روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب *** لا يسمح بوضع الإعلانات في المكتبة، وسنضطر لحذف الموضوع وحظر صاحبه مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > قسم المكتبة الأدبية > المكتبة الأدبية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 30-04-2017, 01:34 AM   #1
نبهات
مشرفة ( وفقها الله )
 
الصورة الرمزية نبهات
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 16,597
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رمز الحب والرحلة في القصيدة الصوفية الجزائرية

بسم الله الرحمن الرحيم
رمز الحب والرحلة في القصيدة الصوفية الجزائرية
سعيد المنداسي الجزائري نموذجا
الأستاذ: الطاهــر حسيني
جامعة الوادي/ الجزائر
Amour, vol, du vin, des sujets qui ont figuré en bonne place dans les collections des poètes arabes, a également pris la même place dans la poésie des soufis, qui avaient eux un moyen d'exprimer leurs pensées dans l'adoration, et le voyage, et le vin après Tabauha en fonction de leurs idées de spiritualité, de même devenir Ces sujets ont une incidence signes et de symboles, pas FAFSA décodé, et ne connaît pas sa signification, mais le lecteur attentif familiariser avec la nature des soufis, et la méthode d'exprimer leur amour, et le fait que leurs vols. Sur la base de tout cela, et à partir de la prémisse que tous les amoureux qui aime les voyages. Cet article vient de se tenir soufis cherchent à aimer et à ce qu'ils ont, comme un stand symbolique sur l'amour et sa relation avec le voyage dans la poésie soufie du produit de Mohammed Said Algérie Almndasi.
ملخص:
الحب ، الرحلة ، الخمر ، من الموضوعات التي أخذت حيزا كبيرا في دواوين الشعراء العرب ، كما أخـــذت نفس الحيز في شعر المتصوفة ، الذين اتخذوا منها وسيــــلة للتعبير عن أفكارهم في العشق، و الرحلة ، و الخمر بعد أن طبعوها بما يناسب أفكارهم الروحانية ، حتى غدت هذه الموضوعات عندهم تحمل دلالات و رموزا ، لا يفك شفرتها ، و لا يعرف دلالتها ، إلا قارئ فطن على دراية بطبيعة المتصوفة ، و طريقة تعبيرهم عن عشقهم ، و حقيقة رحلاتهم . انطلاقا من كل ذلك ، و من منطلق أن كل حبيب إلى من يحب يرتحل . تأتي هذه المقالة لتبرز نظرة المتصوفة إلى الحب و ماهيته عندهم ،كما تقف على رمزية الحب و علاقته بالرحلة في الشعر الصوفي انطلاقا من نتاج محمد السعيد المنداسي الجزائري .
لا يختلف اثنان أن موضوعة الحب تتمركز كبنية أساسية من البنيات التي بنيت عليها القصيدة العربية، و سيطرت على مضامينها، حتى غدت تقليدا من تقاليدها، يجسده ما يعرف بالمقدمة الغزلية التي صمدت طويلا أمام محاولات التجديد و التغيير. لقد أخد شعر الغزل حيزا كبيرا في ديوان العرب، ما جعله يتبوأ مكان الصدارة بين الموضوعات المتعــــــــــــــــــــــددة التي اشتهرت بها القصيدة العربية ،كما أخذ مكانته كذلك في أشعار و آداب الأمم الأخرى .
و شعر الغزل كما نعلم، يصور فيه أصحابه عاطفة الحب، ما يعني قيمة هذه العاطفة و خطورتها في حياة العربي و الإنسانية جمعاء، فالحب هو سر هذا الوجود، به تسعد البشرية ، و بدونه تشقى؛ أعني هنا ذلك الحب السامي، الذي ينطلق من الأنا و يتجه نحو الآخر، ليبني معه عالم البشرية المنشود، الذي تنمحي فيه صور الكراهية، و تترسخ فيه صور المحبة، تلك المحبة التي ترقى بالبشرية إلى صورة المخلوق المثالي العاقل، الذي تنشده الأديان، و يسعى إليه الإنسان ، فليس عجيبا أن تدعو لمثل هذا الحب الشرائع السماوية، و تنــــــــــادي به القوانين الوضــــــــــعية، و ليس عجيبا أيضا أن نجــد البعض >> يبررون خلق العالم بالحب مستندين في ذلك إلى الحــــــــــــديث القدسي " كنت كنزا مخفيا لم أعرف ، فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فــبــــــــــي عرفوني " باعتبار أن الخلق ناشئ عن المحبة << 1 .
من الطبيعي إذا ، أن يشغل هذا الحبالبشر جميعهم، فمثلما نظم فيه الشعراء، كتب فيه الأدباء ، وتحدث عنه الفلاسفة و الصالحون و الفقهاء، و علماء النفس و الاجتماع، و حتى علماء الدين و الأطباء، كل نظر إليه من زاوية نظر خاصة به، تبعا لثقافته و اتجاهه الفكري و حضارته، و طبيعة تكوينه و عقيدته، فهذا ابن حزم الأندلسي و هو >> رجل سياسة و فقه و قانون << 2 ، يعرف الحب بأنه >> اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع << 3 . و مثل هكذا تعريف مثلما نلاحظ، فيه من العمق ما يجعله أقرب إلى النظرة الفلسفية، و هي النظرة التي تتعمق أكثر عند الجاحظ، الذي يسمو بالحب إلى العشق الذي يرى أنه مما لا يمكـــــــــــــــن دفعه، و لا التحكم فيه، فهو يستولي علـــــــــــــــــــــتتى من أصيب به، فيضعف عوده، و يشحب وجهه، و يسلبه إرادته؛ إذ >> هو داء يصيب الروح ، و يشتمل على الجسم بالمجاورة ،كما ينال الروح الضعف من البطش ، و الوهن في المرء ينهكه، و داء العشق و عمومه في جميع البدن بحسب منزلة القلب من أعضاء الجسم. و صعوبة دوائه تأتي من قبل اختلاف علله، و أنه يتركب من وجوه شتى ... فالعشق يتركب من الحب و الهوى، و المشاكلة و الإلف، و له ابتداء في المصاعدة ، و وقوف على غاية ، و هبوط في التوليد إلى غاية الانحلال و وقف الملال<< 4.
إن الحديث عن الغزل في الشعر العربي، يحتم علينا التمييز بين أنواعه من حيث مضمونه، و دلالة موضوعه، فهناك الماجن الذي يتحدث عن المرأة من غير خجل و لا حيــــــــــــــــــاء، يصفها و ينقل تفاصيل صورتها، ولا ينظر إليها إلا كجسد و مادة ،لا يهمه منها إلا تحقيق اللذة، و إشباع الغريزة الحيوانية. و هناك غزل عفيف يتحدث إلى المرأة، متذللا شاكيا آلامه، معبرا عن عواطف سامية طاهرة، بكلام لا يفسد الأخلاق، و لا يتعدى الحدود.
في مثل هذا النوع من الغزل ، تسمو الأفكار ،و ترقى فيه الأحاسيس، ينظر من خلاله الشاعر إلى الطرف الآخر ممثلا في المرأة ، على أنها رمز النماء، ومنبع العطاء ، بها يستمر الوجود، وعليها تقوم الحياة،و قد يتجاوز شعراء الغزل التعبير عن المشاعر و الأحاسيس ، >> إلى التعبير عن فلسفة الوجود و الحياة، ليصبح النسيب في حقيقته، و في جذوره النفسية اللاواعية، مظهرا من مظاهر التوق إلى الخلود، بالاتحاد بالجنس الآخر لتأمين ديمومة الحياة << 5 .
من هذه النظرة الفلسفية الروحانية، و خاصة بعد ظهور الإسلام، ظهر في الأدب العربي، قوم نقلوا الغزل بألفاظه و تعابيره، بأساليبه و صوره، إلى شعر تناولوا فيه حبا آخر غير حب البشر للبشر، انه حب المحبوب فيه قريب بعيد، موجود في الوجود، لا تراه عين ولا تلمسه يد، و لا يشم مسك روائحه أنف، حب تتعلق فيه النفس بمعشوق أعظم من أن يرتبط بزمان أو مكان، إنه الحب الذي يعرف بالحب الصوفي، أو العشق الإلهي، الذي يتعذب فيه الجسد، و تتألم فيه الجوارح، لتنعم فيه الروح باللقاء و الفناء، إنه الحب الذي انطلق فيه صفوة قوم عرفوا بالمتصوفة، أولئك الذين ترتقي تعابيرهم ، و تسمو رموزهم، و إيحاءاتهم و إشاراتهم، إلى الحد الذي يجعل غيرهم غريبا عنهم، فهم في حقيقة أمرهم كما عبر عنهم الجنيد (297ه) أهل بيت واحد، لهم ما يجمعهم و يعزلهم فلا يدخل فيهم غيرهم، وهم قوم أهم ما يميزهم أنهم يعتزلون الخلق ، و يتصلون بالحق 6و لمثل هذا المعنى أشار المنداسي بقوله :
و اعتزل ما استطعت من كل انس و اجعل الله إن ظللت كفيلا 7.
لقد وظف الشعراء المتصوفة المرأة في أشعارهم الغزلية كرمز، باعتبارها قبسا من الجماليات الإلهية. وعلى هذا الأساس يصبح الحب الصوفي كما يراه المختصون في الدراسات الصوفية، يرتبط بالباطن و يبتعد عن الظاهر، يتجه من العالم السفلي في اتجاه العالم العلوي، قاصدا الذات الإلهية ليعيش في نعيم رياض المحبة، مع الأصفياء من خيار الأمة و الأولياء .
إن التعبير عن مثل هذه المعاني بطبعه، يتطلب عمقا في الفكرة و رمزا في التعبير، و هو ما لا يمكن أبدا أن تحمله لغة خطاب عادية . و عليه، فان هذا النوع من الشعر – اعــــــني الغزل الصوفي – يتطلب لغة خاصة، تتفجر فيها المعاني و الدلالات، و هو ما يحتـــم التأويل و القراءة الشاعرية العميقة، التي لا ينخدع فيها المتلقي بظاهر النص، و إنما يسعى إلى قـــــــــــــــراءة ما وراء ألفاظه و عباراته، من معان و دلالات، مستعينا و متسلحا بما يجب معرفته من طبيعة الشعر الصوفي، و مصطلحات المتصوفة، نقول هذا الكلام من منطلق أن هذا النوع من الشعر، هو شعر رمزي بالدرجة الأولى، له خصائصه الروحية السامية، و عليه، فإن أي متلق إذا لم يدرك جمالية لغته و خصائصها، و لم يعرف حقيقة التصوف و أسراره، لا شك أنه سيتيه فكره ، و يرتبك فهمه ، وبالتالي يضطرب حكمه، و قد يخرج عن حقيقة القصد، خاصة إذا لم يتوفر في النص الدلائل اللفظية أو المعنوية الدالة على التصوف8 . هذا ما جعل المتصوفة من الشعراء، يعمدون لتقديم شروح لأشعارهم، تفاديا للالتباس و ســــــــــــــوء الظن، مثلما فعل الشيخ الأكبر – كما يسميه المتصـــــــــــــــــــــــــــوفة – ابن عربي ( 638 ه ) الذي تحدث عن ديوانه " ترجمان الأشواق " في كتابه " ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق " عن المحبة الإلهية و التنزلات الروحية ، و انه نظم في " النظام " الملقبة بعين الشمس التي عرفت بجمالها و علمها، و خلقها و زهدها، و اتخذ منها رمزا أومأ به إلى الحب العلوي، و في ذلك قال:>> نظمنا فيها بعض خواطر الاشتياق ، من تلك الذخائر و الأعلاق ، فأعربت عن نفس تواقة،و نبهت إلى ما عندنا من العلاقة، اهتماما بالأمر القديم و إيثارا لمجلسها الكريم ، فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكني ، و كل دار أندبها فدارها أعني ، و لم أزل فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية ، و التنزلات الروحانية ، و المناسبات العلوية ،جريا على طريقتنا المثلى...و الله يعصم قارئ هذا الديوان من سبق خاطره إلى ما لا يليق بالنفوس الأبية، و الهمم العلية المتعلقة بالأمور السماوية .آمين << 9.
و الأكيد أن صورة المتصوفة في مخيلة العوام، كما في مخيلة الخواص، هي صورة لجماعة يطغى عليها الطابع الديني، و ربط الحديث عنهم بالحديث عن المرأة و الحب، قد يثير السؤال عن حقيقة هذا الحب، بل قد يوقع البعض في الالتباس، و لعل هذا ما يحتم الإشارة إلى ما يطمئن النفس، و يزيل اللبس، عندما نعرف أن هؤلاء انطلقوا في كل ذلك من منطلق ديني، فجاء خطابهم في الحب مرتكزا على الآيات القرآنية، و الأحاديث النبويـــــــــــــــة، فهـم يعتبرون أنفسهـــــــم من المشمولين بقــــوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ لاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾10. و يؤكدون على قوة إيمانهم بقوة حبهم لله، تناغما مع قوله تعالى : ﴿وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾11 ،كما وجدوا ضالتهم في دعاء داوود عليه السلام :>>اللهم إني أسألك حبك، و حب من يحبك، و العمل الذي يبلغني حبك ،اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي،و أهلي و الماء البارد << رواه الترمذي. هكذا يتجلى بوضوح ،أن المحبوب عند المتصوفة ليس المحبوب عند غيرهم، و المتصوفة و إن اختلفت طرق تعابيرهم، و إشاراتهم إلى من يحبون، إلا أن المحبوبين عندهم جميعهم يرتبطون بصورة أو بأخرى، بمحبوب مقدس واحد عكس ما نجده عنــــــــــــــــــــــد غيرهم من بني البشر ؛ فقد أحب امرؤ القيس امرأة، و أحب أبو جهل اللات و العزى، و مناة الثالثة الأخــرى، و أحـــــــب قارون الذهب، و أحب الرئاسة أبو لهب ، فهل نجــــــــا أو فـــــــــــــــــــاز منهــــــــــــــــــــــم أحــــــد، كلا ،لأنهم لم يحبوا من يجب أن يحب .
ما سبق من كلام، يجعل حديثنا عن موضوعة الحب في شعر الغزل الصوفي، حديثا مشروعا، بل أن هذه الموضوعة تستحق الوقفة و الدراسة، نظرا للحيز الضخم الذي تحتله في دواوين أشعار المتصوفة من الشعراء ، المعروفين منهم أو المغمورين، كمـــا هو الشأن مع المنداسي، الشاعر الجزائري 12 الذي عاش في القرن الحادي عشر، و ترك قصائد عديدة، ملحونة و فصيحة، جمع بعضها رابح بونار و أصدرها في ديوان * لـــــم يلتفت إليـــــــــــه الدارسون ، و لم يهتم به إلى اليوم الباحثون ، و مرد ذلك يعود – أغلب الظن - إلى عدم اشتهار صاحبه من جهة ، و قلة قصائده من جهة أخرى ، و رغم ذلك فإن هذه القصائد – على قلتها - تجلت فيها موضوعة الحب كبنية أساسية، باعتبارها من أساسيات القصيدة الصــــــــــــــــــوفية التي ركز عليها المتصوفة، رغبة منهم للوصول إلى عمق المخاطب ، ولفت انتباهه، عندما رأوا أن الغزل أكثر قربا من النفوس، و أكثر تأثيرا في القلوب، عليه يقبل البشر، و لأبياته يحفظون ، و بها يترنمون.
و كغيره من الشعراء الذين اتخذوا التصوف نهجا دينيا و فكريا، اتخذ المنداسي من لغة الغزل العـــــــذري و صوره ، وسيـــــــــــلة للتعبير عن حبـــــــــــه الصوفي، و كأنـــــــــــي به هو الآخــــــر، لم يستطع -كسابقيه من المتصوفة - أن يخلق تقاليد لغوية و صورا خاصة به، يعبر بها عن مشاعره و أحاسيسه و تجربة حبه نحو معشوقه .
لقد جاء الغزل، أو بالأحرى الحديث عن الحب عند المنداسي، بصورة تكاد تتطابق مع غزل العذريين، إذ سار على نهجهم، و استعار لغتهم، و جرى شعره في ذلك مجرى أشــــــــــــــــــــــــــــعارهم، فقد تأوه و تألم، تعذب قلبه و دمعت عينه ، هزل جسمه و اصفر لونه ، حرم الوصال و ذاق مرارة الذل و هوان الفراق، و بكى الأحبة و لام العذال :
كيف يسلو من كان للحب دالا و تســــــــــــــربل أنينه حيـــــــــــــــــــــث دارا
أول الأمر كان للحب جــــــــــــــــــارا فاستوى الحب بعـــــــــد ذاك فخارا
أفي شرع الهوى يعذب قــــــــــــــــلب أبـــــــــــــــــــــــــــــــدا بالديار يبكي الديارا
يا قضاة الهوى علمتم بأمـــــــــــــري أن لــــــــــي منه رقـــــــة و اصفــــــــــــرارا
ما اقتضى حكمكم علـــي فانـــي في سبيل الهوى أموت مـــــــــــــــرارا 13
لا شك أن مظاهر العذاب و الآلام التي ذكرها الشاعـــــر، تدخــــــــــــل فـــــي بـــــاب المجاهدة ؛ مجاهدة النفس من أجل ثنيها عن لذة الدنيا، و وضع حجاب بينها و بين ظاهر المتعة. ذلك ما يصر عليه المتصوفة الذين يتمتعون بهذه المجاهدة و يتلذذون ، باعتبارها تمثل عندهم أول الطريق للوصول إلى حقيقة المعشوق . فلا نتعجب إذا عندما نجد الشاعر يدعو إلى هذا العشق الصوفي ، الذي يعتبره رغم الآلام أحلى من العسل:
معشر العشاق موتوا في الهوى إن موت العشق أحلى من عسل 14
إلا انه يذكر كل سالك لهذا السبيل، أن الأمر ليس هينا، من منطلق أن المجاهدة إنما هي حرمان النفس مما تشتهيه من ملذات الدنيا، و هو ما يعني أن القلوب ستحمل حملا ثقيلا ، يتمثل في ذلك العشق الذي لا يقدر على حمل تبعاته - في نظر الشاعر- إلا أصحاب الأسرار من المتصوفة.
هذه المعاني ألمح إليها الشاعر بقوله:
قل لأهل الغرام أنا سنلـــــــقي للقلوب الرقــــــــــــــــــــــــــــاق قولا ثقيلا 15
و لا يخفى علينا ما في البيت من تناص قرآني، دال على الطبيعة الدينية لشعر المنداسي .
و قال في موضع آخر :
لن تنالوا الوصل حتى تنفقوا من عزيز النفس في اثر الامـــــــــــــــل16
وهكذا يصبح الوصل صعب المرام لن يناله إلا من ينفق من أعز ما يملك .و في ذلك جمالية تتمثل في تقاطع هذا المعنى تناصيا مع القرآن الكريم في قولــــه تعالى : ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبّونَ ﴾17.
و رغم أن الأمر يتعلق بغزل غير الغزل العادي، و معشوق فرد لا يشبهه أحد ، إلا أننا نجد الشاعر لا يختلف في طريقة تعبيره، و طبيعة أفكاره ، عن الشعراء العذريين، فهو في سبيل هواه يموت و لا يبالي، و قبله تمنى الموت شيخ العذريين ، بن معمر إذا قدر له أن لا يصل إلى من أحب :
يا ليتني ألقى المنيـــــــــــــــــــــــــــة بغتة إن كان يوم لقائكم لم يقــــــــــــــــــــــــــــــــــدر 18.
كما فضل قيس بن ذريح الموت عن بعد الحبيب وعدم لقياه:
فان الموت أروح من حيـــــــــــــــــاة تدوم على التبـــــــــــــــــــــــــــــاعد و الشتات 19 .
و لأن هذا الأمر جلل ، فقد وجد الشاعر نفسه مضطرا أن يبرر هذا العشق، و يثبت الصدق فيه ، و يقدم البرهان على حقيقته ، انطلاقا من ذاته و معاناته :
إن لي آية من العشق كبـــــــــــــــــــــرى لو وجـــــــــــدت من الزمان اختيــــــــارا
آية الصدق مني أننــــــــــــــــــي إذا مت عليـــــــــــــــه فعــــــــــــــــــــــــــــاد لــــــــي أنوارا 20.
إن طريق العشق الذي سلكه الشاعر، هو في نظره طريق الحق الذي يوصل إلى حقيقة هذا الكون ، و بالتالي المعرفة الحقيقة بمبدعه، لأن هذا العالم في نظر المتصوفة، قائم في الأساس على الحب المثالي، الذي يعتبرونه نواة الحياة الروحية. و على هذا الأساس نجده يرحب به رغم قسوته، بل يجعله بالنسبة إليه يمثل كل شيء :
مرحبا بالغرام أهلا و سهـــــــــــلا لولا أنه في البـــــــواطن نـــارا
هو سؤلي و موئلي و اختياري منه بين الورى لبست إزارا 21 .
إن ما تقدم من أبيات مختارة ، فيها حديث عن الحب لسعيد المنداسي، لا نكاد نجزم انه حب غير عادي كما سلف ذكره .و حتى لا يتيه المتلقي و تختلط علية أمور الـتأويل، و كما هي العادة في كثير من قصائد المتصوفة ، فإننا عندما نتتبع أشعارهم بروية، و نقرأها قراءة شاعرية، لا بد أن نقع فيها على إشارات دالة ، قد تكون عند البعض و واضحة جلية، و قد تكون عند آخرين غامضة خفية، لا يكتشف أمرها إلا دارس فطين متخصص . و على هذا الأساس، فإن الأكيد، أننا عندما نقرأ شعر المنداسي في الحب، سنجد فيه - في الغالب *- ما يدل على أن الأمر عنده يتعلق بالعشق الإلهي، و هو ما توحي به بعض القرائن التي تمثلها الألفاظ التي لا تتماشى في دلالتها مع الحب العذري ،أو لنقل مع الحب العادي بين البشر، و إنما نجدها كثيرا ما تتكرر على ألسنة المتصوفة قال المنداسي :
كيف يسلو من كان للحب دارا و تسربل أنينه حيـــــــــــــــث دارا
و ادعى أولا من الوجـــــــــــــد قربا و تأخر لم يجد إنكـــــــــــــــــــــــارا
كم علوت منابر العشـــــــــــــــق حبا فاكتسبت سكينة و وقــــــــــــارا
ما الفتـــــــــــى للأمور إلا إنــــــــــــــــــــــــاء وفي رشح الأنا ترى الأســــــرارا 22
من الألفاظ التي جاءت هنا كقرائن دالة على أن الأمر يتعلق بالغزل الصوفي، و حاملة في ذاتها شحنات دلالية صوفية : " الوجد " " العلو " " السكينة "" الوقار " و " الأسرار " فكلمة العلو التي ربطها الشاعر بمنابر العشق، تحمل دلالة السمو في الحب ،ما يجعل الحب عندهم درجات. أما السكينة، فهي في نظرهم تلك الحالة التي تتنزل على عباد الله الذين اصطفاهم، و رضي عنهم، و هي دليل الطمأنينــــــة المرتبطة بالباطن، و لا أظن أنني مخطئ عندما أقول أن ذلك أقصى ما يريده المتصوفة فــــــــــ >> السكينة إذا نزلت على القلب اطمأن بها، و سكنت إليها الجوارح و خشعت و اكتسبت الوقار، و أنطقت اللسان بالصواب و الحكمة، و حالت بينه و بين قول الخنا و الفحش، و اللغو و الهجر و كل باطل، و كثيرا ما ينطق صاحب السكينة بكلام لم يكن عن فكرة منه، و لا روية ولا هبة،و يستغربه هو من نفسه، كما يستـــــــــــغرب السامع له، و ربما لا يعلم بعد انقضائه بما صدر منه، و أكثر ما يكون هذا عن الحاجة ،و صــــــــدق الرغبة من السائل، و صـــــــــــــــدق الرغبة منه هو إلى الله، و الإســـــــــــــــــــــــــــــراع بقلبه إلى بين يديه و حضرته، مع تجرده من الأهواء << 23
وفي كثير من الأحيان، يربط الشاعر بين الغرام و لحظات نشوة السكر، بل يعتبر أن في السكر أسرارا لا يعرف حقيقتها إلا الكرام. و لا شك انه بذلك يقصد المتصوفة، الذين تجذبهم الخمرة إليها، بينما ينفر منها غيرهم فيحرمون من خير عميم قال المنداسي :
إن للحب في الدجى قوم فتك هجروا النوم و استباحوا العقارا
فمن الرشد للفتى إن تـــــــــــراءى لمعان الكؤوس يبدي وقــــــــــــــارا
در كؤوس المدام انـــــــــكميت و احذر القوم أن للعذل جــــــارا
فنفوس الكــــــــــرام تدنو لشرب و نفوس اللئام تبـــــــــــــــــــــدو نفارا 24
إن هذه الخمرة و هذا السكر في هذا المقام ،يجب أن ننظر إليه بعيدا كل البعد عن مفهوم الخمرة العادية ، و طعمها ، و تأثيرها ، و صفائها، إنها خمرة المعرفة الباطنية التي يشربها العارفون، فيثملون و يتأثرون و يتلذذون، و نشوة السكر هذه هي نشوة الحب الصوفي، تلك النشوة النورانية التي تضفي على صاحبها الوقار، و التي لن يصلها العاشق إلا إذا بلــــــــــــــغ درجة معينة من السمو الروحي.
إن المطلع على ديوان المنداسي، يمكنه أن يقف كذلك على غزل آخر؛ نعني به ذلك الغزل الذي يمكن أن نسميه الغزل المـــــحمدي، و الذي يتغني فيه الشــــــــــــاعر بحــــــب خـــــــــــير عباد الله قاطبة، المصطفى محمد صلى الله عليه و سلم، و هذا النوع من الغزل اتخذه الشاعر مقدمة للعديد من قصائده في المدح النبوي، و يبدو انه بذلك أراد المحافظة على تقاليد البناء الهيكلي للقصيدة العربية القديمة، من خلال اعتماد المقدمة الغزلية .
إن ربط هذا الغزل بموضوعة المديح النبوي وحده، في قصائد لم تتناول غير هذه الموضوعة، >> يحملنا على أن نعــــــــــــتد هـــــــــذا الغزل ضــــــــــــــربا من الأدب الرمزي يتغزل فيه الشاعر بأشخاص معنوية <<.25 رغم أن ظاهر معاني الأبيات تحيل إلى الغزل ذي الطابع المادي .
يقول المنداسي في نموذج لذلك:
أرذاذ المزن من عيني نـــــــــــزل أم دموع الشوق إذ رق الغـــــــزل
أبعيني ديمـــــــــــــــــــــة و كافـــــــــــــة أم شعيب للنوى منها انبـــــــــــزل
مذ دعاني البين و الدمع على صحن خدي وابل يهمي و طل 26.
إن أول ما يلفت الانتباه في هذه الأبيات، هو الربط بين الشوق الباطن و البكاء الظاهر، من خلال الدمع كلفظة مفتاحية ذات دلالات متعددة؛ فقد تدل على الألم أو الحزن أو الفرح أو غيرها، إلا أن الشاعر هنا وظفها توظيفا فيه جمالية، لترتقي في دلالتها على تلك العيـــــــــــــــــن التي لا تمسها النـــــــــــار، تلك التي أشار إليها الحديث النبــــــــــــــــــــــــوي >> عينان لا تمسهما النار: عين بكـــــــــــــــــــــت من خشية الله، و عين باتت تحرس في سبيل الله << 27 . و الجميل عند الشاعر في هذه الأبيات، و الذي يمكن أن نتخذه قرينة على أن الحديث لا يتعلق بالحب العادي، هو ربط الدموع بمختلف أنواع المطر النازل من الأعلى ،و الذي يمثل الغيث .و عندما ينمو شوق اللقاء يزداد الدمع ليغدو طــــــــوفانا يخشى فيه الهلاك ،و الهلاك هنا يعني الخشية من عدم الوصول إلى الحبيب محمد صلى الله عليه و سلم و عدم العيش معه في جنة الخلد.
و يستمر الشاعر على نفس النهج، وبنفس طريقة التعبير التي استعارها من طريقة الشعراء العذريين، يعبر عن معاناته من الهوى، معاناة سببها ألم الباطن الذي يتجلى عند الشاعر في الظاهر دمعا على الخد، و اصفرارا في الجسم يقول:
لا تقل قلبي إن الهوى مســــــتتر سره في الخد تبديــــــــــه المقــــــــــل
ضقت ذرعا بين خوفي و الرجا فاعترى جسمي اصفرار و خـــــلل 28
ليصل بعد معاناة و طول ألم يتماشى مع عدد الأبيات التي مثلت موضوعة الحب، إلى اللحظة التي يعترف فيها بأن حبيبه قد سكن القلب، و لم يترك لغيره في القلب مكانا،و يصرح مباشرة بان حبيبه الذي قصد، و بحبه تغني، إنما هو صاحب الحسن الذي به حسّن الله الحسن :
كيف و الحسن بقلبي قاطن لم يرق طرفي جمال مـذ نزل
حسّن الله بــــــه الحسن و في حسنه ســـــــــر بديــــــــــــع للمقل
هل رأيتم أو سمـــــعتم حسنا في الورى من حسنه اكتمل
كالرسول العربي أكـــــــرم بـــه مذ بدا الشرك اضمحــــــــــــــــل 29
من المعلوم أننا لا نكاد نجد قصيدة في الحب العذري ، تخـــــــلوا مــن الحديث أو الإشارة إلى العواذل؛ أولئك الذين بمجرد بوح الحبيب بحبه، يظهرون على مسرح الأحداث يمثلون المعيق، الذي يحول بين المحب و إتمام تجربته مع من أحب، و لما كانت تجربة المنداسي ارتكزت على نفس ما ارتكزت عليه تجارب العذريين، فانه عبر على ما عاناه من هذا الصنف من البشر، و كيف وقف أمام لومهم و عتابهم متسلحا بقناعته بنهجه،و قيمة حبه، مبرزا عدم استجابته لهم، ملمحا إلى صفاء حبه و نقاء عواطفه. من ذلك قوله :
دع عذولي اللوم إني شائق رق طبعي دون صنعي في الأزل 30
في هذا الخطاب مثلما نلاحظ اختار الشاعر – عن قصد أو عن غير قصد – توظيف فعل الأمر، و الأمر في لغة العرب طلب القيام بالفعل على وجه الإلزام، و عادة ما يصدر ممن هو أعلى درجة إلى من هو أدنى، و هكذا يرتفع الشاعر و يسمو عـــــن العذول، وفي هذا تسبيق دلالة على عدم الاستجابة، و هو ما يقره الشاعر ملمحا إلى أن ما اقبل عليه، اقبل عليه مجبرا و لا خيار له فيه ، باعتبار أن دَقة قلبه هي خارج إرادته، و اشتياقه و رقة طبعه ليست من صنعه، و إنما خلقت معه مند الأزل، فلا سبيل لتغييرها أو الوقوف في وجهها.
وحتى إن تدخل الطرف الثالث، فموقف الشاعر باق على حاله، لا يتغير و لا يتبدل، فالمحبوب أعظم من أن يرتد عن حبه، وهو يمثل الحق، و قد يمثل الطريق إلى الحق، و الشاعر في كل هذا لا يساوم ولا يناقش فبأذنيه صمم مثلما قال :
لا تلمني دون لوم عاذلي فبسمعي صمم عمن عذل 31
و قال :
قل ما استطعت عدولي السمع في شغل عنك فقلبي لمن أهواه معمور
و الملفت للانتباه عند المنداسي، أننا لا نكاد نجد قصيدة من قصائد ديوانه تخلو من الحديث عن العذول، و في بعض الأحيان مناقشته و مجادلته، و قد يصل إلى حد تعنيفه، إذ يعتبره حجر عثرة أمامه، يعيقه عن الوصول إلى الغاية العظمى المتمثلة في العيش رفقة المحبوب أو في كنف المعشوق
أيها العاذلون خلــــــــــــــــــوا سبيلي إنني بالبكا اشتهرت اشتــــــهارا
لو رأيتم من الهوى ذات لهب طرحت فـــــي الفؤاد منه جمارا 32
و قال :
خل السبيل فان السر مستتر عنك و أنت على الأسرار مستور 33
إن طبيعة المعاني الواردة في الأبيات السابقة، وتنبيه العذول إلى السر و الستر، يجعلنا نقول مطمئنين أن العذول المقصود ليس أبدا ذلك الذي تحدث عنه شعراء الغزل العذري،و المشتهر في أغلب الأحيان بالوشاية و إنما يمكن تأويل - و التأويل حق المتلقي للأدب الصوفي - المقصود بالعذول هنا، تلك الطائفة من الفقهاء الذين يحكمون بالظاهر، و ينكرون على المتصوفة مغالاتهم في الانغماس في علم الباطن، و لعل ما يمكن أن يتخذ كمؤشر دال على الصراع بين المتصوفة و الفقهاء هو الحد الذي وضعه الشاعر بينه و بين عذوله، حيث يغدو لكل منهما سبيله الذي يختلف على سبيل الآخر، فالسر وهو من خصوصيات المتصوفة مستتر عن العذول حاضر مع الشاعر كما يوحي بذلك الشطر الثاني من البيت السابق .
هكذا يتضح جليا أن شعر المتصوفة في الغزل، شعر مفتوح للتأويل،التأويل الذي يشترط أن يكون من المتخصصين، حتى يؤتي أكله، و يعمق العلاقة بين القارئ و الأدب الصوفي .
و من خلال كل ما تقدم بدا المندسي عاشقا ساعيا بعشقه إلى الأعلى، رغبة منه أن يصل إلى المقام الذي فيه تطيب النفس، و تستريح الروح ،و تنعم بنعم ما بعدها نعم .
من منطلق أن المحب إذا أحب إلى من أحب ارتحل، و باعتبار أن المنداسي ظهر في صورة المحب، فإن ربط حديثه عن الحب بالرحلة يصبح أمرا مشروعا، كما هو الشأن في الشعر الصوفي عموما.
و الرحلة هي قدر الإنسان، فرضتها عليه طبيعة الحياة، و هي في أبسط معانيها الانتقال من مكان إلى آخر، بدافع محدد و هدف مقصود ،و قد فتن العرب كغيرهم من البشر بها ، فأخذت حيزا كبيرا في تراثهم الأدبي شعرا و نثرا، و لا يخفى على دارس أن موضوعة الرحلة تعتبر من بين الموضوعات التي بنيت عليها القصيدة العربية القديمة، و قد كان الشاعر في ذلك العهد يتخذ من الأماكن التي هجرها الأحبة نقطة انطلاق في رحلة بحث عنهم، محركه في ذلك شوق اللقاء ،و غرضه الوصال، في هذه الرحلة عادة ما يبرز من خلالها الشاعر ما لاقي من المتاعب ، من عطش تيه و مخاطر ، و تتنازعه فيها مجموعة >> من الأحاسيس و المشاعر الدرامية التي تلون مقاطع الرحلة بألوان من الحزن و الأسى نتيجة الفراق << 34 .
أما إذا انتقلنا إلى القصيدة الصوفية، فإننا سنجد شعراء هذا النوع من القصائد، لا يختلفون عن غيرهم من حيث الأساليب و اتخاذهم الرحلة وسيلة للوصول إلى المحبوب، إلا أن رحلاتهم حملت معان سامية، باعتبارها رحلات في اتجاه الأعلى، تنطلق من المدنس لتتجه نحو المقدس، و بالتالي فان صاحب الرحلة وعلى امتداد مسافتها، يمر بمحطات هي في حقيقة الأمر محطات لتنقية النفس و تطهيرها، للانتقال من درجة إلى أخرى من درجات المتصوفة، قبل الوصول إلى الدرجة القصوى المتمثلة في الوصول المعشوق و الحلول فيه ، وعلى هذا الأساس يصبح كل ما في هذه الرحلة يعتبر رمزا إلى شيء آخر، يمكن الوصول إليه من خلال التأويل. و المنداسي كغيره من الشعراء الذين نهجوا نهج المتصوفة، لم يخرج عن القاعدة، فتجلت في شعره موضوعة الرحلة بصورة بارزة، من ذلك قوله:
قف بنا حادي السير حتى نرى بالعـــــــــــرا دارا عهدنا و الطلل
ســـــــــر بنـــــا نحو أثيــــــلات الحمى عل منا البرء يسري في العلل 35
الملفت للانتباه هنا هو المزج بين الرحلة و الطلل، فالشاعر استبد به الشوق إلى تلك الدار و الأطلال التي عهدها، ليطلب من الحادي أن ينطلق به في رحلة ، لا للنزهة و الترفيه و الاستمتاع، و إنما لطلب الشفاء من سقم لا نظنه إلا سقم النفس، أو بالأحرى دنسها، الذي يسعى و يجاهد من أجل البرء و التطهر منه، هكذا يتجلى بوضوح أن الغرض ليس الوصول إلى محبوب عادي، يضمه و يعانقه، و قد يذرف دمع حرارة اللقاء معه ،و إنما الوصول إلى معشوق لا يمكن أن يكون مـــــعه بجسده ، بل بروحه الطاهرة ،لأن المحبوب محمدا صلى الله عليه وسلم - و هو المقصود - في عالم آخر غير العالم الذي يعيشه الشاعر، و عليه كان حديثه على ما يرتبط بهذا المعشوق من آثار و معجزات شاهدة على عظمته، و سمو مكانته ،هكذا ينقلنا الشاعر من المعاني الظاهرة إلى المعاني الخفية، محتما علينا القراءة الشاعرية ،تلك القراءة التي تجعل المتلقي يتلذذ بالمعاناة الفكرية، مثلما يتلذذ الشاعر بالمجاهدة و المعاناة الظاهرية و الباطنية .
و من أجمل صور توظيف الرحلة عند المنداسي ما جاء في رائيته " دعني عذولي " حيث قال :
دعني عذولي فان القلب مســـــــــــــــــطور لما علـــــــــــــي من الهجـــــــــــران مســــــــــــطور
مالي أرى العين لا تهمى مدامــــــــــــــــعها و الوصف في عصمة التسويف محجور
فما الحياة و حبل المـــــــــــرء منفصــــــــم و ما النجاة و قلب الأمـــــــــــن مكــــــــسور
كأن يـــــــــــوم النوى و العيـــــــــــــــس واقفة بين الخيـــــــــــــــام و للجمــــــــــــــــــــــال تشمير
فالعين مــــــــرها و قلبـــــــــي فــي تقلبــــــــــــه و الركب في البيد منـــــــــــــــــــــظوم و منثور
ما كنت أسلو و كان القلب في طرب كيف و قلبي بذات البيـــــــــــــــــــــن مذعور
أبكي الديار و لا في الدمــــــــــع منقصة ما نام طرف و رب الطــــــــــــــــرف مهجور
يا عاذلي لو رأيت العيس فــــــــي ولـــــــــــه و للدليل أمـــــــــــــام الركـــــــــــــب تكبيـــــــــــــــر
ما كنت تعذل في المحبوب عاشــــــــقه و قلبــــــــــــه كأكاف الرحــــــــــــــــــــــــل مهجور
نار الصبابة قبـــــــــل الحــــــــشر أوردهـــــــــا قلبي ليشفع لـــــــــــــي فــــــي الموقف النور 36
إن المعاناة كما نعلم ملازمة للرحلة عبر مختلف مراحل التاريخ، و عند جميع الأمم ؛إذ المعلوم أن الرحلة تبنى أساسا على بنية السفر، و السفر كما يقال قطعة من العذاب . و الملاحظ أن رحلة الشاعر لم تخرج عن هذا المفهوم، يؤيد ذلك ما ورد في الأبيات من الألفاظ الدالة على المعاناة و الألم، فالقلب عبث فيه سيف البين و الفراق فجعله مسطورا، و العين انهمرت دموعها و أصابها المرض و أهلكها الأرق، إنها مظاهر للألم تبدو للعيان واضحة يراها الصديق كما يراها العدو، و هي في حقيقة الأمر تعبير عن ألم الباطن، ألم النفس و أنات الروح، و لو بحثنا عن سر هذا الألم و المعاناة، لوجدنا الأساس هو الفراق ، و البعـــــــــد عـــــن الــــــــــــــــذات الإلهية المعبر عنه "بالبين " و " النوى " . ما يعـــــــــــــــــــني منطقيا حضور طرفيــــــــــــن أساسيين في هـــــــــــــــذه الرحلة :" المحب " و " المحبوب " كشخصيتين محوريتين تمثلان طرفي المعادلة الصوفية، إضافة إلى العذول و الدليل؛ أما العذول فيمثل المعيق - تمت الإشارة إليه سابقا- و الذي سعى الشاعر للتخلص منه " دعني عذولي ..."و أما الدليل و الركب فيمثلان المساعد باعتبارهما يشاركان الشاعر في نفس الاتجاه و لو أن الشاعر يضع نفسه في مقام متميز عنهم :
أنا فرد الزمان و العشق فرد فابتل أمرنا تــــــــــــــــــــــــر الاكبارا 37.
من خلال كل ما تقدم يتضح أن رحلة المتصوفة و الرحلة العادية بينهما تشابه كبير، و لا يختلفان إلا في طبيعتيهما باعتبار أن الأولى هي رحلة نحو حبيب من البشر العاديين في الدنيا مكانها الأرض، و زمانها زمن المحب، أما الرحلة الصوفية فهي رحلة زمانها غير الزمان، و مكانها غير المكان، هي رحلة دوما نحو الأعلى، الغرض منها تطهير النفس للوصول إلى المقام الأعظم، مقام الأنبياء و الشهداء والأولياء و الصالحين، يوم لا ظل إلا ظله و لا شفاعة إلا لمن ارتضى .
نار الصبابة قبل الحشر أوردها قلبي ليشفع لي في الموقف النور 38
و في الأخير، هناك بعض الملاحظات التي لا بد من الإشارة إليها فيما يتعلق بشعر المنداسي، منها أن الشاعر في حديثه عن الحب، لم يوظف أبدا اسم امرأة و لم يخرج في قصائده عن الحديث عن الذات، أما فيما يتعلق بالمحبوب، فقد عبر عنه عادة بضمير المذكر الجمع، و كل ذلك يمكن أن يكون من المؤشرات الدالة على أن غزل الشاعر إنما هو غزل صوفي، ما يعني أنه خاض تجربة شعرية صوفية تبدو في عمومها تجربة بسيطة، ما يحتم الاعتراف إنها تجربة لا تصل أبدا إلى تجارب رواد الشعر الصوفي و شيوخه ،كرابعة العدوية و ابن الفارض و ابن عربي و غيرهم . رغم ذلك يبقى شعر المنداسي يمثل مجالا بكرا ينتظر الاهتمام من الباحثين و دارسي الأدب.
[IMG]file:///C:/Users/ADMIN/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image001.gif[/IMG]
الهوامش :
1- عاطف جودة نصر، شعر عمر بن الفارض دراسة في فن الشعر الصوفي، دار الأندلس للطباعة و النشر و التوزيع ، بيروت لبنان، ط 1، 1986م ، ص: 250.
2- ابن حزم الأندلسي ، طوق الحمامة في الألفة و الألاف ، تقديم و تحقيق فاروق سعد، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت لبنان، دط ، 1980، ص: 8.
3- نفسه ، ص: 61.
4- أبو عثمان عمر بن بحر /الجاحظ، رسائل الجاحظ، مطبعة التقدم شارع محمد علي مصر دط، دت، ص:165.
5- مختار حبار ، شعر أبي مدين التلمساني الرؤيا و التشكيل دراسة ، منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق،د ط ، 2002، ص: 67.
6- عاطف جودة نصر، المرجع السابق ، ص: 15 و ما بعدها.
7- سعيد بن عبد الله المنداسي، الديوان ، تحقيق و تقديم رابح بو نار ، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع الجزائر، دط ، دت، ص:49.
8- ينظر، مختار حبار ، المرجع السابق، ص: 96.
9- محي الدين بن عربي ، ذخائر الأعلاق شرح ترجما الأشواق،المطبعة الأنيسية بيروت ، 1312ه ، ص:4
10- سورة المائدة الآية 54.
11- سورة البقرة الآية 165.
12- هو أبو عثمان بن عبد الله المنداسي الأصل التلمساني دارا و منشأ عاش بتلمسان في القرن الحادي عشر حيث درس وتعلم علوم عصره كالنحو و الصرف و البلاغة و العلوم الشرعية
قال الشعر الفصيح و الشعبي إلا أن أغلب أشعاره ما زالت إلى اليوم في حكم الضائعة لم يجمع منها إلا ما هو في الديوان الذي حققه الأستاذ رابح بو نار و نشره أغلب الظن في العام 1976 .
انتقل الشاعر إلى المغرب وعاش في كنف السلطان مولاي إسماعيل بعد توليه الملك في العام 1082ه و قد نال منه العطاء الوفير نظير مدائحه . الراجح ان الشاعر توفي في العام 1088.
* في هذا الديوان الكثير من الارتباك في الأوزان و المعاني يمكن العودة إليها من خلال إشارات المحقق .
13- سعيد بن عبد الله المنداسي، الديوان ، ص: 53.
14- نفسه، ص:35.
15- نفسه، ص:47.
16- نفسه، ص:35.
17- سورة آل عمران الآية 92.
18- حنا الفاخوري، تاريخ الأدب العربي، المطبعة البولسية لبنان، ط10، 1980، ص: 250.
19- شوقي ضيف ،تاريخ الأدب العربي العصر الإسلامي ،دار المعارف بمصر، ط 6، دت ، ص: 365.
20- المنداسي ، الديوان ،ص:54.
21- نفسه، ص:55.
* نجد كذلك عند الشاعر ما يمكن أن نطلق عليه الحب المحمدي المتعلق بحب رسول الله صلى الله عليه و سلم كما سيتضح لاحقا .
22- المنداسي ، الديوان، ص:53.
23- أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، منازل السالكين بين منازل " إياك نعبد و إياك نستعين "، ضبط و تحقيق رضوان جامع رضوان، مؤسسة المختار للنشر و التوزيع القاهرة، الطبعة الأولى 2001م، ص: 209.
24- المنداسي ، الديوان ، ص: 57.
25- نفسه، ص: 25.
26- نفسه، ص:31.
27- محي الدين أبو زكريا يحي بن شرف النووي ، رياض الصالحين، تحقيق عبد الله أحمد أبو زينة، المكتبة العصرية صيدا بيروت،دط،دت، ص:176.
28- المنداسي ، الديوان ، ص:32.
29- نفسه، ص: 40.
30 - نفسه، ص:32
31- نفسه، ص:33.
32- نفسه، ص:56.
33- نفسه، ص:68.
34- مختار حبار ، المرجع السابق، ص:84.
35- المنداسي ، الديوان ،ص:38.
36- نفسه، ص: 67- 68.
37- نفسه، ص: 54.
38- نفسه، ص:69.

__________________
اللّهم يارحمـن الدنيا والآخرة ورحيمهما ارحم عبدك
أبـــا يـــــوســــف
برحمتك الواسعة واغفر له ،وعافه واعف عنه.
اللّهم يا حنّـان يا منّان ثقل بالحسنات ميزانه ،وجازه بالإحسان إحسانا وبالإساءة صفحا وعفوا وغفرانا،
اللّهم أكــــــرم نزله مع النبيين والصديقين وكلّ عبادك الصالحين،
في جوار حبيبك ورسولك ومصطفاك .
إنّــــــــك ربي -سبحانك-على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

آخر تعديل بواسطة نبهات ، 30-04-2017 الساعة 01:35 AM
نبهات غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-04-2017, 01:47 AM   #2
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 74,199
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: رمز الحب والرحلة في القصيدة الصوفية الجزائرية

بارك الله تعالى فيكم

__________________
اللهم ارحم أبا يوسف واغفر له
أبو ذر الفاضلي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
بحار الحب عند الصوفية أبو ذر الفاضلي كتب الرقائق والتزكية والأخلاق المصورة 2 30-04-2017 01:37 AM
في لغة القصيدة الصوفية أبو يوسف المكتبة الأدبية المصورة 1 03-10-2014 02:30 AM
البناء الفني في القصيدة الشعبية الجزائرية احمدحاجي رسائل في الأدب العربي 6 17-09-2013 07:44 AM
قراءة في القصيدة الشعبية الجزائرية أم يوسف 5 المكتبة الأدبية بصيغ أخرى 1 27-07-2013 05:10 AM
التناص الأسطوري في القصيدة الجزائرية المعاصرة أم يوسف 5 رسائل في الأدب العربي 1 13-06-2013 06:56 PM


الساعة الآن »02:10 PM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 3
.Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd