.2001. Bulletins. n° 39 à 44.

v Black ,W.J. 1988 .Les systèmes intelligents basés sur la connaissance , Traduit de l’anglais par H..de Feraudy. Paris. Edition Masson

v Clarck ,R ,1997. Semantics for computers , Laboratoire d’analyse et de technologie du langage .Notes techniques n° 93/9 .Genève .

v Kayser ,D.1998. Les représentations , Paris ,PUF.

v LeNy,J.F . 1989. Sciences cognitives et compréhension du langage , Paris , P.U.F.

v Reig , Daniel.1993. «Les mirages de sens et la traduction automatique » in Turjuman, V 2,n°1, avril 1993.pp : 7-44.

v Roderick,C.J , Johnson Rosner Michael.1992.”Situation Schemata and Linguistic Representation “ in Computational linguistics and formal semantics. Edited by Michael Rosner and Roderick Johnson.Combedge University Press.

v Schmidt, S.J.1995. « From. Comprehension To Translation » in Traduction et interprétation du textes , faculté des lettres Rabat, série : colloques et séminaires n° 47.pp :59-87.

v Vignaux,George.1992. Les sciences cognitives, une introduction , Paris, Edition La découverte..

[1] هذه المقالة هي في الأصل ورقة قدمت في "ندوة الترجمة وثقافة النص " المنظمة من قبل المنتدى المغربي للمصطلحيات والترجمة والجمعية المغربية لأساتذة اللغة الإنجليزية.وذلك يومي 12 و13 نونبر 2001 بالمعهد الجامعي للبحث العلمي بالرباط.


مجلة واتا للترجمة واللغات، السنة الثانية، العدد 5، شتـاء

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-08-2009, 07:11 PM   #44
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

3- اللسانيات التطبيقية applied linguistics فنّ حديث ظهر في بعض جامعات أمريكا منذ منتصف القرن العشرين، ثمّ بدأ ينتشر في جامعات عالمية، وقد اختلف الباحثون في تحديد مصطلح اللسانيات التطبيقية، فقد عرّفه الدّكتور عبده الراجحي بأنّه " يمثل استعمال ما توفر لنا عن طبيعة اللغة من أجل تحسين كفاءة عمل علمي ما، تكون اللغة العنصرَ الأساسَ فيه بحسب تعريف " كوردر " ،
اللسانيات التطبيقية ميدان تلتقي فيه معارفُ مختلفة تتناول اللغةَ بالبحث والمعالجَة، ميدانٌ أو فنّ ذو روافدَ متعددة تُمدّه، وتُستثمَر نتائج هذه الروافد في تحديد المشكلات اللغوية ومعالجتِها.
من روافد اللّسانيات التطبيقية ومصادِرِها :
- اللسانيات العامة: وفائدةُ اللسانياتِ العامّة في أنّها تُفيدُ اللسانيات التطبيقيةَ بما تقدّمه لها من وصف منهجي
- و اللسانيات النفسية، وفائدتُها في ما تقدّمه من اهتمام بالسلوك اللغوي للفرد وخاصة ما يتعلّق بالاكتساب اللغوي والأداء اللغوي أو الإنجاز، والأنسقة اللمعرفيّة
- واللسانيات الاجتماعية، تقدم المعلومات الضرورية عن حركية اللغة في المجتمع وأوجه التفاعل والتّواصل اللغويين بين المتكلم والمستمع
- والبيداغوجيا أو علوم التربية ، تهتمّ بنظرية التعلم، وما يدور في فلَكِها من قضايا التعلم، والإجراءات التعليمية، والوسائل التعليمية...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
انظر:
- علم اللغة التطبيقي وتعليم اللغة العربية، د.عبده الراجحي، دار المعرفة الجامعية-الاسكندرية
- دراسات في علم اللغة التطبيقي / نظرية التبعية في التحليل النحوي، سعيد حسن بحيري، دار الفكر العربي، القاهرة
- في علم اللغة التطبيقي، محمد فتيح، دار الفكر العربي، القاهرة
- القاموس الشامل لمصطلحات علم اللغة التطبيقي، محمد فوزي محيي الدّين، دار الثّقافة، الدّوحة
- معجم علم اللغة التطبيقي/انكليزي- عربي، الخولي، مكتبة لبنان، بيروت

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-08-2009, 07:13 PM   #45
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

- علاقة اللسانيات بالترجمة:
- اللسانيات دراسة علمية منهجية للظاهرة اللغوية وووصف لبنياتها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية والمعجمية والتداولية، لمعرفة قوانين حركيتها ووظائفها
- والتّرجمة فنّ نقل المعاني من لغة إلى أخرى مع الحفاظ على خصائص اللغة المنقول إليها
- والجامع بينهما أنّ اللسانيات تمدّ فن الترجمة بمعرفة خصائص اللغات وما تشترك فيه وما تختلف فيه و تُمدّها بالتقنيات اللغوية لنقل المعاني
التّرجمة تستعين باللسانيات في معرفة بنيات اللغات وخصائصها ومميزاتها، ومعرفة قضايا التواصل بين اللغات والتّقريب بينها

2- قد نتساءل: كيف يمكن أن تتدخل الترجمة لتعميم اللغة ونشرها وتدويلها ؟
تسعى التّرجمة إلى إرساء خصائص لغة وسطى أو قنوات دلالية موحّدة تعبر فيها المعاني بسهولة ويسر، ولكن هذه القنوات أو الجسور الموطِّئة لعبور المعاني لا يمكن أن تمتدّ بين اللّغات إلا بعد إنشاء معجم دلالي واصطلاحي في كل اللغات، حيث تحلّ كلّ لغة مشكلات إيجاد المصطلحات للمفاهيم المتداولة بكثرة في عالمنا الرّاهن وإيجاد العبارات الجاهزة للتعبير عن المعاني المتردّدة على الأسماع في الميادين السياسية والثقافية والاقتصادية...
وعندما تتأسس هذه المعاجم في اللغات الخاصّة يسهل على الترجمة آنذاك أن تنقل المعاني والمفاهيم والتصورات من لغة إلى لغة، وبسرعة فائقة كما هو الشّأن في الترجمة الفورية

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-08-2009, 07:14 PM   #46
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

علم اللغة التقابلي أو اللسانيات التقابلية :
علم مقارن، يقارن بين لغتين أو أكثر تنتمي إلى فصيلة لغوية واحدة، أو فصائل مختلفة، والغرض من دراسته هو استكشاف المشاكل اللسانية التي تعترض طريقَ متعلمي لغة ما، وتقوم الدّراسة التقابليّة بدراسة اللغة الأولى أو الأمّ واللغة الثانية التي هي موضوع التعليم، من حيثُ أوجه الشبه والاختلاف، فهي دراسة مقارنة بين لغتين باعتبترهما مستويين من مستويات الأداء أو باعتبارِهما أو نظامينِ تواصليين.
وقد جرّ التحليل التقابلي نفعا عمليا في تطوير موادّ تعليم اللغة الأجنبية، وفي تعليم اللغة الأمّ لأبنائها، وفي تطويرِ الموادّ الدّراسية، وتحليل الأخطاء اللغوية التي يرتكبها متعلّم اللغة، وبيان أنواعها وأسبابِها

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-08-2009, 07:15 PM   #47
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

ماذا يمكن أن تقدّمَ اللسانياتُ التقابلية للتّرجمة من فوائدَ ؟ :
اللسانيات التقابلية تهتمّ بالموازنة بين خصائص اللغات، وتستخدمُ في الوصف المُقارَنِيّ مصطلحاتٍ ومفاهيمَ تخصّ دراسةَ أكثرَ من لغةٍ، إنّ اللسانيات التقابلية فضاء التقاء اللغاتِ وتقاطُعِها ، ويجد الدارس اللساني نفسَه مُلزَما بترجمة المفاهيم والمصطلحات عند انتقالِه من دراسة لغة إلى دراسة لغةٍ أخرى ، ليستثمرَ هذه المفاهيمَ في دراسة ظواهر لسانية : - كالتّعدّد اللغوي في بيئة معيّنة ، - وتعليم اللغات...
وإنّ تنقّل الدّارس اللساني بين لغاتٍ متعدّدة من أجلِ دراستِها ، يفرض عليه أن يتجاوز الحواجزَ بين هذه اللغاتِ بواسطةِ ترجمة المفاهيم والمصطلحاتِ للتمكّن من المقارنة بين اللغات، ولتشخيص مشاكل تعلّم اللغة الثانية أو الثالثة كالتّداخُل اللغوي وصراع البنيات اللغوية في نفسية المتعلّم، ولتيسيرِ الطرقِ التعليميّة وإيجاد الحلول لمشكلات تعلّم اللغات

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-08-2009, 07:17 PM   #48
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

اللسانيات التطبيقيةُ هي فرعٌ من فروع اللسانيات "أي علم اللغة"، وهذا الفرعُ يعنى بتطبيق النظريات اللغوية ومعالجة المشكلات المتعلقة باكتساب اللغة وتعليمها. كما يعنى هذا الحقل بالتحليل التقابلي بين اللغات للاستفادة منه في تحسين ظروف تعلم اللغات وتدريسها. تأثر هذا الحقل من اللسانيات بنظريات العالم اللغوي الأمريكي المعروف "ناعوم تشومسكي"، وخاصة نظرية النحو الكلي "Universal Grammar" والتي تفسر قدرة الإنسان على اكتساب أي لغة بشرية بغض النظر عن عرقه أو لونه أو معتقده أو ديانته، ومن ثم محاولة توظيف هذه النظرية في سبيل الوصول إلى فهم أكثر لعملية الاكتساب اللغوي. ويعد عقد التسعينيات من القرن العشرين هو عقد ازدهار حقل اللسانيات التطبيقية، حيث أصبح بعض الشيء حقلاً مستغلاً عن اللسانيات النظرية "Theoretical Linguistics" وأصبحت العديد من الجامعات تقدم برامج للدراسات العليا المتخصصة باللسانيات التطبيقية كما أصبح هناك العديد من المراكز والمنظمات التي تعنى بهذا الحقل كالجمعية الأمريكية للسانيات التطبيقية، ومركز اللسانيات التطبيقية بالولايات المتحدة وغيرها من المنظمات بأمريكا والمملكة المتحدة.

حقل اللسانيات التطبيقية يتقاطع مع فروع أخرى للمعرفة ومن هذه الفروع بالإضافة إلى اللسانيات، هناك علم الإنسان "Anthropology" وعلم النفس "Psychology" والتربية والتعليم "Education" وكذلك علم الإدراك "The Cognitive Science" ويحاول توظيف كل ما تنتجه فروع المعرفة هذه لصالح تعلم اللغات واكتسابها بين البشر.

إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-08-2009, 08:57 PM   #49
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

النظرية الثقافية الأجتماعية وتوظيفها في اللسانيات التطبيقي

النظرية الثقافية الاجتماعية "Sociocultural theory" نظرية مهمة في علم النفس الارتقائي "developmental psychology" وقد تم توظيفها كإطار نظري في دراسة وفحص كثير من الظواهر البحثية في عدد من المجالات.

وهذه النظرية مبنية على الأطروحات النظرية التي قدمها عالم النفس الروسي الشهير فيغوتسكي وطلابه السوفييت مثل لوريا ولوينتيف.

ولا يتسع المقام لشرح أهم مبادئ هذه النظرية ولكن يمكن الرجوع إلى عدد من الكتب التي تشرح المبادئ الأساسية لهذه النظرية ومن أهم هذه الكتب كتاب عالم اللسانيات وعلم النفس المعرفي الأمريكي المتميز جيمس وورتش "Wertsch" الصادر في عام 1985م ضمن مطبوعات جامعة هارفرد الشهيرة بعنوان "فيغوتسكي والتشكيل الاجتماعي للعقل"

"Vygotsky and the social formation of the mind".

وكذلك كتاب عالم اللسانيات وعلم النفس المعرفي الآخر فراولي "Frawley" الصادر في عام 1997م كذلك ضمن مطبوعات جامعة هارفرد بعنوان "فيغوتسكي وعلم النفس المعرفي: اللغة وتوحيد العقل الاجتماعي والحاسوبي"


"Vygostsky and cognitive science : Language and the unification of the social and computational mind"

(ملاحظة: للمحة عن هذين الكتابين اضغط على العناوين).


وقد لقيت هذه النظرية رواجا كبيرا في عدد من المجالات بسبب ضيق كثير من الباحثين من الأساليب الكمية والاحصائية المستوردة من العلوم الطبيعية والتي تفرض على العلوم الإنسانية فرضا قد لا يناسبها، وهذه النظرية تتيح قدرا من التناول الكيفي الذي يناسب طبيعة العلوم الإنسانية بشكل أكبر (فهم هذه الملاحظة يحتاج إلى معرفة في مناهج البحث وانواعها والاختلافات الأبستمولوجية والمنهجية التي تكمن وراء تلك التنوعات).


ويأتي هذا الرواج الكبير رغم أن كتب فيغوتسكي وأبحاثه لم تترجم إلى اللغة الإنجليزية إلا مؤخرا، فأقدم ما ترجم له من كتب كان كتاب "اللغة والتفكير" "Language and thought" الذي ترجم إلى الإنجليزية في عام 1968م تقريبا، وفي مقابل هذه العناية الكبيرة والرواج الهائل لهذه النظرية في الأوساط الأكاديمية في العالم الغربي فإنها مجهولة تمام في العالم العربي رغم أن الدكتور طلعت منصور قد ترجم كتاب "اللغة والتفكير" لفيغوتسكي إلى العربية في فترة مقاربة للفترة التي تمت فيها ترجمة الكتابة إلى الإنجليزية (تمت الترجمة إلى العربية في عام 1974م) ولكنه بقي مجهولا ولم أجد أحدا يشير إلى هذه النظرية وأهميتها رغم تتبعي الشديد لذلك باستثناء الدكتور بدر الدين عامود في كتابه البانورامي بعنوان "علم النفس في القرن العشرين" الصادر عام 2001م ضمن مطبوعات إتحاد الكتاب العرب، ويمكن مطالعة الكتاب وتحميله مجانا من خلال الرابط التالي:


http://awu-dam.net/index.php?mode=bo...catId=1&id=854


فقد تطرق المؤلف في هذا الكتاب للمحة موجزة عن أهم أساسيات النظرية، ولكن لا يمكن فهم ما ذكره الدكتور لأن المفاهيم التي يتناولها لم تنضبط وتتأسس في الثقافة العربية بعد فهي لا تزال مفاهيم عائمة وغير محددة.


المهم أن هذه النظرية قد دخلت مؤخرا إلى مجال اللسانيات التطبيقية ضمن ما دخلت من مجالات معرفية، وأهم الكتب التي تعرض لدور هذه النظرية وتوظيفها في مجال اللسانيات التطبيقية كتاب لانتولف وثورن "Lantolf & Thorne" الصادر في عام 2006م ضمن مطبوعات جامعة أكسفور في اللسانيات التطبيقية بعنوان:

"Sociocultural theory and the gensis of second language development"


والدكتور لانتولف يعتبر من أبرز المنافحين عن هذه النظرية والمهتمين بتطبيقها وتوظيفها في مجال اللسانيات التطبيقية وقد قام عام 2004م بجمع قائمة ببليوغرافية لأهم الأبحاث المنشورة في الدوريات العلمية في هذا المجال ونشرها على الإنترنت، وهذه القائمة مفيدة جدا للذي يريدون الرجوع إلى تلك الأبحاث والاستفادة منها فيما يقومون به من أبحاث وواجبات جامعية، ويمكن الرجوع إلى هذه القائمة ومطالعتها من خلال الرابط التالي:


http://language.la.psu.edu/aplng597f/VL2BIB.html

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-08-2009, 11:12 AM   #50
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: دروس في اللسانيات الحديثة

مدخل لفهم اللسانيات إيبستمولوجيا أولية لمجال علمي


ملحق ثقافي
11/3/2008م
علي محمد إسبر
لم يحقق علم اللسان العام استقلاليته الفعلية إلا في النصف الثاني من القرن العشرين ذلك أنّ الدراسات اللسانية افتقرت بادىء الأمر إلى هوية تحددها بوصفها علماً مستقلاً،


غير أن النزعة التركيبية التي وسمت الأبحاث اللغوية استطاعت أن تنهض بالمحاولات المنهجية في هذا المنحى إلى مستوى العلم. والحق يقال إنه لولا الجهود المضنية التي بذلها عالم اللغويات السويسري الشهير فرديناند دي سوسير (1857-1913) لما حظيت أبحاث اللغويات بهذا الاهتمام العالمي المنقطع النظير. ومرد ذلك إلى أن دي سوسير أثار إشكالية فائقة الأهمية بَل حوّل هذه الإشكالية إلى مبدأ أساسي في نظرته إلى اللغة . وهذا المبدأ هو «اللغة نظام لايعرف غير نسقه الخاص به». وبذا أطلق دي سوسير النزعة البنياوية وحققت انتشاراً واسعاً، لكن النزعة البنياوية المعاصرة لم تكن محصلة فقط لآراء دي سوسير، بل ساهم في ذلك ثلاثة علماء لسان من روسيا هم: «س. كارشفسكي»، و« ن.تروبتسكوي» ،و« ر.ياكبسون»، وقد كان لهؤلاء العلماء الأفذاذ قصب السبق في استخدام كلمة «بنية» والدعوة إلى استعمال «منهج صالح للتمكين من اكتشاف قوانين بنية النظم اللغوية وتطورها » هذا إلى أنهم هم الذين قدحوا شرارة دائرة براغ اللغوية سنة 1929 . ولئن كانت النزعة البنياوية في اللغة تحقق نوعاً من التمايز عن الدراسات اللسانية إلا أنها كانت أساس تطورها. والحقيقة أن أغلب الترجمات العربية لكتب اللسانيات متأثّر إلى حد بعيد بالنزعة البنياوية إلا أننا نجد الآن توجهات نحو ترجمات مؤلفات لسانية من اتجاهات أخرى . وعلى أي حال فإن علوم اللسان صارت الآن متنوعة جداً وحتى متباينة من حيث اختلاف النظريات والآراء والمناهج. ومن هنا تأتي أهمية كتاب « روبير مارتان» .«مدخل لفهم اللسانيات» . وآية ذلك أن مارتان يريغ إلى أن يكوّن تصوراً متكاملاً مُتسقاً حول هذا الموضوع معوّلاً في ذلك على خبرته المعرفية وهو أحد أهم أعضاء المعهد الأكاديمي الفرنسي بالإضافة إلى أنه أستاذ اللسانيات العامة واللسانيات الفرنسية في جامعة السوربون.وقد رامَ مارتان أن يستنبط من النظريات المتنوعة في هذا الصدد ما هو ثابت في مقابل المتحول وهذا يتجلى في أمور أساسية مثل: «غاية اللسانيات ، وموضوعها، والقضايا التي تتناولها، والمسالك التي تتوخى لدراسة اللغة والألسن ، وكذلك ما أصبح لهذا الفن من فروع وتطبيقات» . والواقع أن هذه الأمور الاساسية هي التي دفعت المترجم عبد القادر المهيري إلى نقل كتاب مارتان إلى اللغة العربية «علّ القارىء العربي يجد فيه ما يمهّد له معرفة ماهية اللسانيات وقضاياها ومناهجها». وعموماً يهدف مارتان إلى أن يُظهر للقارىء الغايات التي يضعها عالم اللسانيات نصب عينيه أو أصناف الأسئلة التي يثيرها وتقتضي أجوبة معينة حتى لو كانت هذه الأسئلة جدّ عويصة ما يفضي إلى محاولة تبيان مختلف الطرق التي يقصدها اللساني (عالم اللغويات) ليقدم أجوبته المنشودة. وهذا لايعني أن المؤلف تعمد استخدام منهجية لاتتساوق مع قدرات القارىء العادي وإنما أراغَ إلى بسط مفاهيمه بطريقة لابد أن تنسجم مع القارىء الجاد من حيث إمكان فهم المقصود تماماً. ويحاول مارتان أن يقدم فكرة واضحة عن «عُلومية اللسانيات» أي عمّا يتصل بتداخلاتها وأهدافها ومناهجها. ويُعنى مارتان بإظهار أنه لايُقيّض لأي مثقف أن يكون لسانياً وسبب ذلك أن قدرة المرء التي تتجلى في مَلَكَة استعمال اللغة لاتكفي لجعله لسانياً، وقد يكون من الممكن أن يقدر انسان ما على استعمال لسان من الألسن بطريقة نادرة مثل الخطيب المفوّه أو الكاتب الكبير ويمكن له أيضاً أن يتقن عدداً كبيراً من الألسن لكن كل هذا لا يتيح له أن يكون لسانياً. وهنا يثور السؤال التالي: من هو اللساني ؟ والجواب «اللساني هو الذي اكتسب معرفة عن الألسن وعُني بوظيفة اللغة» لكن هذا لايؤول إلى أن اللساني انسان أعلى لأنه كما يؤكد مارتان كلما تقدم الباحث في اللسانيات سوف يدرك مجالات جهله وأنّ معرفته ليست بهذه السعة التي يتخيلها البعض وإنما هي تقتصر على جانب جدّ بسيط. فالمعرفة اللسانية يكتنفها الغموض بل هو جزء منها أو كما يقول النفري: «المعرفة التي مافيها جهل هي جهل ما فيه معرفة». ولاشك أن صعوبة الدراسات اللسانية تعود إلى وجود «آلاف الألسان» التي تحكمها الكثير من الفروقات ويُعطف على هذه الصعوبات صعوبة أُخرى وهي أن مجال عمل اللساني محدود واللسانيات تحتاج إلى تقاطع اختصاصات متعددة. وعلة ذلك أنّ اللساني إذا أراد دراسة «النطق» فإنه لايستطيع ذلك إلا إذا كان قد ضربَ بسهم وافر في حقل الفيزيولوجيا وآية ذلك أنّ الأصوات التي تقرع أسماعنا ناتجة بواسطة الهواء الملفوظ وحتى في هذه الناحية يوجد الكثير من التأويلات التي تتعلق بعوامل أنثروبولوجية هذا إلى أن اللسانيات تتداخل مع علم الأعصاب، فاللسان عضو مرتبط بالدماغ ويخضع لتأثيرات سلبية مصدرها دماغي. وكذلك فاللسانيات ترتبط بعلم الاجتماع لأنّ اللسان محصلة اجتماعية وأيضاً علم النفس له نصيب في هذا الاتجاه ، لأن الانتاج اللساني يستند على الملكات النفسية كلها. وهذا الفهم للأمور يقتضي أن يكون اللساني إنسكلوبيدياً يلم من كل شيء بطرف. وهذا التعقيد الشديد في اللسانيات يماثله تعقيد آخر يرتبط بميادين اللسانيات سواء في الاتجاه الوصفي أو النظري أو العام أو التاريخي أو التطبيقي. وينظّر مارتان حول أصل اللغة منتقلاً من المستوى اللساني إلى ميدان التفكير الفلسفي، فيؤكد أن الألسن لايمكن أن تكتسب إلا بالتدرّب لكن هنا تظهر مفارقة وهي أنّ وظيفة اللغة نفسها هي التي تجعل من التدرّب أمراً متاحاً وهذا يؤول إلى إمكان أن تكون اللغة فطرية بنسبة كبيرة. وهنا يظهر دور هام لعلم مثل علم الإحاثة الذي قد يقدم مساعدات قيمة ها هنا . ولاشك أن هذا الكلام الذي يقوله مارتان يعود بنا إلى اللغويين العرب القدماء من أمثال الثعالبي صاحب كتاب «فقه اللغة وسر العربية»،والسيوطي الذي قدّم مؤلفاً هاماً هو « المزهر في علوم اللغة وأنواعها» والسكاكي صاحب «مفتاح العلوم» . إلخ.. والواقع أن هؤلاء العرب الأفذاذ انشغلوا منذ زمن طويل بمشكلات اللغة ودخلوا في مُساجلات حول أصل اللغة كما يفعل مارتان الآن. وطرحوا سؤالاً هاماً جداً حول أصل اللغة هو: هل اللغة وقف أم كسب؟ أي هل هي فطرية أم مكتسبة وقدموا آراء في غاية العمق فكانوا الرواد الأوائل لهذا النوع من الدراسات. وهنا لانريد الوقوف على الأطلال، لكن الهدف أن نشير وهذا يكفي.‏‏

الكتاب: مدخل لفهم اللسانيات‏‏

المؤلف: روبير مارتان‏‏

ترجمة : د. عبد القادر المهيري . مراجعة : د. الطيب البكوش‏‏

الناشر: المنظمة العربية للترجمة‏‏

يقع الكتاب في 239 صفحة من القطع الوسط.‏‏

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
إبيستيمولوجيا اللسانيات في الثقافة العربية الحديثة إبراهيم براهيمي مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى 3 01-12-2012 01:33 AM
كيف نستفيد من اللسانيات الحديثة لخدمة الأمازيغية؟ إبراهيم براهيمي مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى 3 31-10-2012 06:58 PM
إشكالية المنهج في اللسانيات الحديثة إبراهيم براهيمي مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى 9 25-09-2012 08:28 PM
اللسانيات العربية الحديثة - نحو مقاربة إبستمولوجية - إبراهيم براهيمي مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى 3 22-09-2011 01:20 AM
إشكالية المنهج في اللسانيات الحديثة الألسني الجبوري مكتبة علوم اللغة العربية المصورة 5 06-09-2011 08:59 AM


الساعة الآن »09:55 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd