روابط مهمة

استعادة كلمة المرور صفحتنا على الفيس بوك
لأي مشاكل تواجهك .. لاتتردد بالإرسال لنا بالضغط هنا

 

الآن خدمة الـ rss متوفرة بمكتبتناً العربية

 

شريط الإعلانات ||

أهلا وسهلا بكم في منتديات مكتبتنا العربية **** نرجو من الأعضاء الكرام وضع طلبات الكتب في القسم الخاص بها في المنتدى الإداري العام قسم الاستفسارات وطلبات الكتب مع الشكر ***
Loading

 


   
 
العودة   منتديات مكتبتنا العربية > الأقسام العامــــة > قسم اللغة العربية علومها وآدابها > مكتبة علوم اللغة العربية > مكتبة علوم اللغة العربية بصيغ أخرى
 
 

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-08-2009, 12:19 AM   #1
إبراهيم براهيمي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية إبراهيم براهيمي
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 12,780
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي آليات تشكل الخطاب الحجاجي بين نظرية البيان ونظرية البرهان

آليـَّات تشكـل الخطـاب الحجاجي بيـن نظريـة البيـان ونظريـة البرهـان.


مدخـل عـام:
يستدعي التأثير والإقناع في التخاطب الإنساني آلية بيانية فاعلة لتحقيقه، لذا نجد الحجاج ميزة من ميزات هذا التخاطب بمواقفه المتعدّدة، وأشكاله المتنوعة بين الشفوية والكتابية، إذ يعدّ ركيزة النصوص الموجّهة المتضمنة للمقصدية والنقاش والنّقد والجدل، والتي منها: النصوص القرآنية، والفلسفية، والفقهية، والأدبية،....
وتعود دراسة النص الحجاجي إلى أزمنة خلت، ابتداءً من مؤلفات " أرسطو" ولا سيما في "الخطابة"، ثم ما توارثه العرب عن أصول الخطابة ومميزات الخطيب، انتهاءً إلى الإرث الفكري الضّخم الذي أحاط بكلّ ما يمكن أن يطرأ على هذا النص من خلال تطبيقات كبار المفكرين والفلاسفة والفقهاء على مختلف النصوص.
مفهوم الحجاج:
تجمع المعاجم الّلغوية الأساسية في تعريفها للحجاج على ما جاء في» لسان العرب« لـ " ابن منظور": » يقال حاججته أحاجّة حجاجًا حتّى حججته أي غلبته بالحجج التي أدليت بها [...] والحجّة البرهان وقيل: الحجَّة ما دافع به الخصم، وقال الأزهري: الَججَّة الوجه الذي يكون به الظّفر عند الخصومة، وهو رجل محجاج أي جدل، وحجّه يحجُّه حجًّا: غلبه على حجَّته، وفي الحديث: »فحجّ آدم موسى أي غلبـه بالحجّة«.(1)
ويقابل هذه اللفظة في الفرنسية، لفظة "Argumentation" التي تدل على معاني متقاربة أبرزها حسب قاموس "روبيرPetit Robert ":
ـ القيام باستعمال الحجج.
ـ مجموعة من الحجج التي تستهدف تحقيق نتيجة واحدة.(2)
أما في الإنجليزية فيشير لفظ "Argue" إلى وجود اختلاف بين طرفين ومحاولة كلّ منهما إقناع الآخر بوجهة نظره، بتقديم الأسباب أو العلل "Reasons" التي تكون الحجة "Argument" مع أو ضد فكرة أو رأي أو سلوك ما.(3)
ومن خلال هذه التحديدات المعجمية نجد لفظ الحجاج أو المحاجة متضمنا لدلالة ومعنى مستمدين من طبيعة سياقه أو شرطه التخاطبّي المتمثل في التخاصم، والتنازع، والجدل، والغلبة، [...]). أي معناه الفكري والتّواصلّي.
أنواعه وخصائصه:
يذهب الباحث "حبيب أعراب" إلى أن تشعب مفهوم الحجاج راجع لتشعُّب مجالاته،» وتعدد استعمالاته وتباين مرجعيّاته: الخطابة، الخطاب، القضاء، الفلسفة، [...] يستمد معناه وحدوده ووظائفه من مرجعيَّة خطابية محدّدة، ومن خصوصية الحقل التواصلّي الذي يندمج مع استراتيجياته [...] ولا غرابة والحالة هذه أن هناك حجاجًا خطابيا (لسانيا)، وحجاجًا خطابّياً (بلاغيا)، وآخر قضائيا أو سياسيا أو فلسفيًّا... (4)«.
إلا أننّا نستطيع حصره في ثلاثة أنواع تتمثّل في: الخطاب الحجاجي البلاغي، والفلسفي، والتَداولي. وتختلف هذه الخطابات باختلاف أصولها وامتداداتها المعرفية والمنهجيَّة، لكن ذلك لا يمنع من تداخلها فيما بينها:
1ـ الخطاب الحجاجي البلاغي:
تعدّ البلاغة آلية من آليات الحجاج، وذلك لاعتمادها الاستمالة والتأثير عن طريق الحجاج بالصورة البيانية والأساليب الجمالية: أي إقناع المتلقي عن طريق إشباع فكره ومشاعره معـاً حتَّى يتقبـلّ القضيـّة أو الفعل موضوع الخطاب.
الخصائص الأسلوبية للخطاب الحجاجي البلاغي:
هي الخصائص والصُّور البلاغية المحورية التي تبنَّاها الخطاب الحجاجي ولا سيما الأدبي منه، لأنها تنشط الخطاب، وذات وظيفة إقناعية:
أ ـ الاستعارة: تنحدر ممّا يسمّى بـ " القياس L’analogie" ودوره في الأبنية البرهانية، وهي تمتد عكسيا إلى " أرسطو" الذي صنفها تحت تسمية " الاستعارة الحجاجية " التي تهدف إلى الإقناع وإحداث تغيير في الموقف العاطفي أو الفكري للمتلقي.
ب ـ المثل: امتداد للاستعارة التمثيلية وهو صيغة لا تتغير أبدًا رغم تغيّر السياقات التي يرد فيها باعتباره حجَّة ودليلاً، ويأتي في مظاهر عدَّة: المثل الجدلي وغير جدلي، نص سردي، سَرد حواري، أمثولة.
2 ـ الخطاب الحجاجي الفلسفي:
الحجاج بُعدٌ جوهريّ في الفلسفة، وهو آلية وإجرائية من إجرائياتها، وتقاس صلاحية هذا الحجاج الفلسفي بمعايير خارجية: القوة والضعف، الكفاءة وعدمها، النجاح أو الفشل في الإقناع، وغايته: التأثير والتقبُّل.
الخصائص المناظرتية للخطاب الحجاجي الفلسفي:
الحوارية والجدل من متطلبات الحجاج الفلسفي، والمناظرة هي الخاصية الجدلية والحوارية لهذا الحجاج، وهي بنية معرفية للمحاور كمنهج حجاجي؛ وتظهر كيفية اشتغال آلية الاعتراض، وتتجلى في:
أ ـ المناظرة ( المحاورة القريبة ): تقتضي عارضاً ومعترضًا، وتمتاز عن الحوار بإقامة تقابل يتواجهان فيه.
ب ـ التناص ( المحاورة البعيدة): تتم على طريقتين:
الطريقة الظاهرية: يعرض المحاور شواهد من أقوال الغير: "النقل" و"التضمين" و"الحكاية" و"الشرح"....
الطريقة الباطنية: ينشئ بها المُحاور نصّه عبر نصوص سابقة مماثلة أو مباينة، ويفتح بها آفاق نصوص أخرى مكمّلة أو مبدّلة.
3ـ الخطاب الحجاجي التداولي:
يبعث لفظ التداولية على استحضار " نظرية أفعال الكلام" كون الأفعال الكلامية غرضا رئيسا للتداولية، ورصدها بتنوّعها وعلى اختلاف الأبعاد التداولية المتعدّدة المستويات التي يتيح تحققها إمكانية معرفة توجّه الخطاب الحجاجي التَّداوليّ، والإجابة عن الإشكاليات الجوهرية والأسئلة المهمَّة التي تحيط بعملية التَّخاطب (الشفهي و الكتابي).
الخصائص الحواريّة للخطاب الحجاجيّ التَداوليّ:
تعدّ الحوارية من أهم مستويات تجليّ البُعد التداوليّ للخطاب الحجاجيّ، وهي العلاقة التخاطبيَّة بين المُخَاطِب والمُخاطَب، والتي تتغيّر وتتنوَّع فيها الأداءات في ظاهرتي:
أ ـ التشخيص: خاصّية تلفظية تتميّز بحدَّة العلاقة الخطابية مع الشريك أكـان حقيقيًّـا أو متخيـَّلاً فرديـًَّا أو جماعيًّا، أي هو تجريد ذات ثانية ينزّلها المخاطب من نفسه منزلة المعترض على دعواه وهو نوعان: صريح وضمني.
ب ـ المقام: هو مفهوم تجريدي يدل على الموقف التواصليّ، وتلتقي فيه جميع العناصر الحجاجيّة من مقدرات برهانية وحقائق فعلية وقرائن بلاغية وقيم شتّى أقسامها. وهو شرط تداولي بلاغي يُعنى بضرورة موافقة أفعال القول لمقتضى الحال والموقف الخاص به.
هذا مجموع أنواع وخصائص عامَّة تتراوح بين القدم والحداثة،وبإمكانها الإجابة عن إشكالية الموضوع المتمثلة في:
ما مدى تقارب نظريتي البيان الجاحظية والبرهان البرلمانية الحجاجيتين؟.
مفهوم الحجاج في نظرية البيان عند الجاحظ:
1-مفهوم البيان:
في كتابه:» البيان والتبيين« يعرّف الجاحظ البيان بقوله:» والبيان أسم جامع لكلّ شيء كشف لك قناع المعنى وهتك الحُجب دون الضَّمير حتَّى يُفضي السَّامع إلى حقيقته ويهجم على محصوله كائنًا ما كان ذلك البيان ومن أيّ جنس كان ذلك الدَّليل. لأنَّ مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسَّامع إنَّما هو الفهم والإفهام فبأَيّ شيء بلغة الأفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع«(5).
على ضوء هذا القول يخلص " محمد العمري" إلى: »أن مفهوم البيان عند الجاحظ مفهوم إجرائي: أي أنّه العملية الموصلة إلى الفهم والإفهام في حالة اشتغالها [...] فالشيء المركزي الثابت في كتاب البيان والتبيين هم الفهم والإفهام بالوسائل المختلفة: الوسائل اللُّغويّة والإشاريَّة خاصَّة«(6).
فمفهوم البيان بهذه الطريقة يتلخص في: المعرفة والإقناع كمفهومين ووظيفتين في آن معا:
البيان معرفة = الوظيفة الفهمية.
البيان إقناع = أو الوظيفة الإقناعية(7).
أ ـ البيان معرفة واستكشاف:
يقول الجاحظ: » مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنّما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الأفهام وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع«(8).
فالأمر يتعلق بإيضاح المعنى القائم في النّفس حتّى يدركه الآخر، وهذا انطلاقا من الوظيفة الأولى للغة وهي التواصل وكشف الكامن في الصدور.
ب ـ البيان إقناع أو الوظيفة الإقناعيَّةِ:
من خلال بعض المؤهلات والوسائل التي رصدها الجاحظ لهذه العملية، وتكاد تكون كلها وسائل موجهة للإقناع استمالة أو اضطرارأً وإن لم يفرّق صراحة بين ما هو معرفي وما هو إقناعيّ.
كما نجد أن هذه المؤهّلات توافق المقام الخطابي، أو الخطابة كمرادف للبلاغة في ذلك العصر: (9)
**المؤهلات والعوائق :
* المؤهلات : المنطق ، الأحلام ، العقول ، الدهاء ، المكر ، الألسنة ، النكراء ، التمييز ، السياسة ، لباس التقوى ، طابع النبوة .
* العوائق : العي ، الحصر ، ضيق الصدر ، توقف اللسان ، اللثغ .
** صفات البيان وموضوعه :
* الصفات : الإبلاغ ، الإبانة ، الإفصاح ، الفصاحة ، الوضوح ، الصحة ، البيان ، حسن التفصيل ، الإيضاح ، وضوح الدلالة ، اللإفهام ، الفهم ، الاحتجاج ، الأدلة .
* الموضوع : الدعوة إلى مقالة ، الدفاع عن نِحلة ، إبلاغ الرسالة ، الحجة ، الحاجة ، المنازعة .
** الغرض :
* التأثير : استمالة القلوب ، ثني الإقناع ، التصديق ، ميل الأعناق ، فهم العقول ، إسراع النفوس ، الاستمالة ، الاضطرار ، التحريك ، حل الحبوة .

2ـ مكونات الخطاب البياني:
أ ـ اللّغـة: الصّواب والاعتدال:
ربط الجاحظ وظيفة البيان في الفهم والإفهام ببعديه: المعرفي والإقناعي (الاستمالة، والاحتجاج) بالموضوع والمناسبة؛ أي المقام الخطابي، ويقصد بالموضع:
1 ـ أقدار المستمعين.
2 ـ أقدار الحالات.(10)
يقول: » ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات«.

ب ـ الإشارة:
حين انسحب الحديث من البيان بمفهومه العام إلى البلاغة بمفهومها الخاص كان ذلك بمثابة حصر له في مجال اللفظ وما يصاحبه أو ينوب عنه من إشارة في مجال محدد مضبوط هو البيان الشفوي المباشر (الموجه إلى مخاطب محدد)، أي الخطابة بمعناها الواسع الذي يشمل كل صور التخاطب قصد الإبلاغ والإقناع، والإشارة هنا مستويان:
1ـ الإشارة المساعدة على التبليغ: المصاحبة للفظ المكملة له.
2ـ الإشارة الدَّالة في حد ذاتها: تشمل صور التعبير الاجتماعي كطريقة اللباس والأزياء والمراكب، وغيرها من مظاهر التأثير في الآخرين .(11)

مفهوم الحجاج في نظرية البرهان عند بيرلمان:
جاء "بيرلمانPerleman "بما يسمى: » مدرسة البلاغة البرهانية« ،التي شكلت المرحلة الأخيـرة، أو المنظور البلاغي المستحدث لتطور البحوث البلاغية في كل الثورة اللسانية الحديثة، هذه البحـوث التـي » وحتى عهد قريب – كان ينظر إليها على أنها علم قديم مرتبط بالإفراط من جهة، وبالكتب المدرسية من جهة أخرى«.(12) وهذا عائد إلى سببين، سياسي؛تمثل في ارتباط البلاغة بجمهور محدد، الهدف إقناعه ببعض البرامج السياسية لا غير فتحولت من فن خطابي إلى فن للفصاحة، ذي عمق لغوي يوائم بين الشكل والموضوع، وسبب تربوي، يرمي إلى تبسيط المادَّة البلاغية لتلائم الطرح المدرسي وإفهام التلاميذ، وأدَّى بها هذا إلى أن صارت جزءا من علوم تحسين الخط والنطق. (13) ومنها تبينت الحاجة إلى إعادة قراءة جديدة للبلاغة الكلاسيكية، لثرائها الفكري، ولضرورة تدعيمها بمناهج جديدة، لاسيما اللسانية منها.
لذلك استحدث "بيرلمان" مصطلح "البلاغة الجديدة" الذي جاء في عنوان أحد أشهر كتبه عام 1958م تحت اسم: ((مقال في البرهان: البلاغة الجديدة))، ويعتمد هذا الكتاب على محاولة لإعادة تأسيس البرهـان أو المحاجَّة الاستدلالية باعتباره تحديدا منطقيا بالمفهوم الواسع، كتقنية خاصة ومميزة لدراسة المنطق التشريعي والقضائي على وجه التحديد، وامتدادته إلى بقية مجالات الخطاب المعاصر.(14) والواضح أن هذا المنطق يرمي إلى الوظيفة التواصلية للغة، ذات العلاقة بالتقاليد البلاغية الكلاسيكية، كون الخطاب البرهاني يهتم بدوره بالأشكال البلاغية كأدوات أسلوبية ووسائل للإقناع والبرهان.
ثم يصور بلاغة البرهان لديه بتوضيحه لنظرية المحاجة، التي يرى أنها »لا يمكن أن تنمو إذا تصورنا أن الدليل البرهاني إنما هو مجرد صيغة مبسطة بديهية، ولذلك فإن هدف نظرية "البرهان Argumentation" لديه هو دراسة تقنيات الخطاب التي تسمح بإثارة تأييد الأشخاص للفروض التي تقدم لهم، أو تعزيز هذا التأييد على تنوع كثافته«.(15)
ويتميز الحجاج عند "بيرلمانPerleman " بخمسة ملامح رئيسية:
1) أن يتوجه إلى مستمع.
2) أن يعبّر عنه بلغة طبيعيَّة.
3) مسلماته لا تعدو وأن تكون احتمالية.
4) لا يفتقر تقدمه ـ تناميه ـ إلى ضرورة منطقية بمعنى الكلمة.
5) ليست نتائجه ملزمة.(16)
وبالتَّالي فالحجاج »عبارة عن تصوُّر معيَّن لقراءة الواقع اعتمادا على بعض المعطيات الخاصَّة بكلّ من المحاجج والمقام الذي ينجب هذا الخطاب«.(17)
عناصر البرهان لدى بيرلمان:
- لا يُغفل "بيرلمان" السامع أو المعني بالحجاج، حيث يعدُّه » السبب الفعلي الذي لولاه لما كان "حجاج" أصلا«(18)، وهذا لفاعليتّه في تشكيل معالم المادَّة الحجاجيَّة الكبرى التي يقدّمها الخطيب أو الكاتب.
- يهدف "بيرلمان" باهتمامه بمظاهر التواصل والتجاوب (المكتوب والمنطوق والإشاري) إلى تأسيس بناء فكريّ عميق تندمج فيه أبعاد المتكلّم والسَّامع والمقام معا بحيث يحمل المنتج الجديد الخصائص الجوهريّة لهذه المكوّنات الثلاثة(19).
- إذا كان الإقناع هو مجال المبحث الحجاجي، فإن الدَّفع إلى الفعل هو أهمّ وظيفة حجاجيّة في هذا المجال، حيث تتطلّب وعيا بآليات من شأنها تحريك المعنيّين بالكلام صوب الفعل وتغييره بما ينسجم مع المقام، » وتتطلبه مقاصد النصّ وطموحات الخطيب (المتكلم أو الكاتب) بوصفه مفكّراً حاملاً لرؤية معيّنة يسعى إلى إرسالها، أو جعلها راجحة في مواجهة حجج أخرى مناوئة «.(20)
- يتطلَّب الإقناع كمجال للبحث الحجاجي إضافة إلى ما سبق، وضوح الأسلوب، واحترام شخص المخاطب، لأنّ ما عداهما ينفّر المُخّاطَبين، ويعوق سبيل نفاذ الخطاب، وهنا يربط "بيرلمان" الحجاج بعوامل لغوية (الوضوح)، ونفسية اجتماعيّة (الاحترام، الوعي بظروف مختلف الأصعدة السّياسيَّة والاجتماعيَّة، ...).
- ينتج الرّبط النّفسي خاصَّة عن طبيعة الحجاج الذي ليس في النّهاية» سوى دراسة لطبيعة العقول، ثمّ اختيار أحسن السّبل لمحاورتها، والإصغاء إليها، ومحاولة حيازة انسجامها الإيجابي، [...]«،(21) وعدم توفّر هذه الأمور سيفقد الحجاج غايته وتأثيره معاً.

-المقارنة بين آليَّات تشكُّل الخطاب الحجاجي في نظرية البيان للجاحظ، ونظرية البرهان لبيرلمان:
** في نظرية البيان - للجاحظ :
* مفهوم البيان عند الجاحظ مفهوم إجرائي يتلخص في وظيفتي (الفهم والإفهام)، ولا سيما الوظيفة الإقناعيَّة للإفهام.
* ربط الجاحظ الإقناع في نظريّة البيان بالخطاب الشفوي (الخطابة).
* جعل من أهمّ متمّمات الرّسالة الإقناعيَّة في الخطابة توفُّر الخطيب أو المرسل على مؤهلات وصفات مقنعة ومستميلة، وخلو أدائه من المعوّقات التي تحول دون ذلك.
* اهتمّ الجاحظ إلى جانب الخطيب أو المرسل، بالمرسل إليه من خلال مكوّن: اللّغة، الذي اشترط له الصّواب والاعتدال، وبالتَّالي اعتبار أقدار المستمعين التي تحّدد أقدار المعاني المُرسلة.
* كما اهتم بالمقام أو أقدار الحالات المحيطة بالمتلقّين.
* المكوّن الثاني للإقناع في نظرّية البيان هو الإشارة، وهي نوعان:
-1- الإشارة المساعدة على التبليغ، التي تصاحب الّلفظ.
-2- الإشارة الدّالة في حدّ ذاتها، ولاسيما المظاهر الخارجيَّة (صور التعبير الاجتماعيّة).

** في نظرية البرهان ـ لبيرلمان :
* هدف نظرية بيرلمان البرهانية هو دراسة تقنيات الخطاب التي تسمح بإثارة تأييد الأشخاص للفروض التي تقدم لهم.
* اهتم بيرلمان في نظريّة البرهان بمظاهر التواصل والتجاوب (المكتوب والمنطوق والإشاري).
* للحجاج عند بيرلمان خمسة ملامح:
1 - أن يتوجه إلى مستمع.
2 - اللُّغة الطبيعية.
3 - احتمالية المسلَّمات.
4 - ليست نتائجه ملزمة.
5 - الضرورة المنطقية لتناميه.
* جعل من أهمّ متمّمات الرّسالة الإقناعيَّة في الخطابة توفُّر الخطيب أو المرسل على مؤهلات وصفات مقنعة ومستميلة، وخلو أدائه من المعوّقات التي تحول دون ذلك.
* يحرص بيرلمان على أن يتضمَّن الخطاب الحجاجي الخصائص الجوهريّة لاندماج أبعاد: المتكلّم والسَّامع والمقام كمكوّنات لهذا الخطاب.
* يعتبر بيرلمان الدّفع إلى الفعل أهم وظيفة حجاجية في الإقناع كمجال للبحث الحجاجي، والتي تتطلب وعيا بآليات تحرك المُخاطَبِينَ صوب الفعل وتغييره لما ينسجم مع المقام. كما اهتم بالمقام أو أقدار الحالات المحيطة بالمتلقّين.
* كما يتطلب الإقناع لديه:
-1- وضوح الأسلوب كعامل لغوي.
-2- احترام شخص الخاطَب كعامل نفسي اجتماعي يتطلب الوعي بظروف مختلف الأصعدة السّياسيّة والاجتماعيّة، ولا سيما الرّبط النفسي الناتج عن طبيعة الحجاج الذي ليس سوى دراسة لطبيعة العقول، واختيار أحسن السبل لمحاورتها. والإصغاء إليها، وحيازة انسجامها الإيجابي، لأن عدم توفّر هذه الأمور يفقد الحجاج غايته وتأثيره معاَ.

الخـلاصـة:
من خلال هذا العرض لمفهوم الحجاج في نظريتين: تراثية، متضمَّنة في أوائل كتب التأليـف والتنظير العربي القديم، وهي: نظرية البيان للجاحظ، ونظرية حديثة من نتاج المناهج الحديثـة ولاسيما اللسانية منها، وهي: نظرية البرهان L’argumentation لبيرلمان Perleman، وكذلك من خلال عرض أهمّ مكونات الخطاب الإقناعي في النَّظريتين، نجد أنّ الخطاب الحجاجي (مصطلحاً، ومفهومـاً، ومكونـاتٍ)، ليس حديثاً، ولا من مستجدَّات العصر، إنَّمـا له جذور تراثيَّة، وهو كنوع من الخطابات، قد تمّ تحديده مفهوماً، ونوعاً، ومكوّنات، وحتىَّ إجراءً أوضحت نظريَّة البيان أهمّيته من خلال النُّصوص الواردة في كتاب "البيان والتبيين"، ومن خلال مفهوم البيان عند الجاحظ، وتبيّن من خلال ذلك الرّوابط العميقة بين هذه النظرية التراثية، ونظرية بيرلمان الحديثة التي لا تكاد تختلف عنها إلاَّ في تفاصيل طفيفة، وهذا ييّسر مبدأ الرّبط بين المناهج والإجراءات التراثية، والحديثة، ويفتح قناة للتبادل والإثراء.
أ- هاجر مدقن .


مراجع الدراسة:
(1)- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت،لبنان،د ط، 1992م، مادة (حجج)، ص: 570.
(2)- Petit Robert, Dictionnaire de la langue Français,1er rédaction, Paris,1990, p : 99
(3)- Longman, Dictionary of contemporary English, longman 1989.
(4)- حبيب أعراب، الحجاج والاستدلال الحجاجي (عناصر استقصاء نظري)، عالم الفكر، مجلّة دورية محكَّمة، الكويت، ع1 سبتمبر 2001م، ص:97، 98.
(5)- الجاحظ (عمرو بن بحر)، البيان والتبيين ج1، تحقيق: درويش جويدي، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، لبنان، د ط، 2003م،ص: 56.
(6)- محَّمد العمريّ، البلاغة العربية أصولها وامتداداتها، إفريقيا الشرق ـ المغرب ـ لبنان، د ط،1999م،ص: 191.
(7)- نفسه، ص: 194.
(8)- الجاحظ البيان والتبيين، ج1، ص: 56.
(9)- محمد العمري، السَّابق، ص ص: 199،198.
(10)- نفسه، ص: 201 .
(11)- نفسه، ص ص: 206،205 .
(12)- محَّمد سالم ولد محَّمد الأمين، مفهوم الحجاج عند» بيرلمان« وتطوره في البلاغة المعاصرة، عالم الفكر، ع2، يناير/ مارس،2000، ص: 53.
(13)- نفسه، ص54.
(14)- صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النَّص، عالم المعرفة، ع 164، أغسطس/ آب، 1992، ص:73.
(15)- نفسه، ص74.
(16)- محّمد سالم ولد محّمد الأمين، مفهوم الحجاج عند بيرلمان، ص:61.
(17)- نفسه، ص:61.
(18)- نفسه، ص:61.
(19)- نفسه، ص:63.
(20)- نفسه، ص:67.
(21)- نفسه، ص:68.

http://nu5ba.net/vb/showthread.php?t=8385

__________________

أَعَـــزُّ مـَكَـــانٍ فِي الـدُّنــَى سَـرْجُ سَـابِــحٍ ** وَخَيـــرُ جَـلِيسٍ فِـي الـزّمَـانِ كِتَـــابُ

آخر تعديل بواسطة النجدية ، 19-02-2010 الساعة 03:51 PM سبب آخر: إزالة الكشيدة من العنوان؛ ليظهر الموضوع ضمن نتائج خاصية البحث في المكتبة
إبراهيم براهيمي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-08-2009, 01:06 PM   #2
نضال الخفاجي
كبار الأعضاء
 
الصورة الرمزية نضال الخفاجي
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: العراق _ بغداد
المشاركات: 4,505
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: آليـَّات تشكـل الخطـاب الحجاجي بيـن نظريـة البيـان ونظريـة البرهـان.

جزاكم الله خيرا

__________________
<img src=http://4upz.almsloob.com/uploads/images/www.almsloob.com-29e5a40457.gif border=0 alt= />

عميت عين لا تراك عليها رقيباً وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حبك نصيباً
نضال الخفاجي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-08-2009, 09:13 AM   #3
عيطموس
عضو مميز
 
الصورة الرمزية عيطموس
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
المشاركات: 126
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: آليـَّات تشكـل الخطـاب الحجاجي بيـن نظريـة البيـان ونظريـة البرهـان.

بــــــــــــــــــــــارك الله فيك موضوع رااااااااااائع جداً
ولي سؤال وأرجومنك أستاذي الكريم أن تتحمل جهلي ويتسع صدركـ لقلة فهمي0
حقيقة يصعب علي أن أفرق بين معاني هذه المصطلحات:الجدل،الحجاج،البرهان،المناظرة هل تتفضل أستاذي بتعريف موجزلهذه المصطلحات؟

عيطموس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-02-2010, 03:52 PM   #4
النجدية
(أحسن الله إليها)
 
الصورة الرمزية النجدية
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العالم الإسلامي
المشاركات: 33,973
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: آليات تشكل الخطاب الحجاجي بين نظرية البيان ونظرية البرهان

بارك الله لكم في دقائق عمركم... وزادكم منه رفعة وتألقا

__________________

(تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم)
*~*خير الناس؛ أنفعهم للناس*~*
** * **

النجدية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-06-2010, 01:20 PM   #5
بدر حلب
أبو غالية ( وفقه الله )
 
الصورة الرمزية بدر حلب
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: سوريا
المشاركات: 21,411
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: آليات تشكل الخطاب الحجاجي بين نظرية البيان ونظرية البرهان

شـــكـ بارك المولى فيك ـــراً جــــزيـــــلاً

__________________



<!-- Facebook Badge START -->مكتبة تاريخ سوريا syria history

<!-- Facebook Badge END -->

<!-- Facebook Badge START -->
بدر حلب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-09-2011, 09:57 PM   #6
أبو ذر الفاضلي
أحسن الله إليه
 
الصورة الرمزية أبو ذر الفاضلي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
الدولة: قلعة الأسود
المشاركات: 70,586
المواضيع:
مشاركات:
من مواضيعي
 

افتراضي رد: آليات تشكل الخطاب الحجاجي بين نظرية البيان ونظرية البرهان

بارك الله تعالى فيكم

__________________



أبو ذر الفاضلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الأقسام الرئيسية مشاركات المشاركة الاخيرة
آليات الخطاب النقدي العربي الحديث في مقاربة الشعر الجاهلي أبو ذر الفاضلي المكتبة الأدبية بصيغ أخرى 6 22-04-2014 02:36 AM
كتاب في تشكل الخطاب النقدي مقاربات منهجية معاصرة نضال الخفاجي المكتبة الأدبية المصورة 6 24-10-2013 02:56 AM
منير الدياجي ودر التناجي وفوز المحاجي بحوز الاحاجي والمعرروف بمنير الدياجي في تفسير الاحاجي. أبو ذر الفاضلي رسائل في اللغة العربية وعلومها 2 15-10-2011 02:41 PM
القرآن الكريم ونظرية الأدب بين الإغريق والعرب أبو ذر الفاضلي الكتب اللغوية والأدبية الحصرية المصورة 5 02-06-2011 10:17 PM
جدلية العلاقة بين مفهوم الأدب ونظرية المعرفة إبراهيم براهيمي المكتبة الأدبية بصيغ أخرى 3 02-03-2009 08:43 AM


الساعة الآن »08:33 AM.


 Arabization iraq chooses life
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
.Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd